السبت، 4 يونيو، 2011

كتاب الصحوة الإسلامية في روسيا المعاصرة



بروفيسور الكسي ملاشينكو

ترجمة : د . جمال حسين علي
* صدر عن مؤسسة "كارنيغي" في موسكو نهاية 1998 ونشرت ترجمته الكاملة في جريدة "القبس" ابتداء من مارس 1999
لأهميته البالغة أهديه للباحثين والمتابعين والمهتمين في هذا الشأن، ولا يفوتني التنبيه الى الصعوبات الفنية التي رافت نقل كتاب إلى مدونة، فيما يخص صف المادة وترتيبها وغيرها.

مدخل

ان روسيا الاتحادية دولة تتألف الأغلبية الساحقة في سكانها من الروس، ولكن تعيش فيها شعوب وقوميات اخرى كثيرة لها ثقافاتها وأديانهاِ ويعتبر الاسلام في روسيا دين الاقلية بالرغم من جذوره التاريخية العميقة ، ووجوده على مدى قرون طويلة في أراضي البلاد واندماجات يحدد في نهاية المطاف مكانة المسلمين في خارطة المجتمع الروسي الطائفية والأثنية والسياسية.

من جانب آخر يتباين وضع الاسلام في التقاليد الحضارية الروسية، ووضع المسلمين في المجتمع الروسيِ. فقد نشأ في الامبراطورية الروسية، ومن ثم في الاتحاد السوفيتي ثلاث مناطق اسلامية مترامية الاطراف وثابتة. وفي الواقع ان مسلمي روسيا من تتار وبشكير والشعوب الاخرى في مناطق حوض الفولغا التي اعتنق بعض أبنائها الاسلام، قد تعرضوا بحكم عدد من الاسباب الى فقدان الهوية القومية بهذا القدر أو ذاك لاندماجهم مع الروس، ثم انصهروا في المجتمع الروسي تدريجيا بالرغم من نضالهم المستمر منذ ضمهم الى الامبراطورية الروسية في سبيل الاستقلال والحفاظ على الأصالة القومية.

أما المسلمون في آسيا الوسطى الذين جرى ضمهم في وقت متأخر الى الامبراطورية وحافظوا على هويتهم القومية والثقافية والدينية وأسلوب حياتهم وأنماطه الاقتصادية التقليدية ، فقد أصبحوا في وضع يتيح اعتبارهم بمثابة 'عضو مشارك' في المجتمع الروسي، ومن ثم في المجتمع السوفيتي.

وكان الموقف من الاسلام في الامبراطورية الروسية، ومن بعده في الاتحاد السوفيتي، يختلف تبعا للزمان والأوضاع والفئة الاجتماعية ، ويتراوح ما بين عدم الاعتراف او الاعتراف به بصفته جزءا من المجتمع التاريخي الروسي والحضارة الروسية العامة (وهو أمر مميز بالنسبة الى ايديولوجيا أو اسلوب التفكير الأوروبي - الآسيوي).

وكانت النظرة الى الاسلام بصفته يجسد تقاليد دينية وحضارية في المجتمع الروسي سواء على صعيد السلطة او الناس تختلف عن النظرة الى معتنقيه من تتار وبشكير وابناء القوقاز، وبعبارة اخرى ان الموقف من المسلمين أنفسهم كان افضل واكثر تسامحا من الموقف من الاسلام نفسه.
من جانب آخر، لقد تباينت مواقف المسلمين أنفسهم في روسيا : فالبعض يرى بأن التعايش مع الروس في دولة واحدة يجلب المنفعة لهم، بينما يصر البعض الآخر على ان التقاليد الروسية غريبة عن الاسلام ولهذا فانهم يفضلون العيش بصورة منفصلة، وهو ما لا يمكن تحقيقه عمليا الا بخروج المسلمين من الدولة الروسية.

وحاليا بدأت روسيا، التي ورثت " القضية الاسلامية " من الامبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي، لتوها بادراك كونها دولة اخرى، غير الدولة السوفيتية، وتعاني من مخاض تفهم ما يعنيه في الظروف الجديدة ان تكون دولة ذات مجتمع تتعدد فيه القوميات والطوائف.

عدد المسلمين

ماذا تعني 'القضية الاسلامية' بالنسبة لها اليوم؟
أولا، وجود من 11 الى 22 مليون مسلم في روسيا ينتمون الى أكثر من 40 قوميةِ ويقدر الباحث الروسي الدكتور فيتالي ناؤمكين عدد المسلمين في روسيا بحوالي 5.11 مليون نسمة. لكن لجنة الاحصاء في روسيا الاتحادية السوفيتية أوردت في عام 1989 الرقم التالي: 12 مليون نسمة. وطبقا لمعطيات وزارة الخارجية الروسية فان عدد المسلمين لا يتجاوز 17 مليون نسمة. وذكر الرقم 19 مليون نسمة الشيخ راوي عين الدين امام مسجد موسكو الكبير و رئيس الادارة الدينية للشطر الأوروبي من روسيا ومراد زارغيشييف رئيس لجنة شؤون الأديان في السوفيت الأعلى لروسيا الاتحادية (سابقا)ِ كما ذكر لاحقا ان عدد المسلمين في روسيا يعادل 20 مليون نسمة. فيما أورد الدكتور فريد اسدولين نائب مفتي موسكو للشؤون العلمية والعلاقات العامة رقما آخر هو 23 مليون نسمة. وذكر اندريه فاغانوف في صحيفة 'نيزافيسيمايا غازيتا' ان المسلمين يشكلون نسبة 20 في المائة من سكان روسيا (أي ما يعادل 30 مليون نسمة).

ويشدد حيدر جمال أحد المفكرين المسلمين الروس، احد زعماء حزب النهضة الاسلامية ، رئيس " اللجنة الاسلامية " ، باصرار ان عدد المسلمين في روسيا لا يقل عن 30 مليون نسمة ، وان المعطيات الرسمية المعلنة غير صحيحة حيث تعمد السلطات عن قصد الى تقليلها سعيا الى التأكيد على ان عدد المسلمين قليل ، وبالتالي فان " القضية الاسلامية " ليست ذات أهمية كبيرة في روسياِ (يعتقد المستشرق الدكتور يوري كوبيشانوف بأن عدد المسلمين في البلاد سيصل بعد 3 عقود من السنين الى 30 - 40 مليون نسمة ، وسيرتفع هذا الرقم في أواسط القرن القادم الى 65 مليون نسمةِ وهذه النسبة ستقارب عدد الروس).

ويتوزع المسلمون في وسط روسيا (0،2%) وفي شمال القوقاز (24،9%) ويؤكد المفتي راوي عين الدين على وجود أكثر من 850 ألف مسلم في 18 مقاطعة روسية (نيجني نوفجورود، اومسك، سامارا، ساراتوف، استراخان، بيرم، سفردلوفسك، اورنبورغ، تيومين، تشيليابينسك)، ويبلغ عددهم في موسكو وضواحيها حوالي المليون و200 ألف نسمة.

وبالرغم من اختلاف المعطيات الاحصائية كثيرا بشأن عدد المسلمين فانه لا يماري أحد في ازدياد عدد المسلمين باطراد قياسا الى ابناء القوميات الاخرى. واذا ما كانت نسبتهم في عام 1937 تبلغ 35،9% فان
هذه النسبة بلغت في عام 1989 حوالي 9،7% ثم ارتفعت في عام 1994 الى 8% (طبقا للاحصائيات الرسمية في روسيا الاتحادية).

التوزيع القومي

أما التوزيع القومي للمسلمين في روسيا فهو كالآتي طبقا لنسبتهم:
التتار - أكثر من 5 ملايين نسمة (وهم من أكبر القوميات بعد الروس ويشكلون نسبة 8،4% من عدد السكان الإجمالي ) و البشكير - أكثر من مليون و الشيشان - حوالي المليون و الآفار - أكثر من نصف مليون نسمة و القبرطيون - حوالي 360 ألف نسمة و الدارغين - حوالي 300 ألف نسمة و الليزغين - أكثر من 200 ألف نسمة و الانغوش - أكثر من 170 ألف نسمة و القرشاي - حوالي 140 ألف نسمة و اللاكيون - قرابة 100 ألف نسمة و البلقار - حوالي 80 ألف نسمة.

علاوة على ذلك يقطن في روسيا حوالي المليون نسمة من الأذريين وحتى مليون كازاخي وعشرات آلاف الاوزبيك والقيرغيز والطاجيك.
ولدى اجمال مختلف المعطيات الاحصائية يمكن استخلاص استنتاج مفاده ان عدد المسلمين من رعايا روسيا يتراوح ما بين 15 و20 مليون نسمة. وقد يزداد هذا الرقم اذ ما أضيفت اليه الزوجات سلافيات الأصل المتزوجات من مسلمين، أو الذين اعتنقوا الاسلام دون تسجيل ذلك رسميا. ومهم أنه لدى إجراء أية حسابات فالمقصود بالأمر ملايين من اتباع "الدعوة المحمدية " كما كان يقال في الأزمنة الماضية بروسيا. ويتسم العامل الاسلامي بأهمية كبيرة بالنسبة الى روسيا لكون ست جمهوريات سوفيتية سابقا (اذربيجان وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وتركمانيا واوزبكستان) تنتمي الى العالم الاسلاميِ زد على ذلك توجد ضمن المصالح الروسية افغانستان وايران وتركيا التي كانت سابقا من جارات الاتحاد السوفيتي ، وكذلك باكستان ودول الشرق الاوسطِ وبهذا توجد في جنوب وجنوب غربي روسيا مساحة كبيرة من البلدان الاسلامية التي كانت روسيا طوال تاريخها تقيم معها مختلف أشكال العلاقات.

توترِِ لا تصادم


وبعد انهيار النظام العالمي ذي القطبين بدأت تتشكل علاقات جديدة تتجه مساراتها نحو " محور التصادم " بين الحضارتين الأعظم الاقليميتين.

ورغم اننا لا نعترف بالصواب التام لفكرة الباحث السياسي الاميركي صموئيل هنتنغون بشأن حتمية تصادم الحضارات، فلابد من الاشارة الى عدم زوال التوتر بين العالمين المسيحي الغربي والاسلامي الذي يتخذ أشكالا متباينة وبضمنها النزاعات باستخدام القوة.
وفي الظروف حين واجهت روسيا المسيحية مشكلة الاحتفاظ بوضع دولة كبرى في منظومة العلاقات الدولية ، يغدو واردا تماما ذلك الوضع الذي يمكن ان يصبح الاستقرار وتطوير علاقاتها مع العالم الاسلامي أحد العوامل الملموسة في دعم مكانتها ونهجها السياسي المستقل عن الغرب. من جانب آخر، فان من مصلحة الدول الاسلامية وجود روسيا القوية القادرة على الحد بقدر ما من سيطرة الغرب السياسية والعسكرية. والبلدان الاسلامية في الشرقين الأدنى والأوسط سواء الأنظمة الراديكالية التي تربطها علاقات صداقة تقليدية مع بلادنا منذ العهد السوفيتي، أو الأنظمة المعتدلة المرتبطة تقليديا بأوروبا والولايات المتحدة مثل المملكة العربية السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة وغيرها. فهذه الدول ترى في وجود روسيا القوية الفرصة لكسب حرية المناورة في العلاقات مع الغرب. وخفض مستوى التبعية له. ومما له دلالته انه في اواسط، التسعينات حين بلغت الأزمة الشيشانية ذروتها أبدت جميع الدول الاسلامية تعاطفها مع الشيشان الثائرين ، لكن لم تشكك أية واحدة منها في وحدة أراضي روسيا الاتحادية.
وفي كل الأحوال فان " العامل الاسلامي " موجود في السياسة الداخلية والخارجية. وموضوعات هذا الكتاب متنوعة جدا وتتراوح ما بين تأثير الاسلام على الحياة الاجتماعية والسياسية في روسيا المعاصرة، والنشاط السياسي للمسلمين، وموقف رجال الدين، ونشاط المنظمات الاسلامية. وفي نهاية المطاف موقف السلطات من الاسلام. ونقدم فيه استعراضا تاريخيا موجزا جرى التركيز فيه على أهمية الاسلام بالنسبة الى الحياة الاجتماعية والسياسية في الامبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي.