الجمعة، 10 يونيو، 2011

الكرملين وأزمة الكويت (23)

على الرغم من أن بغداد وواشنطن لم تتوصلا الى اتفاق عن رحلات وزيري خارجيتهما لأجل اللقاء برئيس الولايات المتحدة والعراق، إلا أن موسكو لم تكف عن بذل جهودها لتنظيم الاتصالات العراقية ـ الأميركية المباشرة وتتصرف في الاتجاهين الأميركي والعراقي على السواءِ
وانحصرت إحدى مهام الوفد برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء السوفيتي بيلوسوف الى بغداد لدفعها الى المرونة وإبداء الاهتمام بالمحادثات مع الولايات المتحدة التي كنا نثق بإمكان حدوثهاِ وطرح بيلوسوف هذه المسألة في حديثه مع صدام حسينِ وتكلم مدير إدارة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كولوتوشا، الذي كان ضمن قوام الوفد، بالتفصيل عن هذا الموضوع مع طارق عزيز وحاول إقناعه بأن الموقف الذي اتخذته بغداد يلحق بمصالحها الحيوية خسارة جسيمةِ
وكان لسفيرنا في بغداد فيكتور بوسوفاليوك في 2 يناير 1991 حديث طويل مع صدام حسينِ أشار السفير انطلاقا من قرار مؤتمر نواب الشعب الى أن واجب القيادة العراقية ينحصر في إظهار الحكمة والرجولة لكي تحول دون اندلاع النزاع المسلح بالاستفادة من الوقت الباقي قبل 15 يناير في حوار مثمر مع الولايات المتحدةِ ولم يستغن الأمر من جديد عن إلقاء صدام حسين لمحاضرة تاريخية عن حقوق العراق التاريخية في الكويت وقال إنهم في العراق يريدون التعاون مع الولايات المتحدة كدولة عظمى رقم 1 وأن ثلث النفط العراقي كان يوجه قبل أحداث 2 أغسطس الى أميركاِ وألقى ذنب كل شيء على عاتق واشنطن والكويت اللتين دفعتا بغداد جراء سياستهما إلى اللجوء الى القوةِ وقال صدام حسين: 'إذا شنوا الحرب ضدنا فسننازلهم حتى النهايةِ لا تخيفنا قدرة أميركا وإن كنا نعرف أن الخسائر في الأرواح والممتلكات ستكون هائلةِ وحتى إذا دمر الأميركان كل العراق فسنستمر في النضال لأن نجاحنا أسس النضال في العراق'ِ
يمكننا أن نقوم بالتنجيم فقط لو كان الزعيم العراقي يفكر على هذا النحو، أو أنه في حقيقة الأمر يريد إنذار واشنطن بواسطتناِ أما بوسوفاليوك فكان يتصرف وفقا للتعليمات المتوفرة لديه، حاول إقناع صدام حسين بالضرورة الملحة للبحث عن الحل السلمي وأن لا يشتبك في أي حال من الأحوال في معارك حربيةِ
وقامت جماعة من نواب الشعب للاتحاد السوفيتي بالعمل في الاتجاه نفسه في بغداد حيث التقت بصدام حسينِ وكانت تبذل جهودها في هذا الاتجاه الكثير من سفاراتنا في البلدان الأوروبية والعربية والبلدان الأخرىِ وطلبت من عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أبو مازن لدى استقبالي له في 3 يناير أن يستخدم نفوذ المنظمة وزعيمها ياسر عرفات شخصيا الى حده الأقصى في الأيام القليلة الباقية حتى انتهاء 'التوقف' بغية إقناع بغداد في اتخاذ القرار اللازم والتغلب على غطرستهم التي ستقضي على شعبهم بالحرب وبالتالي الفقر والآلامِ وكان الوقت يجري سريعاِ
لا يعرف فيما إذا أثارت حججنا المعروضة في موسكو وبغداد وواشنطن أو أثرت خطوات الدول الأخرى المتشابهة أو أي أسباب أخرى في اقتراح جورج بوش في لقاء جيمس بيكر وطارق عزيز على أرض محايدة في جنيف في الفترة بين 7 و 9 ينايرِ وافق صدام حسين على ذلكِ وعين اللقاء في 9 ينايرِ
استحسنت وزارة الخارجية السوفيتية هذه التطورات، وكما جاء في بيان رسمي: 'نعلق الآمال على إجراء الحوار الأميركي ـ العراقي لغرض فك الأزمة الحادة في الخليج على أساس القرارات المناسبة لمجلس الأمنِ ويجب أن ينتهي توقف النوايا الحسنة بانتصار العقل السليم ويأتي بالثقة ويعيد العدالة والاستقرار الى منطقة الخليج'ِ
أحال سفير الاتحاد السوفيتي في بغداد في 8 يناير رسالة دورية من ميخائيل غورباتشوف الى صدام حسين بصدد اللقاء الأميركي ـ العراقي وركز فيها الاهتمام على ضرورة عدم إهمال هذه الفرصةِ
لقاء جنيف بين بيكر وعزيز
ولكن لم يثمر الحديث بين بيكر وعزيز الذي استمر ست ساعات عن شيءِ وفي الليل المتأخر من 9 يناير هاتف وزير الخارجية الأميركي بيكر، شيفرنادزه ليخبره بشكل عام بما حصل، وأطلعه في اليوم التالي في رسالة خاصة على تفاصيل لقاء جنيف (بعد الاستقالة كان شيفرنادزه يقوم لبعض الوقت بأعمال الوزير في انتظار تعيين خلفه)ِ
واتضح من هذه الأحاديث أن ما قاله بيكر لعزيز باسم الرئيس بوش كان بسيطا: إما أن ينصاع العراق لمطالب المجتمع الدولي ويرحل سلميا من الكويت وإما سيجبرونه على ذلك بالقوةِ ويجب ألا تكون ثمة أوهام ما أو عدم فهمِ وأشير في غضون ذلك من الجانب الأميركي الى أن الأفضلية للحل السلمي، وأكدوا بأن الولايات المتحدة لن تهاجم العراق إذا نفذ قرارات مجلس الأمن، وأن القوات الأميركية ستترك منطقة الخليج بعد ذلك وأنها ستؤيد النداء الذي احتواه القرار 660 الى العراق والكويت الداعي الى تسوية خلافاتهما، ويمكن أن يحدث ذلك فقط بعد انسحاب القوات العراقيةِ وأكد وزير الخارجية الأميركي على استبعاد ربط رحيل القوات العراقية من الكويت بتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيليِ وأكد لعزيز الاستعداد للانشغال بمسائل التسوية في الشرق الأوسط حالا بعد انسحاب العراق من الكويتِ
وقال بيكر أن الطريق للسلام لا يزال مفتوحا وأن على بغداد أن تختار في آن واحد طريق المجابهة الحربية وعواقبها الكارثية عارضا إمكانات القوات المتعددة الجنسية المنتشرة بالقرب من العراقِ وأنذر الجانب العراقي بأن حالة الشاه لن تحصل فإذا بدأت الحرب فستصل الى النهاية الحاسمة والسريعةِ وأنذر عزيز كذلك بأن العواقب ستكون وخيمة إذا لجأ العراق لاستخدام السلاح الكيميائي أو البيولوجي أو الى أفعال إرهابية أو تدمير المنشآت النفطيةِ
ونتج من الحديث أن الجانب العراقي لم يظهر أي دلائل على استعداده لتنفيذ قرارات مجلس الأمنِ ورفض عزيز قبول رسالة جورج بوش لصدام حسين لأنه قدر أسلوبها بأنه غير مقبولِ وقال عزيز إن أعمال العراق لم تكن خطأ وانه يتوقع الأعمال العسكرية ضده منذ 2 أغسطس، ويدرك بالكامل ما هي القوى التي نشرت ضده ودرجة فاعلية الأسلحة التي ستستخدمِ ولكنه اعتقد أن العراق سيخرج منتصرا من الحربِ وقال عزيز كذلك إنه مع بداية الحرب فستنجر إليها جميع بلدان الإقليم بما فيها إسرائيلِ
وحسب الرواية الأميركية فقد الكثير من الوقت لمناقشة الأمور الثانوية: كان عزيز يحاول إثبات أن أعمال العراق ضد الكويت ذات طابع دفاعي، وأن قراري مجلس الأمن 660 و 678 باطلا لأن العراق لم يمثل عند اتخاذ القرار الأول بممثله الدائم بل بنائبه، ويكون القرار الثاني باطلا لأنه لم تكن هناك سوابق له وليس لقرار جامعة الدول العربية قوة القانون لأنها لم تتخذ بالإجماع، وأن صدام حسين لم يعط لأحد ما، لا للملك فهد ولا للرئيس حسني مبارك ولا الملك حسين ولا للسفير الأميركي أي تأكيدات في أنه لن يقوم بفعل حربي ضد الكويتِ وقال عزيز أن الكثيرين بالغوا كما زعم، في تقرير منظمة العفو الدولية الخاص بفظائع العراق في الكويت وأن تصرفات العراق في الخليج تتيح فرصة فريدة للقيادة الفلسطينيةِِِالخ
وفي نهاية اللقاء أخطر بيكر بأن الولايات المتحدة قامت باستدعاء خمسة موظفين آخرين من السفارة الأميركية في بغدادِ واذكر أن في اليومين المتبقيين دخلت الكويت تشكيلات هائلة من القوات التي قدر أن تسحب في الاتجاه المعاكسِ وبقي 6 أيام لحظة الحديث قبل انقضاء 'توقف النوايا الحسنة'ِ
أطلع الجانب العراقي بدوره موسكو على نتائج لقاء جنيف وركزوا الاهتمام على أشياء أخرىِ قال السفير العراقي غافل حسين في حديثه معي بأن بيكر طلب من العراق بشكل إنذار نهائي تنفيذ 12 قرارا لمجلس الأمنِ وبالرغم من التهديد ببدء العمليات العسكرية ضد العراق، صرح وزير الخارجية الأميركي بأن بغداد لم تستلم التهديدات الأميركيةِ
وكان السفير يتحدث من جديد عن ضم الكويت النهائي وأشار الى موافقة بغداد على النظر الى مسألة الكويت في إطار الحل الشامل لمشكلة الشرق الأوسط فقطِ وأشار الى أن المشكلة الكويتية يجب أن تحل في الإطار العربي وحده وبلا تدخل من الدول الأجنبية وبأخذ حقوق العراق التاريخية في هذه 'المحافظة' بعين الاعتبارِ
أظن بأن القارئ سيهتم بمحتويات رسالة جورج بوش الموجهة الى صدام حسين والتي رفض طارق عزيز قبولها من جيمس بيكرِ جاء فيها:
'نقف الآن على حافة الحرب بين العراق والعالمِ وهذه الحرب التي بدأت بتدخلكم في الكويت وقد تنتهي بتنفيذ العراق التام دون قيد أو شرط القرار 678 لمجلس الأمنِِِ نفضل النهاية السلمية، وان تنفيذ القرار 678 يكون مقبولا ولن تكون هناك أي مكافأة للعدوان ولن تكون هناك أي محادثاتِ ولا يمكن أن يكون أي حل وسطِ غير أن العراق سيتمكن من جديد من الاتحاد مع المجتمع الدولي عن طريق تنفيذه القرار بالكاملِ وإذا لم تغادروا الكويت بالكامل ودون قيد أو شرط ستفقدون أكثر من الكويتِ ولا يدور الحديث عن مستقبل الكويت التي ستحرر وستتم إعادة حكومتها، بل على الأرجح حول مستقبل العراق وعليكم أن تحددوا الخيارِِ
لقد شعر العراق بتأثير العقوبات التي أقرتها الأمم المتحدة وإذا حصلت الحرب فستحدث مأساة كبيرة لكم ولبلادكمِ
اسمحوا لي كذلك بالإشارة الى أن الولايات المتحدة لن تحتمل استخدام الأسلحة الكيميائية أو السلاح البيولوجي أو تدمير آبار النفط ومنشآته في الكويتِ وسيطالب الشعب الأميركي بأقوى رد ممكنِ زد على ذلك ستتحملون المسؤولية الكاملة عن الأعمال الإرهابية ضد أي عضو في التحالفِ وستدفعون أنتم وحزب البعث وبلادكم الثمن الهائل إذا أصدرتم الأمر بالقيام بهذا النوع من الأعمال الطائشةِ
أكتب هذه الرسالة لا لكي أهدد، بل بغية إطلاعكم على سير الأحداثِ وأقوم بذلك بلا شعور بالرضا لأن الشعب الأميركي لا يريد مشاجرة الشعب العراقيِ
السيد الرئيس، أقر مجلس الأمن المدة لغاية 15 يناير هذا العام بصفة 'توقف النوايا الحسنة' لكي تتمكن الأزمة من الانتهاء بلا قسرِ ويتعلق بكم وحدكم استخدام هذا التوقف، كما ينبغي، أو سيصبح ببساطة فاتحة للعنف المطردِ آمل أن تزنوا خياركم بدقة وستختارون بحكمة لأن الكثير يتوقف على هذا'ِ
أسفوا في موسكو بلوعة لأن القادة العراقيين فاتتهم في المرة الدورية فرصة ممتازة لإنهاء القضية بسلام والانصراف من الكويت بوقارِ ودفعتهم عزة النفس والغطرسة من جديد إلى ما هو أسوأِ
المحاولات الأخيرة لمنع الحرب
جرت في 11 يناير المكالمة الهاتفية بين ميخائيل غورباتشوف وجورج بوش بمبادرة الرئيس السوفيتيِ وعلمت عما دار الحديث حوله متأخرا من مقالة يفغيني بريماكوف 'الحرب التي كان يمكن ألا تقع'ِ واتضح أن غورباتشوف أعرب حينذاك عن استعداده لتوجيه ممثله مرة أخرى الى بغداد مع 'مجموعة من الاقتراحات غير المرئية' كما يسمونهاِ وأطلق مساعد الرئيس تشيرنيايف على هذه المقترحات في مذكراته 'خطة بريماكوف' ولا حاجة للاستغراب لو عرفنا موقف الولايات المتحدة من سفيرنا في واشنطن أِ بيسميرتنيخ الذي أحيلت بواسطته مجموعة المقترحات الى البيت الأبيض بتكليف من غورباتشوف والذي سمع ما يلي: لا تعارض الولايات المتحدة رحلة الممثل السوفيتي الى بغداد وعليه أن يقول مرة أخرى لصدام حسين 'ارحل من الكويت'ِ وقرروا في الكرملين أن أي شيء صالح لن ينتج من هذه الرحلةِ فقد قيل كل شيء من جانبنا على مختلف المستويات بما فيها مستوى الرئيس وليس لمرة واحدةِ ولا أعتقد بشكل عام بأن الكرملين كان بحاجة الى إحياء 'المجموعة غير المرئية' المذكورة في المقترحاتِ ولم تؤد هذه العملية إلا لمزيد من اليقظة لدى المشاركين في قوات التحالفِ
ومع ذلك ما زالت فرصة اللحظات الأخيرة للانحراف عن الطريق المؤدي الى الكارثة قائمةِ وكانت زيارة السكرتير العام للأمم المتحدة لبغداد هذه الفرصةِ ونوقش إمكان هذه الزيارة في مجموعة 'الخمسة' في نهاية نوفمبرِ وتم في 9 يناير أثناء المكالمة الهاتفية بين شيفرنادزه وبيكر الاتفاق على اتخاذ محاولة أخرى للحيلولة دون الوقوع في الحرب بتقديم المساعدة وبكافة الوسائل لدعم مهمة بيريس دي كويلار في بغداد،أعلن عنها رسميا في 11 يناير في هيئة الأمم المتحدةِ وأدلت وزارة الخارجية السوفيتية في اليوم نفسه بتصريح قيل فيه: 'نتوجه الى جميع الأطراف، وبالأخص العراق، بالنداء لتدارك خطورة اللحظة الراهنة وإظهار الحرص على مصير المنطقة وشعوبها'ِ وأشارت وزارة الخارجية الى ما يلي: 'يجب أن تستغل كافة الجهود الدبلوماسية والسياسية بغية إبعاد منطقة الخليج من النزاع العسكري الذي ستكون له عواقب أكثر دمارا بالنسبة إلى شعوب المنطقة، وقبل كل شيء، الشعب العراقي'ِ
كانت لدى كويلار خبرة واسعة في التعامل مع العراقيين وبالأخص في السنوات الست الأخيرة الصعبة لبغداد في الحرب العراقية ـ الإيرانيةِ وكانت بغداد تقدر جهود السكرتير العام للأمم المتحدة لغرض إنهاء الحرب حق قدرهاِ غير أن بغداد رفضت بحزم المحاولة المتخذة في 30 أغسطس 1990 من قبل السكرتير العام والرامية إلى استمالة العراق للانصراف من الكويتِ وجرى لقاء دي كويلار بطارق عزيز في عمانِ وكان عزيز يوافق على إطلاق سراح الرهائن مقابل الالتزام بعدم استخدام القوة ضد العراقِ وخرجت مسألة الكويت من إطار المحادثات وكأنها قد حلت نهائياِ وكان على السكرتير العام أن يلتقي بصدام حسين من أجل بذل الجهد الأخير لتفادي الحربِ
استمر حديثه مع رئيس العراق لساعتين ونصف الساعة ومع طارق عزيز ثلاث ساعاتِ وغادر بغداد ليلة 14 يناير من دون التوصل الى شيء ماِ وقال كويلار بعد العودة الى نيويورك للصحافيين بأن صدام حسين لم يظهر أقل رغبة في الانسحاب من الكويت وأن السلطات العراقية لم تقترح أي شيء يمكن فهمه كخطوة باتجاه السلامِ
أخبر السكرتير العام في مساء 14 يناير بالتفصيل مجلس الأمن عن محادثاته غير المجدية في بغدادِ وكان اتخاذ القرار الخاص بإثبات تبعية الكويت للعراق بجميع الوسائل بما فيها العسكرية المقر من المجلس الوطني العراقي في 14 يناير بمثابة خاتمة زيارة السكرتير العام من الجانب العراقيِ
ومع ذلك توجه بيريس دي كويلار قبل نهاية 'توقف النوايا الحسنة' في مساء 15 يناير الى صدام حسين برجاء ملح و 'نداء دراماتيكي' لغرض تنفيذ مطالب مجلس الأمنِ وانحصرت محتويات النداء فيما يلي: دعا دي كويلار رئيس العراق الى 'البدء فورا بالانسحاب من الكويت'، وأكد له بأنه 'في حالة بداية هذه العملية لن يتم الهجوم على العراق ولا على قواته المسلحة'ِ وقال إنه سيبعث بنفسه مراقبين من الأمم المتحدة، إذا اقتضى الأمر، لمنع الحوادث والاستعداد لطرح المسألة في مجلس الأمن من أجل 'إعادة النظر في القرارات الخاصة بالعقوبات على العراق'ِ ووعد بمساعدة عملية سحب القوات الأجنبية من المنطقةِ ووعد أخيرا مشيرا الى تأكيدات الحكومات التي حصل عليها بأنه بعد حسم هذه الأزمة 'ستتخذ كافة الجهود بغية العمل على تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي على أساس شامل بما في ذلك القضية الفلسطينية'ِ وكان من المهم الإشارة الى أن نداء السكرتير العام أيد من كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وتضمن النداء الكثير من الضمانات التي من الممكن في حالة عدم تحقيقها المس بسمعة دي كويلار الوظيفية والشخصيةِ غير أن العراق تجاهل هذا النداء والضمانات المشرفة تماما لهِ
ويرى نائب السكرتير العام للأمم المتحدة لشؤون مجلس الأمن فِ سافرونتشوك بأن العراق كان يتعامل مع جهود السكرتير العام السلمية بلا اهتمام واجب وبلا احترامِ وبعد عدة أيام من بداية العمليات العسكرية أرسلت بغداد الى دي كويلار رسالة مؤلفة من عبارات مهينة بلا استحقاق، وسلكت بعد هذا بصورة أسوأ من خطواتها الأولى: نشرت في الصحف الأردنية حديثا مختزلا بين دي كويلار وصدام حسين، وإن كان الحديث سريا، فيمكننا القول ان بغداد كانت تريد إغاظة السكرتير العامِ فهل كان دي كويلار مذنبا في انهيار الصواريخ والقنابل على العراق ؟ كان هو بالذات لا يريد أن يحصل ذلك (في حدود إمكاناته بالطبع)ِ فقد اختارت بغداد هذا الخيارِ
واعتقد بأنه ليس ثمة حاجة لإثبات أن زيارة دي كويلار لبغداد ونداءه اللاحق كانا يقدمان للقيادة العراقية فرصة فريدة من نوعها للخروج بصورة جميلة من الضربة التي خيمت عليهاِ ومهما كان الأمر، لم يوجه النداء الى بغداد رئيس دولة معينة، بل أعلى شخصية للمنظمة الرئيسية في العالم، وقام بذلك في بغداد ونيويورك على السواءِ وكان ذلك حسب أي معايير، حتى أقساها وأكثرها حزما، كافيا تماما لتفسير سبب ترك القوات العراقية الكويت خلافا لرأي قيادتهاِ
استقالة شيفرنادزه
التقيت في 20 ديسمبر بالسفير الأميركي في موسكو ميتلوك وسألني إن كان بالإمكان إقناع شيفرنادزه بإعادة النظر في قرارهِ أجبته قائلا: 'كما أعرفه، كلاِ لن يريد أن ينظروا إليه كشخص قادر على اللعب البهلواني'ِ
يكتب ميتلوك في مذكراته بأن 'شيفرنادزه توصل الى نجاح باهر في تأمين مهام إعادة بناء السياسة الخارجية في وقت كان فيه ميخائيل غورباتشوف يتراجع على الجبهة الداخلية'ِ
أثار إعلان شيفرنادزه الاستقالة رد فعل غير متجانس لدى نواب الشعب السوفيت: منهم من كان يفرك يديه مسرورا، ولكن أكثرية النواب أدركوا بأن مغادرة الوزير يجب ألا تترك انطباعا بأن موسكو تغير من نهجها أو لا تعرف ماذا تفعلِ وعلى هذا الأساس اتخذ المؤتمر في 29 ديسمبر قراره الخاص بالمصادقة على 'النهج السياسي والخطوات العملية للقيادة السوفيتية والحكومة بصدد الأزمة في الخليج والإجراءات الخاصة بتأمين عودة المواطنين السوفيت من العراق الى الوطن'ِ وجاء في القرار أن 'المؤتمر يثبت تأييده للقرارات المناسبة لمجلس الأمن المتخذة بعد اعتداء العراق على الكويت، وأشار بالأخص الى التمسك بالبحث عن حل سلمي للأزمة بشكل يتطابق مع هذه القراراتِِِ ويتوجه المؤتمر الى قيادة العراق وشعبه بالنداء الملح الى إبداء الشعور بالمسؤولية العالية تجاه مصير الوطن والسلام العالمي وتنفيذ مطالب المجتمع الدولي المؤسسة على قواعد الحياة المتمدنة والشرعيةِ ويجب أن ترحل القوات العراقية من الكويت ويعاد استقلال البلد وسيادته'ِ
تاليا، حير قرار أعلى هيئة لحكم الدولة في الاتحاد السوفيتي العالم جدا باستقالة شيفرنادزهِ وسروا بها في بغداد فقط وبعض الدول الأخرى فقطِ
سلمت في 30 ديسمبر رسميا نص قرار المؤتمر الى السفير العراقي لأجل إحالته الى بغداد، وأشرت الى أن اتخاذ القرار من أعلى هيئة للحكم في البلاد يظهر الخطورة التي يعيرها الاتحاد السوفيتي لمشكلة تسوية أزمة الخليجِ وقلت انه ليست ثمة في الشؤون الدولية مشكلة أكثر حدة بالنسبة لناِ ويعبر القرار عن أفكار وشعور المواطنين السوفيت حيال الوضع المتشكل ويعد تفويضا لأعمالنا المطردة في هذا الاتجاهِ وفي الختام أعربت عن الأمل في أن 'توقف النوايا الحسنة' الممنوح للعراق وفقا للقرار 678 سيوظف حسب اقتراحات مجلس الأمن وأن السنة الجديدة ستكون سنة سلام لا حربِ