الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

الغواصات النووية الروسية

فشلت مساعي البحرية الروسية في انقاذ ملاحي الغواصة كورسك المعطوبة في اعماق بحر بارنتس، فيما الصورة سيئة للغاية، اذ يواجه الملاحون ال 116 خطر الموت اختناقا مع حلول يوم الجمعة حيث تتوقع قيادة الاسطول الروسي الشمالي نفاد الاوكسجين على متن الغواصة التي يترقب العالم وضعها الغامض.
ورفض الروس عرض الولايات المتحدة وبريطانيا لمساعدتهم في جهود الانقاذِ لكنهم طلبوا عون حلف شمال الأطلسيِ (ص 16)
وقد سلطت الحادثة الضوء على الحالة العامة التي يشهدها هذا الفرع الخطير من الاسلحة الروسية.
والمشكلة التي عانت منها الغواصة يوم الأحد لم تكن جديدة، وقد يمتد عمرها لاكثر من عشر سنوات عندما قررت القيادة السوفيتية بناء سلسلة من الاحواض العائمة في مصنع بناء السفن في مدينة ميرسون، مهمتها تصليح الغواصات النوويةِ وكان هؤلاء يعلمون بان عشرات الغواصات النووية انتهت مدة خدمتها، وتنعدم في روسيا الراهنة القدرة على تفكيكها وتخزين مفاعلاتها النووية التي كانت تهدد بالانفجارِِ حتى حانت اللحظة المنتظرة.
وكان خطر وقوع كارثة نووية بسبب هذه الغواصات ماثلا، وموضوع مناقشات طويلة، خاصة في القمم الروسية ـ الاميركية طوال السنوات العشر الماضية، وازداد هذا الخطر بسبب عدم اتخاذ التدابير اللازمةِِ وحتى انشاء الاحواض المخصصة لترميمها لا يحل المشكلة، ناهيك عن ان هذه الاحواض لم يتم بناؤها بالكامل، حيث بالكاد انشىء حوض واحد مخصص للاسطول الشمالي (الذي تعرضت احدى غواصاته للكارثة الاخيرة).
تجدر الاشارة الى ان الشركة التي بنت هذا الحوض لم تسلمه لروسيا، لان موسكو دفعت 67 في المائة فقط من المبلغ المتفق عليهِ وهكذا جمد الموضوع حتى حانت ساعة الصفر النووية.
ومصير الاحواض المخصصة لاسطول المحيط الهادئ ليس بافضل، فقد توقفت الاعمال هناك بعد انجاز 30 في المائة منها بسبب انعدام التمويل، وخصصت هذه الاحواض لتصليح الغواصات الروسية من فئة 'تايفون' التي تقرر تفكيكها وتحويلها الى نفايات معادن منذ 1992، غير ان هذا القرار لم ينفذِِ حتى انفجار جديد، وقد يعني ذلك ان حاملات الصواريخ 'تايفون' التي تعد اساس قوة روسيا النووية ستحتاج للتصليح وسط البحر في ظروف انعدام الأحواض المخصصة لذلكِ وهذه عملية شبه مستحيلة من النواحي الفنية.
وهكذا ففي الوقت الذي لا تمتلك فيه روسيا حوضا جافا واحدا لتصليح الغواصات النووية والسفن الضخمة، يوجد في الولايات المتحدة 14 حوضا عملاقا.
التدمير الخامس
وفي الواقع فان روسيا تحطم سفنها، وغواصاتها للمرة الخامسة خلال قرن، وجرى التدمير الاول في العشرينات عندما لم يكن في البلد من يعتني بها في ظل الحرب الاهلية، والثاني خلال الحرب العالمية الثانية التي حالت دون تنفيذ خطة لانشاء بوارج مدرعة من طراز 'سفيتسكي سيوز' وطرادات ثقيلة 'كرونشاردت'، وبعد وفاة ستالين لقيت طرادات ثقيلة من طراز 'ستالينغراد' التي كانت تحت البناء المصير نفسهِ وفي المرة الرابعة في عهد خروتشوف عندما فرم الطراد 'سيفردلوف'ِ أما الخامسة فهي تواجه روسيا اليوم التي لا تستطيع حتى تدمير حاملات الطائرات والطرادات الصاروخيةِ علما ان الفترة القادمة لن
تشهد بناء غواصات أو سفن جديدة، لان الموازنة العسكرية استهدفت في المقام الاول ضغط الانفاق على صناعة السفن الحربية.
الإرث الثقيل
لم تهتم القيادة السياسية والعسكرية الروسية ببناء قوة بحرية كما هي الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا، لوجود السلاح الصاروخي النووي الذي كان يعوض الوسائل الاستراتيجية للردع النووي.
وورثت روسيا من الاتحاد السوفيتي مشكلة تتعلق بالمفاعلات النووية للغواصات التي لم تعد القوة البحرية الروسية تستخدمها، وبلغ عدد الغواصات النووية التي توقف العالم عن استخدامها حتى الان اكثر من 170 غواصة منها 100 روسية، وفيما دفنت الولايات المتحدة اكثر من 30 مفاعلا نوويا، لم تدفن روسيا اي مفاعل منزوع من الغواصات، عدا ما دفنه الاتحاد السوفيتي في البحار الشمالية.
وليس بوسع القوات البحرية الروسية ووزارة الطاقة الذرية او الصناعة حل مشكلة دفن المواد المشعة، بحجة عدم توفر الاموالِ وبالرغم من ان روسيا صنعت اكثر من نصف الغواصات السائرة بالطاقة النووية الموجودة في العالم، الا انها الوحيدة التي لم تبن غواصات مزودة بالصواريخ الباليستية منذ عشر سنوات، ولن تصنع غواصات من هذا الطراز خلال السنوات العشر القادمة ايضا.
ولان عمر الغواصات النووية الافتراضي هو 25 سنة، فلا يصعب التكهن بأن روسيا ستفقد ترسانتها الاستراتيجية البحرية التي تعتمد بالدرجة الاولى على الغواصات النووية الحاملة للصواريخ، علاوة على تهديدها العالم بكوارث نووية مماثلة لما جرى مؤخرا بسبب انتهاء مدة خدمتها.
تجدر الاشارة الى ان معاهدة تخفيض الاسلحة الاستراتيجية الهجومية 'ستارت 2' التي نصت على نزع اعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية المنطلقة من الأرض، اجازت مضاعفة عدد الصواريخ المحمولة في الغواصات النووية الروسية.