الأحد، 12 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (8)

من المرجح انه لم يثر في المجتمع الدولي الرفض بلا قيد أو شرط كما أثار اجراء العراق بضم الكويتِ ولم يساعد أي شيء آخر على الاسراع بتكوين التحالف السياسي والعسكري كما فعله هذا التصرفِ وفي الحقيقة، كانت بغداد تضرب بيدها وبسلاحها نفسها وشعبهاِ
وهكذا، أصبح تشكيل القوات متعددة الجنسية من الناحية القانونية الرد على دعوة الكويت لمساعدتها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بسبب تعرضها لعدوان ارتكب ضدهاِ وبما أن أراضي الكويت نفسها قد احتلت، فمن الممكن تمركز القوات في البلدان المجاورة أو الواقعة على مقربة منهاِ وكانت هذه البلدان في المقام الأول السعودية والبحرين والاماراتِ والسعودية دعت القوات الأجنبية بعد أن وجدت نفسها بتماس مباشر مع التشكيلات العراقية الضخمة في الكويت وكان ذلك أساسا قانونيا اضافيا أيضاِ
وانحصر أحد أخطاء بغداد الخطيرة في أنها اعتدت على الكويت بقوات تتجاوز كثيرا تلك التي كانت بحاجة اليها للاستيلاء على البلدِ حيث اشترك في التدخل جيش قوامه 120 ألف شخص لا يحتاج سوى 48 ساعة للقفز على آبار السعودية النفطية الرئيسية لو طرحت هذه المهمة أمامهِ
أقلق هذا الأمر السعودية بالطبع وكذلك البلدان المستهلكة للنفطِ وكان العامل النفطي، أحد أقوى حوافز تكوين قوات التحالفِ وامتزجت مهام تحرير الكويت والدفاع عن السعودية وتأمين المصالح النفطية حالا وعمليا مع بعضهاِ
المشاركة السوفيتية
ولعبت الولايات المتحدة دور الزعيم في تشكيل قوات التحالفِ لهذا حصلت على المناصب الرئيسية في هذه القوات (كانت السعودية مشاركة في قيادة العمليات)ِ وشاركت الدول الأخرى بشكل طوعي ولم تغفل واشنطن وسائل التشجيع (اطفاء الديون، المساعدة المالية الجديدة، امدادات الأسلحةِِالخ)ِ غير أن دبلوماسية بوش الشخصية ورحلات بيكر الكثيرة والمتعددة الى الخارج كانت الأدوات الرئيسية لتشكيل هذا التحالفِ فقد أجرى الرئيس بوش في أغسطس ـ سبتمبر 231 مكالمة هاتفية مع رؤساء الدول الأخرى بشأن قضية الكويتِ ولم تلبث نتائجها أن تظهر بوضوح بتشكيل قوات التحالف بسرعة نسبيا وعلى أساس دولي واسع ومركب عربي واسلاميِ وكان هذا الأمر مهما للغاية من الناحية السياسيةِ غير أن القوات المسلحة الأميركية كانت في جميع المراحل باستثناء المرحلة الأولى، العمود الفقري للقوات وهيكلها الرئيسيِ
أفهم جيمس بيكر في مكالمة هاتفية مع أدوارد شيفرنادزه عن قرار ارسال القوات الأميركية الى العربية السعودية بوضوح وأضاف بأنه لا يعارض بالمرة ظهور تشكيلات عسكرية سوفيتية أيضا في هذا البلدِ وكان الأميركان يعودون الى هذه المسألة أكثر من مرة على مختلف المستويات بما في ذلك الرئاسيةِ وعلى سبيل المثال طلبوا منا المشاركة في قوات التحالف لأجل مراقبة الملاحة في الخليج والبحر الأحمرِ وتوجهت الكويت الينا بطلب مماثل (كانت تريد أن يشارك في القوات الدولية البحرية جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين)ِ
أرسل الاتحاد السوفيتي الى الخليج سفينة متوسطة مضادة للسفن ومدمرةِ ليس للمشاركة في قوات التحالف، بل كما أعلن رسميا، من أجل مساندة السفن التجارية السوفيتية اذا اقتضى الأمرِ فالاتحاد السوفيتي قد اعتذر قبلا عن المشاركة في تأمين الحصار البحري ضد العراق، في وقت كانوا يرغبون بنشاط في مشاركتنا في الاجتماعات التنسيقيةِ
وتوجهت لنا المملكة العربية السعودية بطلب المشاركة في قوات التحالف البريةِ وكانت المسألة جدية بالطبعِ ولحسن الحظ، تكون في موسكو اتفاق كامل للآراء حول ضرورة امتناع الاتحاد السوفيتي عن قبول هذه الدعواتِ لم يكن موقفنا معاديا للكويت أو السعوديةِ وكانت التعليلات قبل كل شيء منصبة على خصائص الحقبة الصعبة الداخلية التي تمر بها بلادنا في ذلك الوقتِ ولم يدر الحديث عن ارسال قوات الى الخارجِ بالاضافة الى ذلك، كانت موسكو كما قد أشير، تميل الى تذليل أزمة الكويت بواسطة الحلول السلمية بالحوار مع بغداد والضغط السياسي والاقتصادي عليها وتقوية هذا الضغط اذا اقتضى الأمر وكانت تعارض التدابير العسكريةِ
تملص الاتحاد السوفيتي مسترشدا بهذا النهج وحتى من تلك الطلبات كالمشاركة في نقل القوات وأسلحة البلدان المشاركة في التحالف بواسطة السفن التجارية السوفيتية الى منطقة الخليج (طلب الأميركان والسوريون منا هذا بشكل خاص)ِ
وكانت موسكو في الوقت نفسه، تعتبر أن النواحي العسكرية ينبغي أن تبقى ضمن اختصاص مجلس الأمن كما تقضي بذلك المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد على الترابط المتبادل بين حق الدول في الدفاع الذاتي والجماعي وبين صلاحيات مجلس الأمنِ وكان من المهم تأمين ذلك النظام الذي يستبعد امكانية تشغيل آلية القوات المتعددة الجنسية بدون موافقة مجلس الأمنِ وكانت الدبلوماسية السوفيتية تمارس هذا النهج وتذود عنه بلا تغييرِ
وقدم الاتحاد السوفيتي بنشاط فكرة اجراء هذا العمل في اطار هيئة الأركان العسكرية التي تشير اليها المادة 47 من ميثاق الأمم المتحدة بهدف تقوية آلية الأمم المتحدة بشكل أوثق من أجل مراقبة الوضع العسكري والسياسي في منطقة الخليج واعداد التوصيات اللازمة لمجلس الأمنِ وعلى هذه اللجنة التي تتكون من رؤساء هيئة الأركان العامة للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن أو ممثليهم أن تعطي وفقا لميثاق الأمم المتحدة 'النصائح وتبدي المساعدة لمجلس الأمن في كافة المسائل العسكرية التي تساعد المجلس على احلال الأمن والسلام الدوليين'ِ
غير أن 'الحرب الباردة' قضت على هذه الهيئة بالكسل ووجودها أصبح شكليا و'عملها' انحصر في لقاءات دورية للممثلين العسكريين للدول الخمس وكان يجري انتخاب واحد منهم كرئيسِ واستمر حالها على هذا النحو أكثر من 40 سنةِ
وخلال الحرب العراقية ـ الايرانية وعندما نشأت مشاكل حرية الملاحة في الخليج، اقترحت موسكو تفعيل لجنة الأركان العسكرية بغية تحديد الخطوات الجماعية الممكنة، غير أنها لم تحصل على تأييد حينذاكِ
وطرح الاتحاد السوفيتي الآن، عندما بدأ تشكيل قوات التحالف هذه المسألة من جديد أمام الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدائمينِ ومن المفهوم أن سبب الطرح لم ينبع من الرغبة في المحاربة، بل في توطيد امكانيات مجلس الأمن لكي يقوم بهيبة وتوازن بدوره ليس بمناسبة الحالة الكويتية فحسبِ
وعندما حاولنا بعث هيئة الأمم المتحدة انسجاما مع الظروف الدولية المعاصرة، وضعنا في حسابنا المستقبلِ وكيفية تطوير قدراتها لكي تستطيع التغلب على حالات تتخذ لها طابعا عسكرياِ وكنا نعتقد أن الأزمة العراقية ـ الكويتية لن تكون الأخيرةِ ولذا كان من الواجب التفكير في كيفية تعامل الأمم المتحدة مع مثل هذا النوع من المشاكل في المستقبلِ
فتح شيفرنادزه الموضوع عن لجنة هيئة الأركان العسكرية مع بيكرِ وكنت التقي مع سفراء البلدان الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لغرض توضيح موقفناِ ونبهتهم الى انه من الممكن ضم أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين ودول أخرى على أساس اختياري الى لجنة هيئة الأركان، فذلك لا يخالف الميثاقِ ورأينا بأن ذلك يضمن الحفاظ على الموقف الديموقراطي من استخدام اللجنة عند المحافظة على دور الدول الخمس المتصدر للآخرينِ تسنى لنا هذه المرة تحريك الصخرة من مكانها بعض الشيءِ فقد تمت المشاورات في بداية الأمر مع الولايات المتحدة ومن ثم مع أعضاء مجلس الأمن الآخرينِ وعقدت جلسة غير رسمية للجنة هيئة الأركان العسكرية في نيويورك واشترك فيها نائب رئيس هيئة الأركان العامة السوفيتيةِ ولكن الأمر جمد فيما بعد (وليس بذنبنا بطبيعة الحال)ِ غير أنه وضعت بداية ما ولو متواضعة لبعث نشاط لجنة الأركانِ
نهب الكويت
ليس ثمة حاجة للكلام عن متابعتنا المحيرة والضجرة والقلقة من سلوك بغداد وأخطاء القيادة العراقية الفاحشة التي كانت ترتكب الواحد تلو الآخرِ وكان نمط سلوك العراقيين في الكويت أحد هذه الأخطاءِ
كنا نستلم من سفارتنا أخبارا تبعث القلق أكثر فأكثر في هذا الصددِ وكانت صورة الكرب الواقع ترسم بايجاز بواسطة البرقيات المشفرةِ وعندما عاد مواطنونا من الكويت تمكنوا من التحدث بالتفصيل عما عانوه ورأوهِ وبدا وضع البلد المحتل قبيحا جداِ
ونشرت جريدة 'ايزفيستيا' في عدة أعداد نبذة عن مراسلها في الكويت بوريس ايفانوف كشاهد عيان للأحداثِ ويتفق حديثه مع ما سمعته من أعضاء بعثتنا الدبلوماسية الذين عادوا الى موسكو في آن واحد معهِ وأردت ايراد بعض المقاطع من هذه الشهادة التي أثرت تأثيرا على تشكيل موقف المجتمع (الروسي ـ ج) من الأحداث في منطقة الخليجِ
كتب الصحافي: 'يقبض صدري عندما أرى كيف ينهبون العاصمة ويدمرونهاِ صحيح أنه لم تحدث في بداية الأمر حالات السلب والنهبِ لكنه بدأ التكلم عنها بعد عدة أيام من الغزوِ وبحكم كل شيء وبعد أن أدركت بغداد بأنه لم يتسن لها تشكيل 'الحكومة الثورية الجديدة' المذعنة لها من الكويتيين، تخلت عن هذه النية وسلمت المدينة للمنتصرين ليستبيحوها كما كان يحدث في أوقات الحروب في القرون الوسطىِ وعندما أعلن العراق ضم الكويت بلغت حالات النهب والسلب حدا ساحقاِ
اليكم بعض المشاهد التي رأيتها في شوارع عاصمة الكويت في تلك الأيامِ يقف جندي عراقي وسط المدينة في أحد الشوارع التجارية الرئيسية وأمام واجهة أحد محال المجوهراتِ يمعن النظر باهتمام في المصوغات الموضوعةِ يختارِ ثم يرفع عن كتفه البندقية الرشاشة ويهوي بمؤخرتها على الزجاجِ بعدها يأخذ كل ما هو موجود ويدسه في جيوبهِ
يناقش قرب هذا المكان عدة جنود بهمة على ما يبدو نتائج 'حرفتهم'ِ ويعرض أحدهم يده مطوقة بعشر ساعات تقريباِ ثم يخرج من حقيبته صندوقا من الكرتون يحوي جهاز استقبال ومن ثم الصندوق الثاني والثالثِِ
أصبحت الحقائب والكراتين لوازم العراقيين العادية كالسلاحِ وكانت المحال الصغيرة والدكاكين الضحايا الأولى للنهبِ ثم انتقل العراقيون الى المحلات الفاخرةِ ووصلت تكنولوجيا النهب بمرور الوقت الى الكمالِ كان الضابط يقترب مع جنوده بالسيارة من المحل التجاري المختار من قبلِ يحطم الجنود البوابة ويشحنون بانتظام البضائع في السيارةِ ولم يكونوا ينهبون بالمفرد، بل بالجملةِِ
وجاء أسبوع الاحتلال الثاني ببدعة أخرىِ بدأت تصل من العراق الى الكويت قوافل 'قطاع الطرق' تحملهم الباصاتِ وعلى أثرهم كان النهابون يندفعون بسياراتهم الشخصية وحتى بالتاكسيِِ
كانت المدينة تندفع في نهاية الأسبوع الثالث من الاحتلال نحو الظلامِ وأصبح مركز المدينة الذي كان يتميز في الماضي القريب بالنقاء الفائق الى مقلب للزبالةِ وغطت الشوارع بقايا الزجاج المكسر وحطام الخرسانات والأمتعة الملقاة بفوضىِ فبعد بداية العمليات الحربية أنهت مرافق الخدمات أعمالها في المدينةِ وتراكمت في الأحياء السكنية تلال النفايات وكان خطر تعرض المدينة لأوبئة شديدا خاصة ان الحرارة بلغت 45 درجة مئويةِ
كان الغزو العراقي بالنسبة لغالبية سكان الكويت مفاجأة وصدمة كبرىِ ولم تصل القوات العراقية الى الكويت بحرية كما كانت بغداد تؤكد ذلك علنا، بل صاحبتها المشاكل والتهديد والجوع والتخريب والخوف حتى على حياة أفراد القوات أنفسهم'ِ
وكان سكان الكويت الذين تسنى لهم ترك بلادهم يتحدثون عن صور مشابهة وأكثر مأساةِ ومن بينهم المواطنون الأجانب العاملين هناك: الهنود، الباكستانيون وعشرات الجنسيات الأخرىِ وامتلأت الصحافة العالمية وقتذاك بهذه الأحاديثِ
تقسيم الكويت
وبدا لبغداد أن الاعلان عن مزج الكويت بالعراق غير كافِ وقرروا هناك تقسيم الكويت نفسهاِ ففي نهاية أغسطس نقل القسم الشمالي من الكويت الى احدى محافظات العراق، بينما أعلن القسم المتبقي بالمحافظة العراقية ال 19. وأعيدت تسمية عاصمة الكويت الى مدينة كاظمة، لكي لا يذكر شيء عن الكويت كدولةِ
وبعد ضم الكويت انتابني شعور بأن الحالة لو تطورت على هذا النحو فمن المشكوك فيه اجتناب الحربِ وكان هذا الشعور يقوى بما تظهره بغداد بمختلف الطرق عن عزمها عدم مغادرة الكويتِ لم أخف أسوأ شكوكي في حتمية انهزام العراق لو وصل الأمر الى الحرب عن زملائي في وزارة الخارجية وخارجها ولا عن العراقيينِ وتكون لي من مناقشاتي مع أدوارد شيفرنادزه انطباع بأنه كان ينظر خلال شهور الأزمة الأولى الى الحالة ليس بهذا القدر من العتمة، ظانا بأن صدام حسين كانسان يفكر بشكل واقعي لابد أن يتوقف لحظة ما من أن يمني نفسه بالأوهام ويكف عن البلفِ ومع ذلك لم تكن هذه الثقة بالنتيجة الأفضل تحول الوزير من النضال من أجل حل الأزمة سلميا ووضع هذه المهمة بالمقام الأولِ
عموما، دار الحديث عن اخلاء آلاف الأشخاص والوقت الذي سيستغرقه ذلك والذي كان يبدو غير كافِ ولهذا السبب استعجلت موسكوِ وقامت سفارتنا في بغداد والقنصلية العامة في البصرة بعمل كبير في توضيح حقيقة الأمر وأتت جهودهما بالنتائجِ بدأ الخبراء يصلون ببطء في المراحل الأولى ثم أسرع فأسرع بعد أن أدركوا بأن مزاج الطرب السائد لدى العراقيين بعد ضمهم للكويت تضليل يهدد بالتحول الى مأساة لكل من يقف على أراضي العراقِ
وبرزت صعوبة أخرى التغلب عليها عقد من المسألةِ وهي عدم سماح السلطات العراقية لمواطنينا بالرحيلِ وفي هذا الصدد لابد من التوقف عند موقف بغداد الحازم تجاه المواطنين الأجانب الذين كانوا في الكويت والعراقِ
لا يجوز استبعاد فكرة استخدام الأجانب كأداة للضغط على حكومات تلك البلدان التي ينتسبون اليها في عداد عناصر بغداد السياسية في تحييد العمل المضاد للاستيلاء على الكويتِ ففي 4 أغسطس أعلن عن ترحيل مجموعة الأجانب الأولى باعتبارهم غير مرغوب فيهم (35 مستشارا عسكريا انكليزيا عملوا مع القوات الكويتية و10 بحارة عملوا في ناقلة النفط الأميركية الراسية في ميناء الكويت)ِ وسمع في 5 أغسطس من اذاعة بغداد الانذار التالي: يجب أن تتذكر تلك البلدان التي تلجأ الى معاقبة حكومة الكويت الحرة المؤقتة أو العراق الشقيق بأن لها في الكويت مصالحها ومواطنيهاِ
بدأت حملات الاعتقال في 6 أغسطس في الكويتِ ونقلت مجموعات الأجانب وبالأخص الأميركيين الى العراقِ وفي النتيجة تم نقل مئات الأجانب بمن فيهم النساء والأطفال من بلدان: الولايات المتحدة، انكلترا، فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، بلجيكا، هولندا، البلدان الاسكندنافية، استراليا، اليابان وبعض البلدان الأخرى قسرا من الكويت الى العراق حيث تم احتجازهمِ وأخبرت بغداد في 9 أغسطس بأنه لن يسمح لآلاف الأجانب الموجودين في الكويت والعراق بتركهماِ واتخذت حملة حجز مواطني البلدان الغربية (وليس وحدهم) طابعا شاملا تقريباِ
بناء على ذلك، أعرب مجلس الأمن في 17 أغسطس عن قلقه على مصير الأجانب في العراق والكويت وتوجه الى الأمين العام للأمم المتحدة بطلب اتخاذ كافة الاجراءات الضرورية لأجل حل هذه المشكلةِ ولكن لم تمر عدة ساعات حتى أحرجت شفتا رئيس البرلمان العراقي الوضع أكثرِ عبرت كلماته عن أن جميع مواطني بلدان التحالف سيحجزون في العراق طالما خطر العمليات العسكرية لم يزل قائما ضدهِ وأنهم سيوزعون على المنشآت العسكرية والحساسة العراقية أو على مقربة منها بغية استبعاد امكانية انزال ضربة عسكرية على هذه الأهدافِ بعبارة أخرى، حولوا الناس الآمنين الى 'دروع حية' من أجل المحافظة على الكويت كغنيمة حربِ
لم يتمكن مجلس الأمن من السكوت ورد بالفعل على الخرق الجديد للقانون الدولي باتخاذه القرار 664 في 18 أغسطس الذي طالب فيه بأن 'يسمح العراق بترحيل مواطني البلدان الثالثة من الكويت والعراق فوراِ والسماح لممثلي القنصليات من الاتصالات الدائمة معهم وأن يتخذ كافة الاجراءات التي تضمن سلامتهم وصحتهم'ِ وطالب مجلس الأمن في الوقت نفسه بأن تلغي الحكومة العراقية أوامرها باغلاق البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الكويت ونزعها الحصانة من العاملين فيهاِ
أعقب القرار رد قيادة العراق الفوريِ ففي 19 أغسطس تلت اذاعة بغداد رسالة صدام حسين المفتوحة الى أقرباء الأجانب المحتجزينِ وجاء فيها بأنهم سيبقون في الكويت والعراق الى الوقت الذي يسحب فيه الغرب قواته من منطقة الخليج واعطاء تعهد بعدم الاعتداء على العراقِ وحتى ذلك الوقت سيغطي المحتجزون، وكما اسماهم صدام حسين بالضيوف الأجانب، المنشآت العسكرية والحساسة في العراق والكويتِ
واقترحت بغداد بسخرية على مجلس الأمن بأن يقر جدول سحب القوات الأجنبية من منطقة الخليج وأشارت الى أن انسحاب القوات يجب أن يتم في المواعيد التي لا تتجاوز تلك التي تطلبت ادخالهاِ ولم يذكر في متن الرسالة أي شيء عن مصير الكويت، بل حذر المذنبين (بغض النظر عن جنسيتهم) الذين سيخفون الأجانب والذين حظر خروجهم من العراق والكويت بأنهم سيتعرضون للاعدامِ
وسمح في الوقت ذاته برحيل مواطني بعض الدول الغربية التي لم 'تتخذ اجراءات غير ودية ضد العراق': النمساويين، السويديين، السويسريين والفنلنديينِ ولم تسع بغداد في هذا التصرف لاثارة الانفعالات الانسانية فحسب، بل لاثارة الفتنة بين بلدان الغرب بعضها مع البعض الآخرِ
ودفعت موجة الاستياء التي عمت الكثير من بلدان العالم بغداد لأن تصحح بعض الشيء نهجها ازاء الرهائن بسماحها للنساء والأطفال بالرحيلِ
لم يعتقلوا الخبراء السوفيت في العراق ولم يعرضوهم للاضطهادِ الا أنهم لم يعطوهم تأشيرات خروج لمختلف الحججِ ولهذا السبب كان السيل الضعيف لرحيل الخبراء السوفيت من العراق يثير قلق موسكو وضجرها الكبيرِ لم يمتلك أحد الحق في حجز مواطنينا خلافا عن ارادتهم لأنهم لم يخرقوا القوانين المحليةِ أما انهاء أعمالهم في العراق قبل المواعيد المثبتة فجاء بسبب أعمال بغداد غير الشرعية والخطر الناشئ على حياتهم وسلامتهمِ واذا كان للعراق ادعاءات ما، فمن الواجب تقديمها ليس للأشخاص العاديين، بل ضد المؤسسات السوفيتية التي وقعت العقود معهاِ وكان يقلقنا أكثر أن الجزء الأكبر من الخبراء كانوا يعملون في جنوب العراق والكثير منهم قرب الكويت مباشرةِ
وكانت مشكلة رحيل خبرائنا تحل بألم بذنب الجانب العراقي وحدثت أعمال عصبية من قبل الناس في أغلب الأحيان أحرجت العلاقات السوفيتية ـ العراقيةِ وباعتقادي فإن بغداد فقدت بحجزها الخبراء السوفيت أكثر مما كسبت، لا سيما أنه لا معنى لوجودهم بفقدانهم العمل في سير العمليات العسكريةِ

مشكلة الرهائن

كانت أمامنا في ذلك الوقت القضية الأهم: المواطنون السوفيت في الكويتِ وكان لدينا هناك في 2 أغسطس 883 موفدا عن مختلف الوزارات والمؤسسات بينهم 94 امرأة و67 طفلاِ وأصبح بقاؤهم في الكويت المحتلة خطراِ زد على ذلك بدأت أزمة المواد الغذائية وحتى ماء الشرب لأن نظام التموين كله أصيب بالخلل حالاِ
وفي 9 أغسطس اتخذ بناء على اقتراح وزارة الخارجية السوفيتية قرارا بتوقيف عمل جميع المؤسسات السوفيتية في الكويت بشكل مؤقت واجلاء كافة مواطنينا من هناكِ وأخبرنا الجانب العراقي بأن مغادرة بعثتنا الدبلوماسية وعودتها الى الاتحاد السوفيتي لا يعني موافقتنا على قرار بغداد باغلاق كافة البعثات الدبلوماسية في الكويتِ ويعني هذا أن الاتحاد السوفيتي سيبقى يحافظ على العلاقات الدبلوماسية مع دولة الكويتِ وفسرت هذا الأمر لسفير الكويت في موسكوِ
افترضت طريقة أكثر ملاءمة لاخلاء الناس من الكويت بواسطة البحر أو الجو بتنظيم وصول احدى سفننا اليها أو رحلات خاصة ل 'ايروفلوت' (شركة الطيران السوفيتية الوحيدة التي كانت موجودة في ذلك الوقت ـ ج)ِ غير أن العراقيين رفضوا طلباتنا الكثيرة معللين ذلك بأن مطار الكويت وميناءها مغلقانِ وبقي الطريق الوحيد للاجلاء هو سيارات النقل عبر العراقِ وبما أن السلطات العراقية أغلقت المجال الجوي للعراق نفسه بوجه الطائرات الأجنبية بما فيها طائرات 'ايروفلوت'، فكانت العاصمة الأردنية عمان أقرب نقطة كان من الممكن تنظيم اقلاع الطائرات لمواطنينا الى الوطنِ والطريق الى هناك ليس بقريب: 725 كيلومترا من الكويت الى بغداد و1285 كيلومترا من بغداد الى عمانِ والاجمالي أكثر من 2000 كيلومتر في ظروف حرارة شديدةِ ولم يكن ثمة خيار آخر ووجب الاستعداد للرحيلِ
حصل أن سفيرنا زفيريف كان أثناء الاستيلاء على الكويت في موسكوِ وقرر العودة الى الكويت على عجل بسبب تعقيد مسؤولية اغلاق مؤسساتنا في الكويت وتأمين رحيل منظم لمواطنيناِ سافر فورا الى عمانِ غير أن بغداد لم تسمح له بدخول الكويت بالرغم من تفسيرنا لهم بالمهام المكلف بهاِ بقي أسبوعين في عمان ينتظر سماح السلطات العراقية وبعد أن تعذر الحصول على الاذن عاد الى موسكوِ وكان هذا الموقف مميزا في تلك الأيام وانعكاسا لموقف بلدنا في تلك المرحلة من الأزمةِ
تم اخلاء المواطنين السوفيت من الكويت بأربع مجموعات في الفترة من 15 حتى 24 أغسطسِ واستخدموا لأجل ذلك كافة السيارات الموجودةِ ووصلت المجموعة الأخيرة الى موسكو مباشرة من بغداد بعد أن فتحت السلطات العراقية مجالها الجوي أخيرا بعد أن توجهنا اليهم بطلبات كثيرةِ
واثر اخلاء الجالية السوفيتية من الكويت، جاء دور مواطنينا في العراقِ كان تعدادهم 7791 شخص منهم 639 امرأة و274 طفلاِ وكانوا موزعون في العراق (في بغداد 910 اشخاص وفي ضواحي العاصمة وشمال العراق وجنوبه 5800)ِ وعانينا من صعوبة الاتصال بهم وتنظيم اجلائهم بشكل عامِ ومع ذلك نجحنا في اتمام المرحلة الأولى: اخلاء النساء والأطفال في مواعيد موجزة بدأت في 27 أغسطس وانتهت في 31 منه (وصل الى موسكو في هذه الفترة قرابة 900 شخص برحلات خاصة ل 'ايروفلوت')ِ
غير أن الأمر مع رجال الجالية كان أعقد بكثير لأسباب ينحصر أهمها في الأمل العشوائي الذي كان يتملكهم في تسوية المشكلة بطريقة ما عندها تنتفي الحاجة للرحيلِ وكان من السهل ادراك عقلية السوفيت المبعوثين بمأمورية الى الخارج، فقد طوق سفر الناس للعمل في الخارج بالكثير من العراقيل واذا وقعت بأيديهم الفرصة السعيدة فلا يريدون العودة قبل الموعد بطبيعة الحالِ