الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

دياتشينكو.. قصة أميرة مخلوعة

من مفارقات الحياة السياسية الروسية انه كلما طالت التجربة الديموقراطية فيها ازدادت انظمة الحكم فيها دكتاتورية! وعند ذلك يمكن القول ان الفترة الانتقالية التي تمر بها روسيا اوشكت على الانتهاءِِ حيث لم يكن احد من الاسياد مهتما بعبارات لا يرددها سوى وسائل الاعلام في البلاد مثل 'ترسيخ الديموقراطية' و'توطيد الاستقرار' وكان همهم زحزحة بوريس يلتسين الذي انتهى دوره واستبداله بشخص يقومون بتصليب عوده ويظهرونه كقوي.
ولم يغادر يلتسين مكتب الرئيس الا بعد ان منحوه الضمان بعدم تعرضه للمسؤولية الجنائية بسبب المخالفات المالية التي ارتكبها المقربون منه غير ان المرسوم لا يعتبر قانونا الذي اصدره الرئيس بالوكالة بمنح 'الرئيس الروسي الاول (هكذا يطلقون على يلتسين الان وقريبا سيتحول الى لقبه) كل الامتيازات المادية والمعنوية السابقة وكذلك الحصانة التي تبعده وعائلته من المسائلات غير البريئة.
غير ان مؤشرات الايام القليلة الماضية اظهرت انه حتى المعارضون الاساسيون ليلتسين لم يظهروا مصلحة وحتى اهتماما لكشف المخالفات المالية المذكورة، ولم يعد احد يلقي بالا لما تنشره الصحف من اتهامات نقلا عن النائب العام يوري سكوراتوف وربما اسكرت استقالة يلتسين معارضيه، وبالطبع فان السكرة وقتية، ما ان يفيقوا منها حتى يبدأوا باطلاق سهامهم عليه او بتحضيرها الى الوقت المناسب كدرع واق من اسياد الكرملين يستخدمونه لضربهمِِ او ينهي القدر هذا الموضوع بوفاة يلتسين لتطوى معه كل الصفحات المريرة ويصمت الجميع من باب 'اذكروا محاسن موتاكم'.
لكن الساسة الروس ليسوا من هذا النوع، بل على العكس، فهم متخصصون تاريخيا في ذكر مساوئ موتاهم وحتى ملاحقتهم في القبور (ستالين نكل بزوجة لينين وخروتشوف مثل بجثة ستالين ودفنه مرتين، وبريجنيف اهان خروتشوف بحياته ولاحقه حتى سبب له مرضا في القلب فمات بعد دقائق من اجراء التحقيق معه بشأن مذكراته التي هربها ابنه سيرغي الى الخارج وقد لوحق هذا الاخير لفترة طويلةِ واندروبوف اضطهد ابنة بريجنيف غالينا واستعاد منها كل محتويات شقة ابيها وماتت قبل سنة في العوزِِ وغورباتشوف لا يترك مناسبة الا ويهاجم كل المذكورينِِ ويلتسين لم يعط غورباتشوف حتى ساعتين طلبها منه للم حاجاته من الكرملين.
الاميرة غير المتوجة
غير ان ابنة الرئيس يلتسين تاتيانا دياتشينكو (اللقب من زوجها الثاني) عملت كل شيء وكأنها باقية في الكرملين ابداِ ومع ذلك فقد امنت نفسها باموال تكفي عائلة يلتسين او دياتشينكو حتى الالفية الرابعة او طالما توجد حياة على الارض ولها بيت (بل قصر) في باريس لم ير مثله نابليون في زمانه!
وهكذا فان كل اموالها واطيانها وعقاراتها في الخارج، ولا تمتلك في روسيا حتى شقة شخصية لانها كانت تعيش مع والدها بوريس في شقة والدهاِ وحتى بوريس الصغير فهو لم يدرس في روسيا، بل في انكلترا، وابنتها الثانية زوجتها من ابن رجل اعمال من الاسيادِِ فهي اذن عملت لدنياها ايضا كأن والدها يموت غدا.
ليس هذا فحسب، فان تاتيانا وابنة يلتسين الثانية ايلينا اوكالوفا وضعتا ايديهما على كل اموال المتقاعدين، وهما كانتا تديران ما عرف قبل ايام الازمة المالية الروسية في 17 اغسطس 1998 ب 'السندات الحكومية قصيرة الاجل'، كما كانتا تتحكمان بارتفاع وانخفاض اسعار هذه السندات والاسهم المرتبطة بهاِِ ووصلت اموال السيدتين وجماعتهما لغاية 140 في المائة كما اعلن النائب العام سكوراتوفِِ ودورهم في عمليات غسل الاموال من خلال 'بنك اوف نيويورك' على طرف كل لسان في المشرق والمغرب، بمساعدة رئيس ديوان الكرملين السابق والحالي الكسندر فالوشينِِ فضلا عن سيطرتهم على منابع المال في شركة الطيران الروسية الكبرى 'ايروفلوت' التي يترأسها زوج تاتيانا.
رجال الاميرة المخلوعة
وكما اعلن سكوراتوف في لقاء اجرته مع 'موسكوفسكي كومسومولست' في 16 ديسمبر 99 فان امبراطورية تاتيانا اخترقت كل الوزارات التي تدر الاموال، وحسب معلومات المدعي العام فان 'رجال تاتيانا' في هذه الوزارات نذكرهم حسب حجم المال المسروق: وزير الصناعة بيسبالوف ونائبه نابولوف والنائب الاول لوزير الدفاع ميخايلوف ونائب وزير الاقتصاد فاسيلييف، ونائب وزير المالية شاتالوف، ونائب رئيس المحكمة العليا رادتشينكو، والمسؤول الكبير في وزارة الخارجية كوزنيتسوف، ونائب وزير الداخلية زيليونكين ورئيس الخدمات الحكومية بافلوف والضرائب فيتوغرادوف، والكثير من المسؤولين الحكوميين على حد قول سكوراتوف.
لماذا اقالها بوتين؟
ردا على هذا السؤال قال احد الحقوقيين الروس المقربين سابقا من الكرملين ل 'القبس' بل قل لماذا اراحها بوتين؟!
وفسر الامر كالتالي: ان تاتيانا حسبت الفترة التي يمكن ان يبقى فيها والدها في الكرملين وكان توقيت خروجها هو مطلع عام 2000، ومن الناحية الشكلية كان منصبها مرتبطا بوجود يلتسين فهي مستشارة الرئيس لشؤون 'تحسين السمعة' وهو منصب فريد ابتكر خصيصا لها مع انها اساءت الى سمعة والدها كثيرا كما هو معروف!
وبما ان يلتسين رحل فوجودها انتهى مع رحيل 'بابا' وهي الكلمة المحببة لها عندما كان يدور الحديث عن يلتسين مع رجالها الاوفياء وبوتين لا يريدها في الكرملين لتحسين سمعته لان رحيلها سيحسن سمعته وهو على ابواب انتخابات مصيرية فمن الناحية الشكلية التي تنطلي دائما على غير العارفين بالامور فانه 'طردها' من الكرملين كمحاولة للاستقلالية من كادر الرئيس السابقِِ وقد يذهب البعض للاعتقاد بانها بداية الحرب ضد الفساد، الذي سيشنه بوتينِ لكن كل هذا الكلام غير صحيح، لان بوتين، ببساطة، هو ابن هذه المؤسسة الفاسدة وهو غارق منذ بداية التسعينات في عمليات تجارية ومالية مشبوهة وعليه عدد من القضايا الجنائية طواها من صنعه للوقت الذي يفكر فيه بالانقلاب عليهم.
القانونِِ والرزق الحلال
كما ان وجود تاتيانا باموالها ومصالحها التجارية والمالية في الكرملين، اي بمنصب حكومي سيضرها من الناحية القانونية، الامر الذي لا يتحمله بوتين في الوقت الحاضر فالقانون الروسي يحظر على العاملين في الدولة الحصول على الاموال من اية جهة اخرى وممارسة الاعمال وغير ذلك، عدا التي يتلقونها من القاء المحاضرات ونشر المقالات.
لماذا لم تمنع؟
واذا كان البعض يتساءل: هذا القانون القاضي بعدم السماح لموظفين بممارسة الاعمال ويجني موارد مالية، لماذا لم يطبق على تاتيانا ابان حكم الرئيس فيمكن احالة السائل الى الهجوم الذي تعرض له المدعي العام سكوراتوف وهو الحامي الاول للقانون في روسيا، بعد ان المح مجرد تلميح ليلتسين بهذا الامرِ ووقتها اعلن الكثير من البرلمانيين بمن فيهم رئيس الدوما غينادي سيليزنيوف وزعيم الكتلة الشيوعية غينادي زيوغانوف وغيرهم بعدم قانونية ما يجري (علما ان القانون الروسي يحظر على احد افراد عائلة الرئيس العمل في الكرملين) ولكن كانت الكلمات تقع على اذان صماء!