السبت، 18 يونيو، 2011

الكرملين وأزمة الكويت (المقدمة)


تأليـف : الكسندر بيلونوغوف

ترجمة : د . جمال حسين علي

موسكو - دار أولما بريس 2001

مقدمة المؤلف للطبعة العربية

لم أشأ أن يطلع القارئ الروسي فقط على كتابي الخاص بأزمة الكويت الصادر في موسكو عام 2001 ، بل كان في غاية الأهمية أن يطلع القارئ العربي عليه أيضا.

لقد شاركت في الكثير من الأحداث الدولية المتعلقة بالأزمة الكويتية وساهمت مع الآخرين في البحث عن طرق لتذليلها. وأرى من واجبي المعنوي أن أتحدث بإخلاص وبشكل موضوعي حول كل شيء كنت اعرفه عنها. وأنطلق من حقيقة أنه لا ينبغي تكرار تلك المأساة التي حدثت في عامي 1990 – 1991 مع الكويت وشعبها اللذان أصبحا ضحية عدوان مسلح واحتلال ونهب وعنف وقسوة ، في أي مكان وفي أي زمان.

أن الوقت يجري ، للأسف ، بسرعة ويتبدل الجيل القديم بشكل طبيعي بجيل جديد. وقد لا يعرف هذا الجيل حسنا عما حدث في الماضي وكيف حدث. ويمكن أن تعينهم ذكريات شهود العيان للأحداث الهامة وأولئك المشاركين في صناعتها ، لا سيما لو وضعت على الورق. وهي ليست خدمة للمعاصرين فحسب ، بل للأخلاق أيضا. لأن على الذاكرة الإنسانية أن تعي دروس التاريخ. وآمل في أن كتابي سيكون من وجهة النظر هذه ، مفيدا لدرجة ما بالنسبة لسكان روسيا والعرب على السواء.

أفتخر بذلك الدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي في لجم العدوان العراقي وإعادة بناء الكويت كدولة ذات سيادة. ولكن الاتحاد السوفيتي غير موجود في الوقت الحاضر ، وهناك روسيا. ويجب أن يكون لقادتها وساستها ودبلوماسيها وقيادتها العسكرية تصور مضبوط جدا عما كانت تفعله موسكو في مراحل الأزمة الكويتية. وتكمن هنا مهمة كتابي بالنسبة للقارئ الروسي ، لأني أريد أن تبقى لسياسة روسيا في الشرق العربي كل فضائل سياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية في هذه المنطقة.

أما القارئ العربي فآمل أن يكون بالنسبة له مفيدا النظر الى أحداث ذلك الوقت من زاوية موسكو وأن يستمد منها شيئا جديدا له وخاصة موقف موسكو وسلوك الطرف العراقي في اتصالاته معنا على سبيل المثال.

وخلافا للتوقعات العامة ، فلم يتغير في العراق إلا القليل جدا من الناحية السياسية في السنوات الماضية والتي أعقبت هزيمته من قبل القوات المتعددة الجنسية. ولا ينحصر في الأمر ، أنه بقى في الحكم الأشخاص نفسهم الذين أوقعوا العراق مرتين في حروب ضد الجيران ، بقدر عدم ظهور دلائل مقنعة على شعورهم بالندم لما قاموا به وإعادة إدراك دروس الماضي واستعدادهم للتخلي عن قصد لأسلوب القوة والعنجهية العسكرية بصفتها أداة رئيسية لوصولهم الى أهدافهم في علاقاتهم مع جيرانهم.

من هنا ينطلق شعور عدم الثقة ببغداد ونوايا القيادة العراقية المستطردة وخاصة مساعيها في اقتناء أسلحة الدمار الشامل.

لن تعجب أي دولة بالطبع إجراءات الرقابة الدولية المفروضة والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وغيرها من التدابير الإجبارية ، ولكن ألم تكن القيادة العراقية نفسها وفي الدور الأول مذنبة في اتخاذ جملة من التدابير ضدها عام 1991 وأبقتها على فاعليتها وقوتها لحد الآن ؟

أن قصة علاقات بغداد مع مفتشي الأمم المتحدة أحسن دليل على هذا. واظن بأن نهج بغداد السياسي تجاه الكويت يدل على هذا أيضا. وفي النتيجة يؤثر التوتر في الإقليم والحمى في العلاقات مع بغداد وعدم تسوية الحالة مع العراق على هيبة الأمم المتحدة.

وبصفتي دبلوماسيا محترفا فأنا نصير الحلول السلمية. وأدرك جيدا بهذا القدر بأن مثل هذه الحلول ممكنة. ولكن في تلك الحالة فقط ، عندما يسعى إليها بشكل مخلص. لذلك لا أفهم سلوك القادة الذين يلعبون بالنار خلافا لمصالح شعوبهم وأي منطق.

لا أنسب لنفسي في شؤون الشرق الأوسط علاقات سياسية خاصة مع بلد عربي معين. فأعامل جميع شعوب العالم العربي بعطف واحترام وبشكل متكافئ. ولكني طوال مدة الأزمة الكويتية لم أستطع إلا أن أكون الى جانب ضحية العدوان وكنت أسعى الى استرداد العدل إليه. ولم يعقني العطف على الكويتيين وسروري بتحرير وطنهم ، التوصل في الوقت نفسه الى وقف العمليات الحربية في أسرع وقت لتجنيب السكان الآمنين غير المذنبين بشيء مزيدا من المآسي. أما المذنبين فأنهم نجوا رغم الخوف الذي تملكهم لبعض الوقت ، لكن هذا الخوف زال بسرعة حالما أدركوا بأن لا شيء يهدد حكمهم بعد كل الذي جرى.

والآن وعندما أكتب هذه السطور تتوتر الغمائم حول العراق من جديد بصورة ملموسة. ومهما كان الأمر ، فأن رائحة البارود تفوح من جديد في المنطقة التي كانت تعاني من جراح حروب كثيرة في الماضي.

وأرى أن ازدياد الاهتمام ببواعث الأزمة الكويتية ودروسها أمر طبيعي تماما. فمن المعلوم أن القوة لا تكمن في السلاح فحسب ، بل في معرفة التاريخ أيضا.

لهذا السبب أرى أن نشر كتابي باللغة العربية عن هذه الأزمة جاء في وقت ملح جدا.

أشكر ناشري الكتاب العرب ومترجمه الدؤوب الكاتب والصحفي الدكتور جمال حسين علي الذي عمل كثيرا في النقاط الساخنة ويدرك ماذا تعني الحرب.

متمنيا لجميع قرائي العرب السلامة والازدهار.

الكسندر بيلونوغوف

نائب وزير الخارجية السوفيتي السابق

موسكو أكتوبر 2002

حاشية المترجم

يعد هذا الكتاب أول منشور باللغة الروسية يتحدث بالتفصيل عن الغزو العراقي للكويت وما رافقه من أحداث مأساوية لغاية تحريرها.

ويسرد المؤلف الكسندر بيلونوغوف الذي كان يشغل في تلك الأشهر العصيبة منصب نائب وزير خارجية الاتحاد السوفيتي كمشارك في الأحداث عن كيفية تشكيل موقف الاتحاد السوفيتي حيال الأزمة وعن تقلبات محادثات موسكو المختلفة ويحاول الإجابة عن السؤال: لماذا لم يتسن لأحد إيجاد مخرج سلمي للأزمة بالرغم من كافة الجهود.
وسيعرف القارئ لأول مرة في هذا الكتاب الذي نعربه من الروسية مباشرة ، الكثير من الظروف الغامضة التي أحاطت بواحدة من أكثر أحداث القرن العشرين دراماتيكية في العالم ومنطقة الخليج، دون أن تفوتنا الإشارة الى أن ذلك سيكون من 'وجهة نظر موسكو' بتأكيد المؤلف نفسه.