الأربعاء، 1 يونيو، 2011

الحكومة العراقية التي لم ترض أحداً

عبر رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي عن عدم رضاه عن التشكيلة الوزارية التي أعدها بنفسه، مقرا بأن الشعب غير راض عنها أيضا. وبعد أيام وجه عبد المهدي الكربلائي، معتمد المرجعية الشيعية العليا، انتقادات لاذعة الى الكتل السياسية لقيامها بتشكيل حكومة «ضعيفة ودون المستوى المطلوب». وقال أمام آلاف من المصلين في صحن الإمام الحسين (وسط كربلاء) «هذه التشكيلة لم تكن بالمستوى الذي يطمح اليه المواطن العراقي».
ماذا وراء عدم الرضى عن هذه الحكومة «الناقصة»؟
في الوقت الذي كان ينتظر فيه العراقيون إعلانها، جاءت «حكومة التقسيط» بعد تولي المالكي شخصيا الحقائب الأمنية، بينما شهدت فيه الكتل السياسية شجارا حقيقيا بين مكوناتها حول شغل هذه الوزارات. وتعطي القراءة الأولى للتشكيلة الوزارية التي حصلت على ثقة البرلمان الانطباعات العامة التالية:
- كرست المحاصصة الطائفية والقومية لولاية أخرى، وبطشت بالعناصر المستقلة ذات الكفاءة.
- حققت الوزارة السابقة أعلى مستوى في الفساد الإداري والمالي وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة داخل المؤسسة الحكومية، وإعادة تشكيل الوزارة بالأسلوب نفسه يعزز من حظوظ العراق بالاحتفاظ بمركزه الأول في الفساد عالميا.
- أشرت إلى هزيمة العلمانيين بإعادة سيطرة الأحزاب الدينية والقومية على الدولة.
- لماذا زيباري يرشح لدورة رابعة؟ ما الذي قدمه للسياسة الخارجية والسفارات التي تكثر مشاكلها والتي تحولت إلى مجمعات طائفية وعرقية في الخارج.
أحلام المهنية
- في كل اجتماعاتهم مذ أوقات المعارضة، كان السياسيون الذين صاروا قادة العراق، يركزون على التخصص والتكنوقراط، غير أن التشكيلة الوزارية أوضحت أن الوزراء الجدد هم حزبيون في النسق الأعلى من أحزابهم، وليسوا متخصصين أو لديهم خبرة لقيادة مؤسسات دولة.
- هناك وزارات غريبة لا تجدها إلا في العراق، فماذا تعني: وزارة العشائر، وزارة المصالحة، وزارة للشؤون الخارجية تمنح للناطق الرسمي للحكومة علي الدباغ؟ ولماذا وزارة للأهوار، إذا كانت هناك وزارة للري والموارد المائية، وأخرى للبيئة، وثالثة للمهجرين، ورابعة لحقوق الإنسان؟
- رغم المطالبات من أكثر من تجمع ثقافي عراقي لإناطة وزارة الثقافة لمثقف، إلا أنها راحت هذه المرة في دولاب المحاصصة أيضا ومنحت لوزير دفاع سابق.
- الوزارات الخدماتية تقاسمتها «العراقية» و «الصدريون» والمجلس الأعلى و «الفضيلة»، وتيار الوسط، وكأنها أقل شأنا، بينما العكس هو الصحيح. فالخدمات هي الفشل الأكبر الذي سجل ضد الحكومة الماضية، لاسيما في مجال الكهرباء والصحة والإسكان والمواصلات والاتصالات وغيرها.
- تعويم الوزارات الأمنية حتى الوقت الضائع، في حين أن المشكلة الأمنية هي الأولى في البلاد، وثمة أنباء عن ذهاب وزارة الداخلية الى الصدريين الذين طالما أقلقوا الامن الداخلي بميليشياتهم المتعددة.
- لماذا تسلمت كل قيادات «الدعوة» الحقائب الوزارية؟ وهل يشترط وجود المرء في قيادة حزب الحكم، أن يتمتع بالمهنية والطاقة التي بشر بها المالكي؟
العقدة الكردية
كما بينت المرحلة السابقة، انفراد الحزبين الكرديين التقليديين (الديموقراطي والاتحاد الوطني) في حمل «الورقة الكردية» وإدارة إقليم كردستان والاستحواذ على حقائب الحكومة الاتحادية، في الوقت الذي انسحبت فيه كتلة التغيير من التشكيلة الحكومية.
أضف إلى ذلك، أن الشرط الكردي الغريب والمذل الذي فرضوه على المالكي في أربيل والخاص بكركوك والمادة 140 والاستفتاء على مصير هذه المحافظة النفطية، وأن «الوزارة تعتبر لاغية في حالة انسحاب الأكراد منها»، يقود الحكومة للسير في حقل ألغام حقيقي، فما أن يدوس أحد ما على عقد نفطي كردي، حتى تنفجر الحكومة، وهذه أجواء لا يستطيع أن يعمل بظلها أي رئيس حكومة.
سقوط الدولة
وفي الاجتماع الأول للحكومة، أدرك المالكي أنه سيعمل مع 42 وزيرا (بافتراض الانتهاء من التشكيلة)، وكل وزير رفعه تيار معين إلى الحكومة، بمعنى أنه سيتعامل مع 42 فكرا وأيدلوجيا وطريقة، فضلا عن مذهب وطائفة وقومية وعرق، لذلك حذر من «سقوط الدولة»، إذا انتهج كل وزير خط حزبه وحركته ومذهبه، مشددا على خطورة إدخال أي مفردة تدل على التمييز والمذهبية في عملهم.
من يقف معها؟
يقول المالكي إنه «لا يريد أن يكون متشائما من تشكيلة الحكومة، كون القلق الذي أصاب الجميع يمكن تجاوزه بالتعاون وتظافر الجهود»، مؤكدا على أن «الحكومة ستكون أقوى من سابقتها في حال وقوف الجميع إلى جانبهم».
وهنا اشترط المالكي، سرّ نجاح فريقه وحدده بـ «التظافر» و «التعاون»، وأن يقف الجميع معها. غير أن المعطيات تدلّ على عدم وجود ثقة، وهي ليست حسابات تحليلية، بل تصريحات مباشرة، أكدها الحلفاء والخصوم على السواء.
ّإذن، لا يتعلق الأمر بتفاؤل المالكي او تشاؤمه، بل في خسارته للمتخصصين والخبرات نتيجة للضغوط السياسية التي تعرض لها، وكذلك المحسوبية والترضية لبعض النواب أو الكتل التي أعلنها حتى حلفاؤه.
فلا يوجد رئيس حكومة يشكلها وفق أوراق سيرهم الذاتية التي كتبوها بأنفسهم، فثمة شخصيات لم يقابلهم ولم يسمع عنهم. لذلك قال مستشار المالكي الإعلامي بالنص إن «تشكيلة الحكومة الجديدة لا تمثل طموح رئيس الوزراء، إنما تمثل طموح الكتل السياسية».
استبعاد المرأة
ولم يفلح المالكي في تقديم حجة مناسبة، حينما ألقى اللائمة على الكتل لكونها لم ترشح له نساء، بالرغم من أنه يتزعم أكبر تحالف استحوذ على نصف الحكومة، فلماذا لم يقدم «التحالف الوطني» نساءه؟ وهل خلت «دولة القانون» من امرأة مناسبة؟!
كان الحاكم العسكري الأميركي بول بريمر قد فرض «الكوتا النسائية» في البرلمان (25 %)، لكن النسق الأعلى للساسة العراقيين الآن لديهم مواقف فكرية ودينية ضد مشاركة المرأة في الحكم.
تحالفات هشة
إن قوة أي حكومة في المنظومات المتعددة الأحزاب، تقاس بتحالفاتها القوية، لكن الجميع يعلم مدى هشاشة تحالفات رئيس الحكومة وحزبه مع باقي الكتل السياسية التي شهدت في غضون ترشيح قوائم الوزراء صدامات وانشقاقات وتعرية ونشر غسيل. لقد أجلّ المالكي أهم قضيتين: الأمن والسياسة النفطية، وهو بالتالي شارك في لعبة صناعة حكومة قبل إنهاء «المهلة الدستورية» التي تدخل العراق في نفق معقد للغاية، وارتضى الجميع الاستعجال والغموض وتعليق المشاكل على عواهنها، وكانت الكتل السياسية مستعدة للشد والتأجيل وعرقلة دولاب الحياة، وبالتالي الحكومة.
هكذا لا يولد شيء طبيعي بأجواء غير طبيعية، وهذا ما نشبه به ولادة الحكومة العراقية، لأن الساسة أوصلوا الشعب إلى مرحلة، عدّ فيها مجرد تشكيلها، نبأ سعيدا.