الجمعة، 10 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (22)

أشار شيفرنادزه في لقاء وزراء خارجية الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذي تم في 29 نوفمبر في نيويورك الى أننا لا نريد استخدام القوة، وأنه ينبغي القيام بكل شيء يجنب الحل العسكريِ وأعرب عن تيقنه من إمكان تلافي الحرب، إذا اتحدنا في الأقوال والأفعال، واستخدمنا كافة الوسائل السياسية والدبلوماسية، وعملنا انطلاقا من خطة واحدة على أساس القرار المتخذِ وبالمناسبة أدلى جيمس بيكر في ذلك الاجتماع برأيه بأن القرار المتخذ يمكنه حل المشكلة بطريقة سلمية، وأنه لا يعد هذا الأمل ساذجا وأنه قد يجعل رئيس العراق أكثر ليونة، وإن لم يحصل على مكافأة لعدوانهِ وقال بيكر إن 'ضمان عدم الإبادة صيغة شائقة' ناتجة من تنفيذ القرارِ
وجرب 'الخمسة' الحديث عن فائدة زيارة السكرتير العام للأمم المتحدة في مرحلة معينة للقاء شخصيا بصدام حسين ولم يتفقوا على تاريخ معين لهذه الزيارةِ
أدلت وزارة الخارجية السوفيتية نظرا لأهمية القرار 678 بتصريح خاص وصفته فيه بالإنذار الأخير للعراق، وفي الوقت نفسه فرصة واقعية لمنع تطور الأحداث نحو الأسوأ كالتفجير العسكريِ وقيل في التصريح إنهم " في الاتحاد السوفيتي على يقين بأن العراق الآن سيقول كلمتهِ ويتعلق على القيادة العراقية وحدها أن يسود السلام في الخليج أو لن يسودِ وعليها أن تقدر بصورة سليمة الموقف الثابت والحاسم للمجتمع الدولي وفائدة إعادة الشرعية الدولية والأمن إلى هذه المنطقة بالعقل السليم والفطنِ ويجب أن يدركوا في بغداد أن المماطلة المستمرة في تنفيذ قرارات مجلس الأمن غير مقبولة، لأنها تحمل خطرا كبيرا قبل كل شيء بالنسبة للعراق نفسه وشعبه "ِ
وبالنسبة إلى السوفيت المحتجزين في العراق قال شيفرنادزه بتصريح حازم للغاية في نيويورك إن الاتحاد السوفيتي على استعداد لإرسال قواته الى منطقة الخليج إذا اقتضى الأمرِ واتهمت وزارة الخارجية العراق في 2 ديسمبر في استخدام المواطنين السوفيت في العراق (بقي فيه 3315 شخصا) كحجة للتدخل السوفيتي المسلحِ وأشار ممثل مجلس قيادة الثورة العراقي بدوره عندما أعلن في 4 ديسمبر قرار إطلاق سراحهم إلى أن هذا القرار جاء لمنع ' التشويه' و 'المواربة' ولكي يعزز الأمل في تحسين العلاقات مع الاتحاد السوفيتيِ
إن ما قيل أعلاه عن أهمية الخطوات المتخذة في مجلس الأمن والعلاقة معه لا ينتقص بالمرة الدور الذي لعبته في هذه القضية مثابرة ميخائيل غورباتشوف ويفغيني بريماكوف وموظفي وزارة الخارجية السوفيتية والسفارة السوفيتية في بغدادِ وفي هذه اللحظات تقلص عدد جاليتنا في العراق أكثر من مرتينِ وحصل مواطنو البلدان الغربية المحتجزون في العراق على إمكان ترك البلاد فورا، بعد أن أعلن في 6 ديسمبر قرار مناسب لمجلس قيادة الثورةِ وبشكل خاص سافر الأميركان الأخيرون بالطائرة من بغداد قي 13 ديسمبرِ أما رحيل المواطنين السوفيت فاشترط مجلس قيادة الثورة أن تأخذ حكومة الاتحاد السوفيتي على عاتقها المسؤولية عن إنهاء عقودهم قبل الموعدِ ولم يذكر فيما ينبغي أن تتجسد عليه هذه 'المسؤولية'ِ وبات واضحا أن الأمر في حاجة الى محادثات خاصةِ وبالمناسبة كانت للمؤسسات السوفيتية أسئلة كثيرة للطرف العراقي بصدد انتهاء عمل خبرائنا وعن إغلاق المنشآت المبنية بمساعدتنا وتخزين المعدات الموردة الى هناك ِِِالخِ وكانت لدينا مصلحة في استئناف التعاون الاقتصادي مع العراق بعد التغلب على الأزمةِ
سافر الى العراق في منتصف ديسمبر وفد سوفيتي هام برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء السوفيتي ي ِ بيلوسوف بغية حل جميع القضايا العالقة، وتأمين رحيل المواطنين السوفيت بلا موانعِ استمرت المحادثات 10 أيام وقع نتيجتها بروتوكول عمل في مسائل التعاون التجاري والاقتصادي والتقنيِ وألحق بالبروتوكول جدول لرحيل الخبراء السوفيت ابتداء من 23 ديسمبر 1990 وانتهاء في 10 يناير 1991 ِ وحصل أن سافرت مجموعة الخبراء الأخيرة المتكونة من 82 شخصا من بغداد الى موسكو في 9 ينايرِ وترك العراق والكويت قرابة ثمانية آلاف ونصف من المواطنين السوفيتِ
هكذا انتهت ملحمة الأجانب المحتجزين قسرا في العراق، وهي الحكاية التي أثرت في أعصاب آلاف الناس وصحتهم، وأحدثت احتكاكا شديدا بين العراق وعدد كبير من الدول وحطت بصورة كبيرة من سمعة القيادة العراقيةِ
تجاهل بغداد ل 'توقف النوايا الحسنة'
بدأ 'توقف النوايا الحسنة' بمفاجأة مثيرةِ ففي اليوم التالي بعد اتخاذ مجلس الأمن للقرار 678 أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش في مؤتمر صحفي عقد على عجل أنه مستعد، بهدف تسوية الأزمة سلميا، لاستقبال طارق عزيز وتوجيه جيمس بيكر الى بغداد لأجل التحدث مع صدام حسينِ
كانت هذه خطوة سياسية مؤثرة يمكنها، بغض النظر عن أسباب إثارتها، فتح باب الحوار الأميركي - العراقي المباشرِ ولا يمكن تغافل واقعة أن المبادرة انطلقت من واشنطن، مما يسهل على بغداد تقديم رد إيجابي لأنه لا يستطيع أحد الاشتباه في ضعف بغدادِ وكان هذا التحول يروق لصدام حسين نفسه إذا كان يريد " إنقاذ ماء وجهه " في الواقع ويعير له اهتمامه الأولِ وكانت مبادرة الرئيس بوش تصب تماما لصالح وجهة نظرنا وفي إطار الخطة المنسقة داخل مجموعة " الخمسة " والموجهة للعمل النشيط مع بغداد في مرحلة " توقف النوايا الحسنة "ِ وللتأكيد قيل في بيان وزارة الخارجية السوفيتية في هذا الصدد بأنهم في " الاتحاد السوفيتي يستحسنون هذه المبادرة " وأن " الحوار بين الولايات المتحدة والعراق له أهمية بالغة للتوصل إلى الاقتراب العملي وفك حصار الحالة الخطيرة للغاية في الخليج "ِ وأشير في البيان الى أن " قرار مجلس الأمن له سعة زمنية تمكن من حل النزاع بطريقة سياسية سلميةِ وينبغي انتهاز هذه الفرصة لكي لا تنقلب الحالة نحو الخيار العسكري 'ِ
لكنه للأسف، لم يختلف رد فعل بغداد على القرار 678، عن رد فعلها على القرارات السابقة لمجلس الأمنِ وصرح صدام حسين حالا بأنه 'لا ينوي الرضوخ للجور'ِ وقال في تصريحه التلفزيوني 'إذا شبت الحرب فسنحارب على النحو الذي سيفخر به العرب والمسلمون'ِ وفي 30 نوفمبر رفض مجلس قيادة الثورة رسميا القرار 678 واعتبره 'غير شرعي' وليست له قوة القانونِ وكتبت جريدة 'الثورة' في 2 ديسمبر أن 'العراق العظيم بقيادة صدام حسين وبفضل قدرته على التغلب على النزاع سيحافظ على الفخر والثبات بتحديه حشد الأشرار والطغاة 'ِ وقصدت الجريدة هنا إما مجلس الأمن وإما التحالف المعادي للعراق وإما الاثنين مجتمعينِ
ومع ذلك نظروا في العالم الى ما ستتخذه بغداد عمليا ردا على مبادرة الرئيس الأميركيِ وكان هذا المقترح يقتضي أن يستقبلوا في واشنطن في 10 ديسمبر طارق عزيز ومن ثم يسافر جيمس بيكر الى بغداد " في الوقت الملائم لكلا الجانبين "ِ وأظن بأن هذا التتابع يعني بأنهم لم ينتظروا في واشنطن أي شيء من المحادثات مع وزير الخارجية العراقي (كان ثمة رأي ثابت في العالم بضرورة إجراء المباحثات مع صدام حسين مباشرة)ِ ولذا كانت الآمال الرئيسية تتعلق برحلة بيكر الى بغدادِ وظهر أن الأمر لم يكن بسيطا في الواقعِ وحاولت بغداد منذ البداية تحويل المحادثات الثنائية الى محادثات بين ثلاثة أطراف بعد أن ضمت الى جانبها الفلسطينيينِ وعندما اصطدمت برفض واشنطن القطعي تراجعت عن نواياها ووافقت أن تكون مباحثات عراقية - أميركية بحتةِ ثم نشأ جدال آخر حول جدول المباحثاتِ أرادت بغداد أن تجري المناقشات على أساس المبادرة العراقية المؤرخة في 12 أغسطس، الأمر الذي لم يكن يرضي الأميركانِ غير أن فرص إجراء المحادثات نسفت تماما ونهائيا عندما اختلفوا على مسألة التواريخِ كان موقف بغداد يتضح بمدلول واحد وهو رغبتها في تأجيلها الى الحد الأقصى وكان بيكر موافق على تعيين 12 يناير، أي قبل ثلاثة أيام لا أكثر من انقضاء موعد " توقف النوايا الحسنة" المحدد من قبل مجلس الأمنِ واقترح الأميركان على العراقيين 15 تاريخا مختلفا، غير أن بغداد استماتت معللة أن الرئيس العراقي له الحق وحده تحديد الوقت الفارغ لديه لكي يقرر استقبال من ومتى يستقبله وبأنه وجد أن 12 ديسمبر وقتا فارغا لديه فقط؟
خلاف مطلق
عندها أعلن جورج بوش في 14 ديسمبر بأنه نظرا لعدم الاتفاق على موعد زيارة بيكر الى بغداد فقد تم تأجيل زيارة عزيز أيضاِ وأعرب الرئيس عن استغرابه بأن الرئيس لديه متسع من الوقت لاستقبال جون كونولر ومحمد علي وادوارد ولا يستطيع إعطاء ساعة أو ساعتين لوزير خارجية الولايات المتحدة في مرحلة من 20 ديسمبر الى 3 ينايرِ وردا على ذلك ألغى صدام حسين رحلة طارق عزيز وقال إذا كانت الولايات المتحدة تريد البحث في قرارات مجلس الأمن فليس هناك سببا للسفرِ وكان ذلك يدل على تجاهل بغداد للقرار 678 كما تجاهلت جميع مطالب مجلس الأمن السابقة بالانسحاب من الكويتِ
لا استبعد بأن مبادرة بوش قدرت في بغداد كبرهان على أن التهديد بالعمل العسكري من قبل الولايات المتحدة هو مجرد 'بلف' وعلى الحكومة الأميركية نفسها أن تبحث لها عن مخرج للوضع الذي تورطت فيه بحضورها العسكري للمنطقةِ وكان هذا الرأي ضلالا مطلقا بالطبعِ
أخذ البيت الأبيض والبنتاغون ومجلس الأمن القومي الأميركي منذ زمن بعيد نهج دحر العراق عسكرياِ والشيء الوحيد الذي كان يوقف نهجهم هو انسحاب العراق الطوعي من الكويتِ ومن البديهي أن بغداد اضطرت حتى في هذه الحالة تحمل المسؤولية المادية عن الخسائر الملحقة (ناتج عن قرار مجلس الأمن) وللتعرض للتقييد العسكريِ وبعد أن حدث ما حدث لم يرض أي شيء واشنطن ولا دول الخليج العربيةِ ومع ذلك لم ينو بوش كسياسي يريد الترشيح لفترة رئاسة ثانية الدخول في مخاطرة واتهامه بهلاك الجنود الأميركيين بدون مبرر لو أعلنت بغداد عن استعدادها للانصراف من الكويت سلمياِ وكانت قيادة العراق ترتكب الخطأ الفاحش الدوري بتأويلها أعمال بوش كدليل على تردده وضعفهِ وفي الواقع أن مبادرة بوش لم تكن موجهة الى العراق، قدر توجهها الى الرأي العام الأميركيِ وكانت تهدف قبل كل شيء الى تحييد معارضة نهج حكومة الجمهوريين في الكونغرس الذي كان يسيطر الديموقراطيين على مجلسيهِ وانطلاقا من مصالحهم الحزبية كان الديموقراطيون في مجلس الشيوخ ومجلس النواب ينددون بأعمال بوش أكثر فأكثر بما في ذلك ما يقوم به بصدد الأزمة الكويتيةِ وكان بوش إذ يظهر استعداده للحوار مع صدام حسين يجيب على أولئك المنتقدين الذين كانوا يلومونه على قسوته المفرطة والتبذير وميله الى الحل العسكريِ وكان صدام حسين يساعد بوش ولم يشأ التصرف أفضلِ فكانت عجرفته الخاصة واستخفافه بالتعامل مع واشنطن الرسمية يقوضان الأرض تحت أرجل بوش ويقويان العقليات المعادية لصدام في الولايات المتحدةِ
اعتمد بوش بتحريك قواته الى منطقة الخليج على صلاحياته كرئيس وقائد أعلى للقوات المسلحةِ والآن وبعد أن أصبحت الحرب على الأبواب، كان يريد الحصول على مصادقة السلطة التشريعيةِ ولم تكن هذه المصادقة ضرورية له على الإطلاق لأن كل رؤساء الولايات المتحدة كانوا طوال التاريخ الأميركي قد استخدموا القوات المسلحة نحو 200 مرة وفقط في خمس حالات أعلنوا الحرب شكلياِ غير أن درجة المخاطرة السياسية الناشئة في البيت الأبيض واحدة، لكنها تصغر لو تم الاعتماد على تأييد الكونغرس وتأييد المجتمع بشكل عامِ كانت مبادرة بوش في أساسها عبارة عن 'بوبليك ريليتشن' نموذجية، لو استخدمنا مصطلحا معاصرا وعدت ناجحة جدا وأمنت بغداد هذا النجاح حيث ارتفعت شعبية بوش الى الأعلى بثقةِ
وفي موسكو كانوا خائبي الأمل وقلقين جدا من تصرفات بغداد غير المعقولة جدا بعد أن ضيعت فرصتها بالبدء في الحوار مع معارضها الرئيسيِ ولم يكن 'توقف النوايا الحسنة' بالنسبة لنا موجها لرحيل خبرائنا من العراق فحسب، بل بأنواع مختلفة من الإجراءات الهادفة كالسابق الى حث العراق على الانصراف من الكويت سلميا أيضاِ
حل أزمة الشرق الاوسط
ويجب أن أقول بإن الدبلوماسية السوفيتية التي حصلت من الأمريكان في هلسنكي على الالتزام بالعمل من أجل تسوية النزاع العربي - الإسرائيلي فورا بعد حل الأزمة الكويتية، كانت تحفظ هذا الموضوع في مجال بصرها وتعود إليه بشكل دوري في كل اتصالاتها مع الولايات المتحدة ومع العرب والأوروبيين الغربيين على السواءِ وكانت هذه المسألة في جدول أولويات أعمال شيفرنادزه وإن كان ذلك يهيج الأمريكان بصورة ملحوظةِ وكانوا يبدون رأيهم بأن أي نشاط في هذا الاتجاه لن يكون قبل الانتهاء من الأزمة الكويتية وأن أية خطوة ستفهم كتسليم لمطالب صدام حسينِ وكان الجانب السوفيتي ينقض ذلك بثبات ويحاول البرهنة على أن الفائدة السياسية للأوساط الحاكمة والجماهير العربية على السواء ستتجلى في خضم الصراع النشيط بين خصوم صدام حسين وأنصارهِ
وفي نهاية نوفمبر وخلال لقاء نيويورك اضطر بيكر لأن يعد شيفرنادزه بالالتقاء في هيوستن للإدلاء بتصريح مشترك مناسب في هذا الصددِ غير أن بيكر تهرب في هيوستن من تنفيذ الوعد الذي قطعه حيث بحث الوزيران طائفة واسعة من المسائل على الرغم من الضغط المكثف الذي مارسه شيفرنادزه عليهِ ولم يتسن الاتفاق أيضا الى أن يتخذ مجلس الأمن قرارا بإظهار موقف متعادل بين الأزمة الكويتية والنواحي المختلفة للنزاع العربي - الإسرائيليِ وأعطى التأكيدات الثابتة بالانشغال بلا إبطاء بالشؤون العربية - الإسرائيلية بعد تحرير الكويت (وفى بيكر بهذا الوعد)ِ وأظن بأن مثابرة وزير الخارجية السوفيتي لم تكن عديمة الجدوىِ
زار شيفرنادزه تركيا أثناء عودته من الولايات المتحدة بعد أن دعوه إليها منذ زمن بعيدِ وكانت المقارنة في المواقف مع جارنا الجنوبي والذي يجاور العراق أيضا مفيدة في كل الأحوالِ وكنت مرتاحا لأنه تسنى للوزير زيارة أنقرة بعد أن وعدتهم بأن ذلك سيتحقق في أقرب فرصةِ
عاد الوزير الى موسكو قبل افتتاح المؤتمر الرابع لنواب الشعب السوفيتي بقليل والذي كان من المنتظر أن يكون عاصفا لأن الأوضاع الداخلية في البلاد توترت في ذلك الوقت بشدةِ وحمل اليوم الثاني من أعمال المؤتمر في 20 ديسمبر 1990 مفاجأة مثيرة حقيقيةِ
في 19 ديسمبر عملت في الوزارة حتى ساعة متأخرة من الليل، حيث كنا نعد خطاب الوزير في جلسة المؤتمر (السوفيت الأعلى ـ ج) الذي سيعقد في اليوم التاليِ وكان على شيفرنادزه التحدث للنواب في مجال السياسة الخارجية وكيفية تشكل الظروف الخارجية لخدمة البلاد وتطويرهاِ وتناول الخطاب بالطبع، مشاكل الخليج والشرق الأوسط وأفغانستانِ
كنت أدرك بأن الوزير سيتعرض في المؤتمر لهجمات جديدة وعطفت عليه كلياِ ولم أستطع التصور بأن الوزير ذهب الى المؤتمر مع قرار كان قد اتخذهِ
ألقى شيفرنادزه في المؤتمر خطابا آخر تماما وخاليا من تلك المواد التي حضرناها في الوزارة لهِ كان الخطاب وجيزا وعبارة عن احتجاج ناتج من ألمه الداخلي على ما كان يجري حينذاك في أوساط نخبة البلاد السياسية التي انقسمت الى عدة جماعات وتوغلت أكثر في الخصومات الداخليةِ وكان ميخائيل غورباتشوف نفسه ومن كان يسانده في عملية إعادة البناء هدفا رئيسيا لمختلف الهجماتِ وكان الكثيرون يطلقون السهام على غورباتشوف ويصوبونها في حقيقة الأمر الى شيفرنادزه، وإن كان لديه الكثير من الخصوم المتعصبين والأعداء الخفيينِ سمى شيفرنادزه هذا في كلمته في المؤتمر بالاضطهاد الحقيقي وكان لا يجافي الحقيقةِ لقد ضاق صبرا وصرح من على منصة المؤتمر بأنه سيستقيلِ وأرى بأنها الحالة الأولى في التاريخ السوفيتي عندما يعتزم عضو في الحكومة وبهذا المستوى على إجراء مثل هذه الخطوةِ
كنت أشفق بإخلاص على فقدان جهازنا الخارجي لرئيسه الذي اكتسب أثناء ست سنوات بمنصب الوزير الاحترام والعطف لدى الأكثرية الساحقة لموظفي الخارجيةِ
انتهاء ملحمة الرهائن
صرح ناطق باسم مجلس قيادة الثورة العراقي في 4 ديسمبر 1990 عن قرار اتخذه، وهو خاص بالسماح ابتداء من 5 ديسمبر لجميع الخبراء السوفيت الذين يرغبون في ذلك بالرحيل من العراقِ واتخذ في 6 ديسمبر قرارا مشابها حيال المواطنين الأجانب الآخرين بمن فيهم الرهائن (أو الضيوف كما يحلو للعراقيين تسميتهم)ِ
هل من المفيد أن نتكلم عن السرور والغبطة اللذين استقبلنا بهما هذا النبأِ وفورا أدلت وزارة الخارجية بتصريح خاص بهذه المناسبة لكي يعرف الناس في أنحاء البلاد بأن كافة المواطنين السوفيت لم يعودوا محجوزين قسرا في العراق ويقل قلقهم على مصائر أقربائهمِ فما الذي دفع قادة العراق الى تغيير موقفهم في المسألة الخاصة بالأجانب بصورة حادة ِ وانطلاقا من تصرفات العراق السابقة من المشكوك فيه أن نربط هذا التغيير بالحب للإنسان والإنسانيةِ ومن المرجح أن يربط ذلك بتغيير الإدراك عن الأوضاع، ويمكن أن نجد الجواب في التصريح الرسمي في قاعة مجلس الأمن المؤرخ في 29 نوفمبر أثناء اتخاذه القرار 678 ِ قيل في كلمة وزير الخارجية السوفيتي ما يلي: نحملها (القيادة العراقية - المؤلف) بصورة خاصة المسؤولية الشخصية عن مصير الأجانب في العراق وسننظر في محاولة اغتيالهم كجريمة ضد الإنسانية مع كافة العواقب المترتبة على هذا الفعل (أما العواقب التي لمح الوزير إليها بصورة واضحة عرفت جيدا هي قفص الاتهام على طراز محكمتي ينورمبرغ وطوكيو)ِ
ونوه الوزير بوضوح إلى أن الاتحاد السوفيتي لا يريد ولا يؤيد ولا يقترح توسيع نطاق العقوبات في مجلس الأمنِ وقال ان هذا الالتزام يؤخذ على عاتقه بلا خسارة لأي حقوق للاتحاد السوفيتي حسب ميثاق الأمم المتحدةِ وإن سمحت حكومة العراق لنفسها بإلحاق خسائر ما بالمواطنين الأجانب المحتجزين ضد إرادتهمِ وأخيرا وردت وفقا للاتفاق المتبادل في كلمات وزراء خارجية الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا صيغ متشابهة تقريبا كانت تذكر بالبند الثالث للقرار 678 التي تعلق على بعض الأشخاص المسؤولية الشخصية للمخالفات الخطيرة لمعاهدة جنيف الرابعةِ
وصرح ادوارد شيفرنادزه في ذلك الوقت في أحد أحاديثه لكي يصبح كل شيء واضحا: " دع الجميع يعرفون بأننا لن نتوقف من أجل الدفاع عن مواطنينا باستخدام أي وسيلة نراها ضروريةِ وقد حان الوقت لأن نكف عن التعطل في الحالات حيث تمتهن كرامة الإنسان ومصيره وتعد عملة صرف في الألعاب السياسية الماجنة "ِ
وبما أنهم في بغداد وحدهم يعرفون بأنهم إذا سحبوا أو لم يسحبوا قواتهم من الكويت بانتهاء 'توقف النوايا الحسنة' فان عواقب ذات طابع شخصي ستترتب على قادة البلاد نتيجة لحجزهم الأجانب قسرا وخشيتهم بالفعل من أن يصبحوا ضحايا العملية العسكريةِ أدركوا عندها بأن الرهائن الذين استخدموهم كورقة للضغط واللعب لمدة أشهر تحولوا الى مصدر خطر شخصي كبير بالنسبة للقيادة العراقية العلياِ وأظن بأن هذا أهم شيء حسم الأمرِ