السبت، 11 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (16)

أريد الإعراب عن موقفي من موضوع إنقاذ ماء وجه القائد العراقي الذي كان يناقش بنشاط في ذلك الوقتِ
كان البعض يعتبرون أن صدام حسين لا يستطيع السماح لنفسه بمغادرة الكويت بدون الحصول على شيء مقابل ذلكِ وكما زعم، فانه سيفقد ماء وجهه ولا يستطيع احتمال هذا، مهما كانت الظروف تبعا للعقلية الشرقية، السمعة ِِِالخِ
لا أنكر أنه لمسائل عزة النفس و'الإيميج' أهمية كبيرة جدا لأي سياسي، لاسيما لرئيس دولةِ وفي الشرق مميزات من هذه الناحيةِ ومع ذلك لا أظن بأن مشكلة إنقاذ ماء الوجه في حالة صدام حسين كانت ضروريةِ
لم تكن ضرورية بالذات بموجب صفاته كإنسان صاحب إرادة قوية وثابت العزم وصاحب الأمر والنهي ومتعود على التصرف كما يريد شخصيا، ويحظى بسلطة لا حدود لها في بلاده وهذا ربما أهم شيءِ
إذا نظرنا الى ماضي صدام حسين ورأينا كيف كان يتصرف في الظروف الصعبة لا يمكننا إغفال الاستنتاج بأنه كان يسير حالات خطيرة جدا بلا احتراس ولم يهتم بأمر فقدان ماء وجهه أم عدمهِ كان أهم شيء لديه إبقاء نظام البعث وسلطته الشخصية واعتبر ذلك على الدوام أمرا رئيسياِ
بنفسه تحدث عن إحدى هذه الحالات للسفير الأمريكي إيبريل غلاسبي قبل أيام من دخوله الكويتِ تذكر الحالة عام 1975 عندما كان نائبا للرئيس بخصوص المشكلة الكردية، وحين وجد نفسه في وضع يمكنه فيه فقدان كل شيء: كان الثوار الأكراد المعتمدين على مساعدات طهران يحرزون الانتصارات الواحد تلو الآخرِ وحسب اعترافه الخاص كانت المسألة على النحو التالي: إما فقدان البلد كله أو منح نصف شط العرب للإيرانيين رسمياِ وكانت الطريقة الثانية عبارة عن حني الرأس أمام إيران التي فرضت بلا إذن الرقابة على نصف النهر المجاور له (كانت الحدود تمر قبل ذلك بالشاطئ الإيراني وكان النهر تابعا للعراق)ِ فضل صدام حسين التنازل عن جزء من أراضيه مقابل كف إيران عن مساعدة الأكرادِ في النتيجة انهزم الأكراد وحصل صدام حسين على السلطة الفردية في البلد وأصبح الآن رئيسا للدولةِ وصف صدام هذه الحالة في حديثه مع السفير كمثال لمعرفة التضحية بالشيء الأقل مقابل الأكبرِ
الحالة الثانية: عندما رأى صدام حسين، بعد التدخل في إيران، أن الخصم لم يتمالك نفسه فحسب، بل يقدر على طرد القوات العراقية من حدود إيران، أعلن في 20 يونيو 1982 عن وقف إطلاق النار من طرف واحد وسحب القوات العراقية من الأراضي المستولى عليها، واقترح في آن واحد على إيران التوحد ضد إسرائيلِ وكان هذا القرار غير عادي بوضوحِ غير أن الإيرانيين لم يستلموا هذه الهدية واستمروا في الحرب بهدف إيقاع الهزيمة بالعراق وإسقاط نظام صدام حسينِ
اللجوء الى السادات
الحالة الثالثة: في سير هذه الحرب، عندما كف الاتحاد السوفيتي عن إمداد العراق بالأسلحة والذخائر كونه المبادر في الحرب ودخلت قواته الى أعماق الأراضي الإيرانية، توجه صدام حسين فورا الى الرئيس المصري أنور السادات بطلب المساعدة بالأسلحة والجنود وإن كان قبل ذلك يدنس اسمه بسبب صلحه المنفرد مع إسرائيل (جمدت عضوية مصر من جامعة الدول العربية في بغداد بالذات في لقاء القمة العربية في مارس 1979ِ ان هذا التحول ب 180 درجة الذي قامت به بغداد كان مهينا بالطبع، غير أن الحرب ضد إيران لم تترك لها خيارا آخرِ
الحالة الرابعة: عودة بغداد الى اتفاقية الجزائر 1975 مع إيران التي قطع صدام حسين أمام كاميرات التلفزيون نصها في بداية الحرب ضد إيران في عام 1980، واصبح كافة الضحايا التي تكبدها الشعب العراقي في الحرب حالا صفحة مقلوبة عندما احتاجت بغداد تأمين نفسها من الشرقِ ولم تبرز هنا مسألة إنقاذ ماء الوجه أيضاِ
لم يهتم صدام حسين إطلاقا بمن يقبل أو لا يقبل في العراق وخارجه وإن كان حجر الزاوية في السياسة العراقية، حسب تصريحات صدام الكثيرة، ينحصر في أثناء سنوات حكمه الكثيرة في أن العراق لم يعد أبدا الى حدود ما قبل الحرب مع إيرانِ
وثمة حوادث أخرى أقل أهمية يرجع فيها صدام حسين عن قرار اتخذه من قبل في حالة اقتضاء الظروف بذلكِ
بالتالي، كانت القسوة والإرادة والعناد في هذا الإنسان تتشابك تماما مع البراغماتية إذا كان الخطر يخيم عليه نفسهِ
لم ألتق أبدا بصدام حسين، لكني سمعت وقرأت عنه الكثير جداِ ويقنعني صواب الوصف الذي أعطاه إياه يفغيني بريماكوف موضحا طباع صدام حسين الرئيسية على النحو التالي: 'الصرامة التي تتحول دائما الى قسوة، والإرادة القريبة من العناد التابع لهواه، والرغبة في الاقتحام والسعي للتوصل الى الهدف، مهما كلف الأمر، بالاقتران مع عدم التنبؤ من أخطار تصرفاته'ِ غير أن الاستنتاجات التي كنا نستخلصها بصدد إنقاذ ماء وجه صدام حسين كانت مختلفة على ما يبدوِ
اعتبرت ووثقت بأني لا ابتعد عن الصواب إن قلت في أن الحالة في العراق نفسه كانت على ذلك الشكلِ فمهما كان قرار صدام حسين حيال الكويت فانه سيقبل كواجب حتى بلا أي تفسير من قبل الزعيمِ وإذا كان الرئيس العراقي في حاجة الى تنظيم مغادرة جميلة ودعائية من الكويت فان ذلك يمكن تحقيقه بسهولة (عوقبت الكويت وعلمت بلدان الخليج الأخرى درسا قاسيا وأعطيت البلدان العربية الأخرى مثالا عن كيفية التصرف من أجل الدفاع عن المصالح، ورفعت أسعار النفط وأظهرت للعالم أجمع وقبل كل شيء لأمريكا قوة العراق وإمكاناته ِِِالخ)ِ
وحتى بعد هزيمة العراق التي لا نظير لها، وصفت آلة بغداد الدعائية ذلك بالانتصار العراقي العظيمِ
لذلك بالضبط، لم يكن صعبا بالمرة على صدام حسين الانصراف من الكويتِ لأنه لم يشأ التصرف على هذا النحوِ وكانت الأحاديث عن إنقاذ ماء الوجه تروق لبغداد تماما لأنها كانت تبقي مسألة الكويت معلقةِ وكانت استراتيجية صدام حسين تهدف الى المماطلة القصوى في النزاع وأن الوقت يسير لصالحه، وهذا الوقت من شأنه تفتيت وشق التحالف بتأثير ظروف مختلفةِ
ومن الواضح أنه مهما كانت خطط التسوية السلمية التي كان يحملها القادة العرب الى صدام حسين ومبعوثيهم ومهما كانت الهدايا التي كانوا يعدونه بها من أجل 'إنقاذ ماء وجهه'، لم تلق خطة واحدة تأييد بغدادِ ولم تحظ بتأييد صدام لأن جميعها تقضي في أساسها بانسحاب العراق من الكويتِ
لذا، كنت اعتبر من غير المفيد أن نشتغل نحن في مسألة إنقاذ ماء وجه القائد العراقيِ لأنه لم تكن هناك مثل هذه المشكلة ولم يكن يزيننا ذلك من الناحية الأخلاقيةِ
مواصلة رحلات بريماكوف
بعد عودة يفغيني بريماكوف من رحلته الى أربع عواصم غربية، أخبر الرئيس ميخائيل غورباتشوف بنتائجها واستلم التعليمات بالسفر فورا الى القاهرة ودمشق والرياض وبغدادِ وكلفه الرئيس بأن يناقش في العواصم المذكورة من جديد إمكان تنشيط 'العامل العربي' بهدف إجبار العراق على سحب قواته دون استخدام القوة العسكرية وبدون مكافأته (!) وأوصى الرئيس أن يرسم بريماكوف في لقاء بغداد الصورة الكاملة للحالة التي سيضطر فيها صدام حسين إلى الاصطدام في حالة رفضه اتباع مطالب المجتمع الدوليِ وكلف بريماكوف كذلك بالعودة الى مسألة إخلاء الخبراء السوفيت من العراقِ
في 26 أكتوبر كان يفغيني بريماكوف في مصر عندما كادت إمكانية زيارته الى بغداد مشكوكا فيها لأن القيادة العراقية قررت تخويف موسكو محاولة منها دون اتخاذ قرار جديد من قبل مجلس الأمنِ وهذا القرار بدأ كل شيء منهِ
في آن واحد مع الخطوة السياسية في موسكو، استدعى طارق عزيز سفيرنا في العراق فيكتور بوسوفاليوك وقال له إنه في الظروف عندما 'يدفع' الاتحاد السوفيتي، كما زعم، القرار فانه من المشكوك فيه أن يكون وصول ممثل الاتحاد السوفيتي الى بغداد مثمراِ
أخبر يفغيني بريماكوف بتطور الأحداث وطلب أن يحاول ممثلنا في مجلس الأمن تأجيل اتخاذ القرار ولو ليومينِ وتصرفوا وفق هذا الطلبِ نفذ فورونتسوف الطلب وإن كانت الحالة حادة: نظر مجلس الأمن في القرار في جلسته الرسميةِ زد على ذلك أيد ممثلنا في الجلسة القرارِ ومع ذلك ساعد رئيس المجلس (الإنكليزي رئيسا في أكتوبر) فورونتسوف في رغبته قطع الجلسة بانتظار أنباء إيجابية من بغدادِ اتصل بعدها يفغيني بريماكوف بطارق عزيز هاتفيا ووضع أمامه الشرط التالي: أما أن تتم زيارته لبغداد كما تم التنسيق لها أو لن تتمِ عندئذ تراجعت بغدادِ
أجرى بريماكوف سلسلة من المباحثات المكثفة مع صدام حسين وطارق عزيزِ فيما يخص خبراءنا تسنى التوصل الى تقدم معين، فقد حصلت الموافقة على رحيل ألف شخص خلال نوفمبر والتأكيد على عدم وضع العراقيل السابقة، أي أن المرحلين سيكونون ألفين ونصف الألف خلال أكتوبر ونوفمبرِ ولم يحدث تطور في مسألة انسحاب العراق من الكويتِ
وآخذا في الاعتبار أن رحلة بريماكوف لم تجلب النتيجة المنتظرة، استأنف مجلس الأمن في 29 أكتوبر عمله وقرر ب 13 صوتا وامتناع اليمن وكوبا عن التصويت القرار 674 المذكور أعلاهِ
ذهب يفغيني بريماكوف من بغداد الى السعودية حيث أجرى محادثات مع القادة السعوديين والكويتيينِ
وقامت بغداد في الوقت نفسه بمناورة أخرى عرف عنها العالم عن طريق وزير الخارجية اليمني الأريانيِ فقد أخبر الصحافيين بأن طارق عزيز هاتفه وقال له إن زيارة بريماكوف لبغداد 'لم تكن سلبية بالقدر الذي أعلنوه'ِ وان العراق استثمر اللقاء للإعراب عن رأيه بصدد تناقض الموقف السوفيتيِ وأخبر عزيز اليمني كذلك بأن المبادرة العراقية أحيلت بواسطة بريماكوف الى ميخائيل غورباتشوف وفرانسوا ميتيران وتحتوي على اقتراح بإطلاق سراح الرهائن إذا التزم الرئيسان السوفيتي والفرنسي علنا بموقفهما الرافض للحل العسكري والمؤيد للسياسي السلميِ
أتذكر بأني قرأت باهتمام تسجيل النقاش بين غورباتشوف وميتيران الذي جرى في باريس في 28 أكتوبرِ تحدث الرئيسان بمبادرة من غورباتشوف عن هذا الاقتراح (أحال العراقيون حتى مشروعهم للبيان السوفيتي - الفرنسي)ِ وفي غضون ذلك لوحظ في أقوال القائد السوفيتي مدى كبير من التردد: 'إذا لم نعط شيئا لصدام فانه سيقدم على التطرف'ِ وكانت هذه إشارة إلى الاعتراف بأن صدام يحاول كسب الوقت لشق وحدة 'الخمسة'ِ
وإذ يستشهد بانطباعات بريماكوف، كان غورباتشوف يحاول إقناع ميتيران بأن صدام حسين قد تغير عما كان عليه قبل أسبوعين أو ثلاثة، وأن فرصة التسوية السلمية بدأت تظهر وإن كانت حتى الآن غامضة جداِ كان ميخائيل غورباتشوف مستعدا لتحرير المشروع العراقي سوية مع ميتيرانِ
غير أن موقف ميتيران من هذا الاقتراح كان أكثر تحفظا، لأن مأربه واضح جدا بوضع الاتحاد السوفيتي وفرنسا في مواجهة مع الولايات المتحدة وإنكلتراِ قال ميتيران لغورباتشوف انه من الممكن أن يكون تفاوت في اللهجة والأسلوب وأشياء أخرى بين الموقفين الفرنسي والأميركي، غير أنه لا توجد اختلافات مع الأميركان في حقيقة الأمر، ووضع هذه النقطة في المحادثات بصدد المبادرة العراقيةِ تحدث غورباتشوف لميتيران أنه تلقى في اليوم السابق رسائل بصدد مهمة بريماكوف من جورج بوش ومرغريت تاتشر (منها رسالة قاسية) وقال إنه ينبغي مناصرة قرارات مجلس الأمن المتخذة بالإجماع في المؤتمر الصحفي المشترك مع ميتيرانِ وتذمر من أن الصحافيين سيلحون بالأسئلة الخاصة بنتائج رحلة بريماكوفِ وأيد ميتيران الفكرة بضرورة تنظيم مؤتمر صحفي مشترك في هذا المعنىِ
قال الرئيس السوفيتي في تصريحاته في المؤتمر الصحفي إن مهمة بريماكوف 'ليست فرعا مستقلا ما للعمليةِ زد على ذلك انها ليست جزءا مناقضا، بل هي جزء عضوي لجهودنا العامة ِ تجرى الكثير من الزيارات واللقاءات والأحاديث وتتخذ من مختلف الجوانب مادة لهاِ يجري بعضها علانية وهي معروفة للصحافة ويجري الآخر بشكل سري'ِ
من الواضح أن غورباتشوف يريد الإشارة الى أن 'موقفنا لم يتغير ولن يتسنى شق وحدة أعضاء مجلس الأمن الدائمين، وأن من يعتقد هذا فهو في ضلالِ يجب ألا نعطي أية حجة للعراق ونظام الرئيس صدام حسين الذي يأمل في عدم التنسيق بين واضعي القرارات وإضعاف مواقفهمِ نظن أن أعمال المجتمع الدولي مبررة وعلينا أن نعمل لتبقى هذه الوحدة وأن نتوصل الى تنفيذ مطالب المجتمع الدولي'ِ
كان في باريس، كما في حالات أخرى غورباتشوفانِ الأول، يبحث مع الرئيس الفرنسي عن حل وسط مع صدام حسين وآخر، السياسي العلني الذي يقول من على المنبر ما ينبغي أن يقوله قائد الدولة العظمى من موقف رسمي مرتبط بالاتفاقات والالتزامات الدوليةِ
ان الثنائية أو الازدواجية في السياسة من حيث المبدأ أمر غير مرغوب فيه وضار كقاعدة عامةِ فعلى كل دولة تحترم نفسها أن تتكلم في شخص قيادتها بلغة واحدة وتمارس سياسة واحدة إذا أرادت أن يفهموها جيدا ويثقوا بها وعليها مارسة نهج ثابت وألا تراوغِ
كانت الصحافة السوفيتية في ذلك الوقت تكتب بعلانية وصراحة بأن سياسة موسكو حيال الأزمة الكويتية تعتبر سياستين مختلفتين: سياسة شيفرنادزه وسياسة بريماكوفِ وكانت المضاربات في الخارج في هذا الصدد أكثر بكثيرِ
كنت أرى بأم عيني بأن سفينة السياسة الخارجية السوفيتية لا تتحرك بطريق مستقيم، بل متعرجِ لم ينحصر الأمر هنا في تصرفات قبطان السفينة ميخائيل غورباتشوف الذي كان يدير الدفة تارة الى اليسار وتارة الى اليمين، انطلاقا من مختلف الظروف السياسية الخارجية والداخلية على السواءِ وكانت تؤثر في السياسة الخارجية تلك الواقعة المتمثلة في أن ميخائيل غورباتشوف كان يرغب أكثر من زعماء 'الخمسة' الآخرين في البحث عن حل سلميِ وكان يخرج أحيانا في سير البحث تحت تأثير النصائح من محيطه من الصف العام ثم يعود الى طابور 'الخمسة' عندما كان عليهم الاشتراك بقرار هام أو عندما لم ينجح بالقيام بأمر ما بشكل مستقلِ
سجل مستشار غورباتشوف، تشيرنيايف في مذكراته في 31 أكتوبر 1990 ما يلي: 'أعرف أن غورباتشوف لا يستبعد الطريقة الحربية في الخليجِ وعندما سأله الأكاديمي أرباتوف كيف ينبغي الرد على سفراء الكويت ومصر والسعودية، قال: وضح لهم بأننا لن نضحي أبدا بالتحالف مع الولايات المتحدة في هذه القضية'ِ
وبما أن موسكو كانت تبقى دائما بؤرة الاهتمام فان تردد الرئيس السوفيتي كان يثير أسئلة مشروعة من العرب والغربيين على السواءِ
وكنا ندرك في وزارة الخارجية أن ذلك إجحاف بمصالح البلد وسمعته وكنا نحاول قدر الإمكان أن تبقى سياسة الاتحاد السوفيتي حيال الأزمة واضحة ومبدئية ومفهومةِ
سكان الكويت والرهائن
في النصف الثاني من أكتوبر بدأ في مجلس الأمن العمل على اتخاذ قرار دوري خاص بالعراقِ وكان عليه، كحال القرارات السابقة، أن يكون ردا على حالة أثارتها بغداد وأحرجت الوضع بأعمالهاِ يكون الاحتلال قد استغرق ثلاثة أشهر تقريبا وظهرت في هذا الوقت مشاكل عديدة: توفير المواد الغذائية وماء الشرب لسكان الكويت، مصير الرهائن ومواطني البلدان الثالثة الآخرين، وضع الدبلوماسيين الأجانب في الكويت، الوقائع الكثيرة للخرق الفظ لحقوق الإنسان ونهب البلد المنظمِ وظهرت مسألة ملحة عن مسؤولية العراق حسب القانون الدولي عن الخسائر والأضرار الملحقة بالكويت والبلدان الثالثة ومواطنيها وشركاتها نتيجة الاعتداء على الكويتِ بطبيعة الحال اشترك الاتحاد السوفيتي الى جانب أعضاء مجلس الأمن الآخرين في إعداد مشروع القرار الخاص بمجموعة هذه المسائل كلهاِ
كان الرهائن ومواطنو البلدان الثالثة و الدبلوماسيون موضوعا لقرارات مجلس الأمن السابقةِ غير أن بغداد تجاهلتها، ومن المشكوك فيه أن يقلقها بشدة ظهور القرار الجديدِ غير أن مسألة التعويضات واسترجاع الممتلكات والأمتعة الشخصية المأخوذة من أراضي دولة أخرى أثيرت للمرة الأولى، حيث يهدد بغداد في المستقبل الإيفاء بمبالغ كبيرة جداِ من هنا انزعجوا جدا في بغدادِ
في 26 أكتوبر جاء السفير العراقي في موسكو الى وزارة الخارجية حاملا احتجاجا على مشاركة ممثل الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن فورنتسوف في إعداد مشروع القرار وركز على عدم قبول العراق المطلق لطرح مسألة التعويضات واسترجاع الممتلكاتِ
رفض مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كولوتوشا هذه الاعتراضات بعد استقباله السفير، وأشار الى أنه لا يرى أي تناقض بين سعينا الى الحل السلمي لأزمة الخليج والمشاركة في وضع القرار الذي يستنكر نهب الكويت ويطالب بالتعويض المناسبِ ولفت كولوتوشا نظر السفير الى مشكلة رحيل الخبراء السوفيت ونوه إلى أن الصعوبات التي تظهر باستمرار في هذه الناحية تؤكد الاعتقاد لدى أقربائهم والرأي العام السوفيتي في أن مواطنينا في العراق أصبحوا رهائن مثل مواطني البلدان الغربيةِ ويزداد بالتناسب سيل البرقيات والرسائل الى الرئيس السوفيتي والحكومة ووزارة الخارجية التي تطالب باتخاذ تدابير أنشط بهدف عودة خبرائنا الى الوطنِ وأنذر الدبلوماسي السوفيتي السفير بأن الطرف العراقي لا يدرك بقدر كامل عواقب هذه التصرفات بالكاملِ