الأربعاء، 8 يونيو، 2011

أين اختفى اليورانيوم الروسي؟

كانت حياة الفرع الذري تجري في كل الاوقات في سر مصون بسبب الاجراءات الصارمة لما يحدث في داخلهِ ومن جراء شطر الذرة التي كانت بحق انتصارا للعقل الانساني على قوى الطبيعة الغامضة وبسبب ارتباط هذا الفرع بأسرار الدولة العسكرية، بدا العاملون في هذا المجال وكأنهم سحرة وجن يعيشون في زوايا ضيقة بعيدة عن الناس العاديين.
وتبرز قضايا القطاع الذري الروسي اليوم على خلفية ضعف الصناعة الروسية بشكل عامِ غير ان المحطات الكهروذرية مازالت تعمل وتنفذ الطلبات العسكرية وتصدر الخامات التقليدية الخاصة بتركيز اليورانيوم، في هذا الشأن عقود مثل 'فوو نوو' بإمداد الولايات المتحدة باليورانيوم المركز المستخلص من اليورانيوم الحربي، وتوريدات وقود اليورانيوم وكذلك تصدير اليورانيوم الطبيعي والمركز لبلدان مختلفة.
ومع ذلك تبقى عملية استخراج اليورانيوم غير كبيرة بالقياس لحجم الامكانات الروسية في هذا المجال.
ولا بد من التذكير بأنه بعد اندثار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي بقي على الأراضي الروسية المجمع الانتاجي 'بريارغونسكي' وهو الوحيد الذي يستخرج اليورانيوم حالياِ وقدرته 2.5 ـ 3 آلاف طن لليورانيوم الخام في السنة.
وفي غضون ذلك تحتاج صناعة الطاقة في روسيا الى امداد بلدان اخرى بالوقود النووي 'خاصة تلك التي بناها السوفيت في سلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا وفنلندة وتشيكيا واوكرانيا' التي تقدر بأكثر من 6 آلاف طن من اليورانيوم الطبيعي في السنة، ناهيك عن عقد 'فوو نوو'ِ ونتيجة لذلك انخفضت القدرة لتلبية حاجات القطاع العسكري بشكل كبير.
ومجمع 'برياغونسكي' يحيط وثائقه بسرية مطلقةِ ويمكن القول انه منذ عام 1992 تصدر روسيا كل ما تستخرجه من يورانيوم! وتدل تقديرات الخبراء بأن الفرق في ميزان المستخرج والمواد الخام يشكل 9 آلاف طن على الاقلِ وتؤكد هذه المقارنة وجود احتياطي ضخم للمواد الخام المتراكمة منذ الأوقات السوفيتية.
البحث عن اليورانيوم المفقود
لم تصدر المنشآت السوفيتية التي تدخل الآن في منظومة وزارة الطاقة الذرية إلا الخامات الناتجة عن تركيز اليورانيوم ووقود المحطات الكهروذرية المبنية على اساس التصميم السوفيتيِ وكانت الفروع الروسية المعنية بتطوير الاسلحة النووية وصناعة الطاقة الذرية بحاجة الى احتياطات كبيرة لليورانيومِ وكانوا يضخونها بتراكم غير معقول الى المانيا الشرقية وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وكازاخستان ورومانيا وبلغاريا واوزبكستان واوكرانيا والجمهوريات السوفيتية الاخرى والبلدان الشقيقة ايديولوجيا.
وحسب معطيات الخبراء فقد استخرج قبل عام 1992 في اراضي الاتحاد السوفيتي وشركائه وبالتالي ورد في احتياطيات الدولة قرابة 700 ـ 800 الف لليورانيوم الطبيعي بشكل اجماليِ وهذا الرقم كاف لامداد كل المحطات الكهروذرية السوفيتية لمائة عام، علما ان الاحتياطي السوفيتي من اليورانيوم كان اكثر من الاحتياطي الاميركي حتى لحظة تفككه (حسب المعطيات الرسمية تشكل احتياطيات الولايات المتحدة المخزونة اليوم 54615 طنا واوروبا الغربية 69228 طنا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان 55382 طنا، وحسب معلومات المخابرات الاميركية يوجد الآن في منشآت وزارة الطاقة الذرية الروسية 1200 طن من اليورانيوم المركز فقط!!).
ويتضح من هذه الارقام اين اختفى اليورانيوم الروسي وماذا حل به وفي اي نوع يوجد والاهم انه لا أحد يهتم الآن بالاجابة على هذه الاسئلة!
وفي هذه الاثناء تزداد الحاجة الى اليورانيوم الخام اكثر فاكثرِ فحسب تنبؤات وزارة الاقتصاد الروسية، ستفضي الزيادة في استهلاك الطاقة الكهربائية حتى عام 2010 الى ازمة حقيقية لانتاج الطاقة الكهربائيةِ وستقترب روسيا مضطرة للتحول الى مستورد لليورانيوم الخام! وثمة اسباب موضوعية لهذه النتيجة، منها ما هو مرتبط بشكل مباشر باحتياطي اليورانيوم ومنها يرتبط بالخطط الجبارة في المراحل السوفيتية، اما الاسباب الذاتية فتلعب دورا ملموسا ايضا.
أمثلة توضيحية
بدأ الاتحاد السوفيتي في عام 1990 يتاجر باليورانيوم في السوق العالمية لأول مرةِ وواجه فورا اجراءات اميركية وجهت ضد سياسة 'الدومبينغ' (اغراق الاسواق بالبضائع الرخيصة) ووقع اليورانيوم المركز والخام وخدمات تركيزه حالا ضد التدابير المعادية للدومبينغ.
وهزت اكثر من 10 آلاف طن من اليورانيوم الخام رميت بسرعة من قبل التجار السوفيت، التوازن التقليدي والمعتاد في السوق العالمية واثارت ردود افعال سلبيةِ وكانت بداية العملية غير ناجحة بالمرة لكن المرحلة الثانية لحكاية بيع اليورانيوم الروسي بدأت بعد مرور سنة ونيف.
فقد كان جزء من المواد النووية المنشطرة يخزن دائما بشكل مسؤول، كما يقولون وكان هذا امرا مبررا تكنولوجياِ واشترت منشآت وزارة الطاقة الذرية هذا اليورانيوم من الدولة في عام 1992 باسعار اقل من الاسعار العالمية ب 2 - 3 مرات.
مثلا، حصل مجمع 'برياغونسكي' على 5500 طن باعها الى الخارج بهدوء لغاية عام 1994، وطلب من الدولة من جديد مساعدات اليورانيوم وحصل بناء على هذا الرجاء على 3600 طن اخرى وفق الاسعار المذكورة اعلاه ايضاِ وباعها بطبيعة الحال، ولم تنفق النقود لتحقيق اهداف انتاجية او اجتماعية او لتطوير الطاقة الكهربائية.
وثمة مثال آخر، ففي مقاطعة 'كراسنايارسكي' في مدينة زيليو نوغورسك ركزوا اليورانيوم الطبيعي الذي حصلوا عليه من الدولة وباعوه ليشتروا مصنعا قديما تابعا للشركة التايوانية BASF المهتمة بانتاج اشرطة الفيديو والاوديو لقاء 209 ملايين دولارِ وهذا المصنع يستوعب 1200 عامل حسب المقاييس العالمية ويكلف وضعه في مكانه 40 الف دولار، لكنه كلف المسؤولين في كراسنايارسكي اكثر من مليون دولارِ واتضح فيما بعد ان نوعية الاشرطة رديئة جدا ولم يتقبلها أحد في السوق المحلية.
حمى المرحلة السوفيتية
يعمل المدراء في اطار المنطق الذي يتمسك به المسؤولون عن القطاع الذريِ فمن الممكن احالة اليورانيوم من المخزن الى شركة اجنبية ما بدلا من المعدات باسعار مضحكة حتى لو كانت هذه الشركات منافستهم الرئيسية في تركيز اليورانيومِ وأدى وجود احتياطي كبير من اليورانيوم لدى الدولة الى بقاء اغلب المسؤولين الذين يتصرفون عادة وفق الاساليب السوفيتية القديمةِ واذا كانت موارد القطاع الذري في الحقبة السوفيتية خاضعة لرقابة حكومية حازمة فهي الآن في متناول الكثيرين بعد ان ضعفت مراقبة وزارة الطاقة الذرية والاقتصاد والمالية عليها.