الجمعة، 10 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (25)

في 18 يناير أدليت باسم وزارة الخارجية بتصريح رسمي في المؤتمر الصحفي المنعقد خصيصا لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية: " في ليلة 18 يناير أنزل العراق ضربات صاروخية على ضواحي تل أبيب وحيفا وبعض المواقع الإسرائيلية المأهولة بالسكانِ ومن الواضح أن هدف هذا الفعل ينحصر في تحويل مشكلة الكويت الى مواجهة إقليمية شاملة وإشعال الحريق في كل الشرق الأوسطِ وكان الاتحاد السوفيتي يعارض أكثر من مرة بثبات وبلا مواربة مثل هذا التطور من الأحداث بما في ذلك خلال اتصالاتنا مع القيادة العراقيةِ ونحن على يقين بأنه لا يمكن حل المشكلة بإحداث مشكلة أخرى، الأمر الذي يشكل خطرا قبل كل شيء على شعوب المنطقة ويحول النزاع الواحد الى نزاع آخر أوسع نطاقا وأكثر تعقيداِ
أننا ندعو في هذه اللحظات الحرجة من جديد القيادة العراقية الى إبداء الشعور بالمسؤولية والواقعية والإدراك بأن تصرفاتها ابتداء من التدخل في الكويت ستؤدي الى ضحايا ودمار للشعب العراقي ومصائب جديدة لكل الإقليمِ يدرك ذلك زعماء الدول العربية الذين يتحملون مسؤولية سلامة شعوبهمِ نأمل في أن العرب لن ينجروا للانفعالات ولن يسمحوا لجرهم الى خطط إشعال ثورة جديدة لمواجهة عسكرية مع إسرائيلِ
وفي حسابات الاتحاد السوفيتي نعتقد أن حكومة إسرائيل ستبدي تحفظها الضروري ولن تختار الطريق الذي سيؤدي الى تفاقم الوضع في الشرق الأوسطِ أن الاتحاد السوفيتي يؤيد من جديد تسوية الأزمة الكويتية على أساس قرارات مجلس الأمن المعروفة وحل كافة حالات النزاع الأخرى في الشرق الأوسطِ وينبغي أن تجد شعوب المنطقة في نهاية الأمر السلام والحياة الهادئة "ِ
ضرورة التحكم بالمشاعر
وأخبرت الصحافيين بأن القيادة السوفيتية وميخائيل غورباتشوف شخصيا منشغلين بنشاط بأزمة الشرق الأوسطِ فقد وجه الرئيس السوفيتي رسائل عديدة الى رؤساء دول وحكومات البلدان العربية أشار فيها الى خطورة اللحظة وركز اهتمام قادة هذه الدول على ضرورة التحكم بمشاعر العرب المرهفة ومواجهة النوايا لدفعهم الى إشعال الحرب مع إسرائيلِ
وتحدث الرئيس السوفيتي في رسائل بعثها الى رؤساء الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وبعض الدول الأخرى عن المسألة نفسهاِ
وقلت للصحافيين بأننا ندعو قيادة إسرائيل الى إظهار رباطة الجأش والتحفظ لتعرضها لاستفزاز واضح بغية إضفاء طابع آخر على النزاع الناشئ من احتلال العراق للكويتِ ونحن على يقين بأن مصالح إسرائيل وشعبها متعلقان بتكريس السلام في هذه البلادِ
وقعت حكومة شامير حالا تحت ضغط الرأي العام للبلاد وبالأخص من جانب العسكريين الذين طالبوا بالرد بضربة مماثلةِ وكانت إسرائيل تتصرف على هذا النحو على امتداد عقود وعودت جيرانها على حتمية الجزاء من جانبهاِ والآن، وبينما الصواريخ العراقية تنفجر على أراضيها كانت إسرائيل تتمهل بالردِ وكانت تفعل ذلك لأن الضغط الداخلي على الحكومة كان يعادله ضغط خارجي لا يقل قوة من قبل الذين لم يرغبوا بجر إسرائيل الى هذه الحربِ
وكانت للولايات المتحدة أسابب جوهرية مرتبطة أساسا بمخاوفها حول مصير التحالفِ وأدركت واشنطن وإن أمنت نفسها بتأكيدات العرب المشاركين في التحالف بأن موقفهم لن يتغير في حالة انجرار إسرائيل الى الحرب نتيجة تصرفات العراق خلال الحرب، انها مجرد تأكيدات حكومات فحسبِ ومن الممكن أن يسلك 'الشارع العربي' على غير ذلكِ
تكلم بيكر هذه الأيام مرارا مع شامير ووزير الدفاع أرينس ووزير الخارجية ديفيد ليفي ناقلا إليهم تكليفات بوش ومحاولا إقناعهم بأن الطائرات الاميركية ستستمر ليلا ونهارا في البحث عن المنظومات الصاروخية العراقية لتدميرها وستقضي عليها في أسرع وقتِ وأثرت المنظومات المضادة للصواريخ الاميركية 'باتريوت ' التي وصلت الى إسرائيل تأثيرا سيكولوجيا معينا أيضا على عقليات الساسة والجنرالات الإسرائيليينِ
وفي النتيجة تسنى لشامير التغلب على ضغطهمِ ويرى بيكر أن هزيمة العراق الحربية من قبل قوات التحالف سيكون أفضل جائزة لإسرائيل مقابل رباطة جأشها ولعب ذلك دورا رئيسيا في صبرهاِ يذكر أنه أطلق على إسرائيل 40 صاروخا عراقيا راح ضحيتها 100 شخص تقريباِ
وإن تكلمنا عن الأوساط الرسمية، كان رد الفعل على قصف العراق لإسرائيل متحفظا ومراقبا وفي الأغلب فيه شعور خفي بالرضاِ غير أن اسهم صدام حسين ارتفعت جدا لدى الكثير من العرب العاديين عند كل صاروخ جديد يطلق على إسرائيلِ وكان اللاجئون الفلسطينيون مسرورون بالأخصِ وكان الأسوأ أن بعض الزعماء الفلسطينيين يشاركونهم هذا السرور، الأمر الذي سيؤدي سلبا فيما بعد في غضون استئناف دفع عملية التسوية الخاملة في الشرق الأوسط الى الأمامِ
عواقب سلبية
لهذا السبب بالذات تناولت هذا الموضوع لدى استقبالي في موسكو في 24 يناير عضوي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أبو مازن وياسر عبد ربهِ وقلت لهما بأنه لو انجرت إسرائيل الى الحرب وانصاعت لاستفزازات العراق ستكون لذلك عواقب سلبية قصوىِ هناك مثل هذا الخطر لذلك سنستمر في بذل الجهود الدبلوماسية بهدف منع جر إسرائيل الى النزاعِ
ولم يتسن لي في تلك المرة التوصل الى تفاهم متبادل مع المتحدثين فقد أجاباني بأن منظمة التحرير الفلسطينية لا تؤيد احتلال الكويت، غير أن الفلسطينيين في صف واحد مع العراق في مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيلِ
خططت عملية 'عاصفة الصحراء' من مرحلتين: الأولى، جوية والثانية بريةِ إذا اتضح أن المرحلة الأولى غير كافية على إجبار بغداد سحب قواتها من الكويتِ وكان للمرحلة الجوية أطوارها الخاصةِ عمد الطور الأول الى تعطيل منظومات الاتصال والتحكم في القوات العراقية وشل منظومات الدفاع الجوي لكي يتم تأمين حركة طائرات الحلفاء بحرية في فضاء العراق والكويتِ وكان من الواجب أن تصبح مواقع العراق العسكرية الأخرى أهداف للضربات: هيئات الأركان، الوحدات العسكرية، التحصينات، المستودعات وكذلك وسائل المواصلات بما فيها الجسور والطرقِ ثم يحين دور مختلف منشآت تأمين خدمات الحياة: المحطات الكهربائية، منشآت تصفية المياه، مختلف المنشآت الصناعية والدور الحكوميةِ وضع برنامج واسع لم يهدف الى تدمير بنية العراق العسكرية فحسب، بل تقويض احتياطي البلد الاقتصادي أيضاِ
أنزلت الضربات على هذه الأهداف بواسطة الصواريخ المجنحة وقاذفات القنابل والطائرات المحمولة بحراِ وكان الاميركان يتحملون العبء الرئيسي في الحرب الجويةِ وشاركتهم بريطانيا وفرنسا ودول أخرىِ واستعملت على نطاق واسع أحدث وسائل الحرب ولم يلبث ذلك إلا أن يظهر في النتائجِ تم تعطيل الوسائل العراقية الرئيسية للدفاع الجوي ووسائل الاتصالات في ساعات الحرب الأولىِ ومن ثم سار كل شيء على ما يرامِ وكانت طائرات الحلفاء تتصرف على هواها وبلا خسائر تقريباِ
واتخذ ميخائيل غورباتشوف محاولة لإيقاف الحرب في اليوم الثاني وهو يراقب كيف تنتشر 'عاصفة الصحراء' على نطاق واسع وبشكل مدمرِ وكلف في 18 يناير سفيرنا في بغداد بالاتصال بصدام حسين وتوجيه السؤال التالي له: لو يحدث توقف في العملية الحربية المستمرة فهل تستطيع أن تصرح بأنك ستنسحب من الكويت؟ وإذا كان الجواب 'نعم' فأن الإمكانية موجودة لطرح مسألة إيقاف الحرب أمام الولايات المتحدة والمشاركين الآخرين في العمليةِ
وبدون أن ينتظر الجواب، تحدث ميخائيل غورباتشوف مع بوش وأخبره بتوجهه الجديد الى بغدادِ وتقدم إليه بمجموعة حجج محاولا الإثبات أن أهداف العملية الاستراتيجية قد تم التوصل إليها ولهذا السبب يمكن وضع النقاط على الحروفِ وقال غورباتشوف ان هزيمة العراق السياسية بينة والخسائر الهائلة التي لحقت بمقدرة العراق العسكرية والصناعية من الصعب تداركها وأن المعتدي قد عوقب وهو الآن ضعيف ومنهك لسنوات عديدة مقبلةِ ونصح غورباتشوف في هذه المناسبة قائلا: أن الوقت قد حان للتفكير في جدوى مواصلة العملية العسكرية الآنِ
من البديهي أن لا أحد في الكرملين لم يتصور أن الاميركان خططوا لشن الحرب الجوية ليس في أيام، بل لأسابيع وبدون توقفِ ولم تترك الحجج التي أوردها غورباتشوف في تلك المكالمة أي تأثير ما على بوشِ
كان الرئيس الاميركي يجري المكالمات الهاتفية بتأدب ويظهر لطفه بوضوح خلال الاستغراب أو التهكم الخفيف بصدد بعض آراء غورباتشوفِ ويمكن إيجاز حديث جورج بوش الهاتفي في الآتي: لا توجد أسس للظن بأن صدام حسين سيوافق على مقترحات ميخائيل غورباتشوفِ ومن الخطأ الاعتقاد بأن قدرة العراق العسكرية التي كانت تمكنه التصرف من موقع القوة في الإقليم غير موجودة الآنِ بقي جزئها الأكبر سالما مما يسمح بتهديد الجيران في المستقبل القريب أيضاِ بالتالي لا يجوز الموافقة على حلول وسط وتقديم الآمال له في أن كلمته أو وعده سيرضي التحالف، لا سيما وأن هذا ليس وقته الآن عندما يقوم بقصف إسرائيل وإلا سيعتبر نفسه منتصرا وسيقول: أنزلت الضربة بإسرائيل وانتهت الحرب فوراِ لذا لا ينبغي أن نحيد عن الطريق المختار ريثما يبات واضحا على الإطلاق أن المهمة قد نفذت وينسحب صدام من الكويت بلا تنازلِ
باختصار، جوبه غورباتشوف برفض جميع النقاطِ ومع ذلك لم تعتبر المكالمة الهاتفية عديمة الجدوى بالمرةِ فأهم شيء فيها أن غورباتشوف تلقى تأكيدات مهمة جدا من الرئيس الاميركي خاصة بمستقبل العراق كدولةِ حيث قال بوش بأنه لا يريد أن يكون في مكان العراق فراغ وإلا سيصبح هذا البلد ضعيفا وعاجزا لتلك الدرجة التي يكون فيها عامل مضر للاستقرار والى هدف سهل لعدوان الجيرانِ
وفي 21 يناير لقينا الرد الحاد والسلبي من بغداد على مبادرة ميخائيل غورباتشوف المؤرخة في 18 يناير بصدد وقف العمليات الحربيةِ ومهما كان هذا الأمر مؤلما، حصل أن بوش يتكهن بالأحداث أفضل من الرئيس السوفيتيِ ففي حقيقة الأمر، كانت القيادة العراقية نفسها تحاصر المبادرات السلمية ومن غير المعلوم بماذا كانت تأمل عندما قاموا عن عمد في 22 يناير بتفجير خزانات النفط في الكويت وإشعال النار فيها؟ِ وهدد الرئيس العراقي في حديث تلفزيوني في 28 يناير باستخدام السلاح الكيميائي والجرثومي ضد السعودية حيث ترابط قوات التحالف وضد إسرائيلِ
وكان ازدياد عدد المشاركين في قوات التحالف وزيادة المساعدات المالية وطرد الدبلوماسيين العراقيين من بعض المطالب وتقوية المطالب بأن يحرم العراق في المستقبل من حيازة الأسلحة الخطرة عوامل ضغط جانبي رافقت العمليات العسكريةِ
جماعة الأزمة
تأسست في ذلك الوقت في الاتحاد السوفيتي لجنة الرئيس تهتم بمسائل الخليج (كنا نطلق عليها بيننا 'جماعة الأزمة')ِ دخل في قوامها وزراء الخارجية والدفاع والداخلية ورئيس لجنة أمن الدولة 'كي جي بي' ومساعدا الرئيس تشيرنيايف وإغناتينكو وعضو مجلس الرئيس بريماكوف وأناِ وكان الرئيس نفسه يرأس الجلسة كقاعدة عامةِ وسهل ذلك من الأمر جدا لأن كل القرارات الضرورية كانت تتخذ حالا وفي المكانِ
كنا نجتمع في الكرملين ونبحث في بداية الجلسة موضوع الحرب ومن ثم النواحي السياسية والدبلوماسية المتعلقة بهاِ
كانت اللجنة تجتمع مرة واحدة في الأسبوع وأحيانا أكثر من ذلكِ
اتصالاتي مع الفلسطينيين واليمنيين
ضمن جبهة واسعة من الاتصالات مع الدول الأجنبية وجهنا اهتماما خاصا الى الفلسطينيين واليمنيين آخذين في الاعتبار قرب الفلسطينيين من بغداد والانتقال اللاحق الى تسوية الشرق الأوسط وإلى اليمن لصلاته الوثيقة مع بغداد ولأنه عضو في مجلس الأمنِ استقبلت في 17 يناير الدكتور زهدي الطرزي الذي كان يترأس خلال 15 سنة بعثة منظمة التحرير الفلسطينية لدى هيئة الأمم المتحدة ومستشار ياسر عرفات الشخصي الآنِ حاولت إقناعه في الحديث غير الرسمي بحتمية هزيمة العراق إذا استمرت بغداد في المثابرة على عدم ترك الكويتِ وكان زهدي للأسف، يعبر على ما يبدو عن موقف منظمة التحرير الفلسطينية ويرى التنازلات الإقليمية على حساب الكويت صيغة الإنقاذ الوحيدةِ
وفي 24 يناير جرت مشاوراتي السياسية مع عضوي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أبو مازن وياسر عبد ربهِ وركزت مناقشاتنا من حيث الأساس على الشؤون العربية - الإسرائيلية واحتلت أزمة الكويت موقعا هاما أيضاِ تكلمت عن خيبة الأمل العميقة والأسف في أن جهودنا لمنع الحرب كما هو الحال جهود الكثيرين من بلدان أخرى، لم تتكلل بالنجاحِ وكان من الممكن منعها تماما لولا عناد القيادة العراقية التي استخفت بمصالح شعبها والعرب عامةِ
وقلت إن إمكانية إنهاء العمليات الحربية ما زالت موجودةِ ويحتاج الأمر الى تصريح بالاستعداد للانسحاب من الكويت فحسبِ وسيعطي هذا الأساس السياسي والمعنوي الجيد لكي نصر أمام المشاركين في التحالف على إيقاف العمليات العسكريةِ
وأخبرت الفلسطينيين بالتفصيل بالخطوات التي اتخذها الاتحاد السوفيتي بهدف منع الحرب وإنهائهاِ وتحدثت عن رد فعل بغداد عليهاِ وأعرت اهتمام المتحدثين الى إحدى النواحي التي تقلقناِ وقلت أن بغداد تدعو جميع العرب والمسلمين الى إنزال ضربات بمصالح دول التحالف في جميع أنحاء العالمِ ونأمل من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إظهار موقف بعيد النظر ومتزن في هذه المسألةِ
وأكد الممثلان الفلسطينيان من جانبهما على أن بغداد تعلم، كما زعم، أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تؤيد منذ البداية احتلال الكويتِ غير أن الفلسطينيين في صف واحد مع العراق في مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيلِ نؤيد انسحاب العراق من الكويت، حسب أقوال أبو مازن، ونعارض تدمير العراق من أجل حمله على الانسحابِ ووصف تصرفات قوات التحالف بالعدوان على العراقِ وألقى أبو مازن مسؤولية النزاع على عاتق بغداد وواشنطن على السواءِ
قلت لهما أن موقف الولايات المتحدة وبريطانيا لا يقبل حلا وسطا وتعتبران أن أي توقف للعمليات العسكرية سيكون لصالح صدام حسينِ عدا ذلك رفض الرئيس الفرنسي أية إمكانية لتقديم مبادرة ما خاصة بالكويت في الوقت الحاضرِ لذا سيصطدم أي اقتراح بإنهاء العمليات العسكرية بدون تصريح صدام حسين بالانسحاب من الكويت بفيتو ثلاثي في مجلس الأمنِ
افتتحت 'عاصفة الصحراء' فصلا جديدا في الأزمة الكويتيةِ وكان الأمر بحاجة الى اتصالات جديدة مع الاميركان في ضوء تطور الحالةِ وبدا لنا أن الطور الحربي الجديد طالب بتوضيح أكبر من الاميركان في موضوع التسوية العربية - الإسرائيلية كما قيل لنا في هلسنكيِ
سافر الوزير الكسندر بيسميرتنيخ الى واشنطن بهدف معرفة جميع المسائل الخاصة بالطور الحربيِ ونجح في تنفيذ مهمتهِ يتحدث جيمس بيكر في مذكراته بأنه لم يكن مستعدا في محادثاته مع بيسميرتنيخ في أمر واحد: الاتفاق على إصدار بيانهما المشتركِ وكان البيت الأبيض يعارض إصدار هذا البيان زاعما أنه يصدر بلا تنسيق مع إدارة الرئيسِ ولكن كما يقال في روسيا الكلمة ليست بالعصفور، فقد نشر البيان على نطاق واسع في أميركا وأوروبا والعالم العربي وكان يستخدم بنشاط في اتصالاتنا السياسية والدبلوماسيةِ
علمنا أن رئيس وزراء اليمن العطاس زار بغداد قبل أسبوع حاملا اقتراحات الرئيس صالح الى صدام حسين بخصوص تسوية الأزمة سلميا وانحصر أهم شيء في أن يعلن العراق استعداده الانسحاب من الكويتِ لم يلق هذا المقترح استجابة إيجابيةِ وها هي ثلاثة أسابيع تمر من هذه الحادثة حتى وجدت نفسي أتحدث مع مبعوث اليمن الداليِ عرضت عليه موقفنا وأن الأحداث تتطور في منطقة الخليج حسب أسوأ سيناريو وعن اعتقادنا بأن الرئيس العراقي ارتكب خطأ كبيرا جدا وربما حتى مأساويِ فمن الواضح أن موقف القيادة العراقية يؤدي الآن الى خسائر متنوعة وخطيرة بالنسبة للشعب العراقي ويؤثر سلبا على إمكانياته المحتملة وكل الأمة العربيةِ وأن الحرب تتخذ طابعا أكثر عنفا ونرى في الوقت الحاضر على الأقل عدم السماح بتصاعد العمليات الحربية لا بالخط الرأسي ولا القطري وعدم توسيع نطاق الحرب جغرافيا وجر دول أخرى الى النزاع حيث سيكون إنهاؤها أصعب بكثيرِ لذا نؤيد حياد إيران وتركيا وأردنا عدم جر إسرائيل الى الحربِ ومن المهم كذلك ان السوريين الذين أرسلوا وحداتهم العسكرية الى السعودية لا يقومون عند حدودهم مع إسرائيل بأية عملية عسكريةِ
ضربات ضد إسرائيل
في اليوم التالي بعد بداية الحرب نفذ صدام حسين ما كان يهدد به منذ عدة شهور: ضرب إسرائيل بالصواريخِ أطلقت في هذا اليوم على تل أبيب وحيفا 7 صواريخ وفي اليوم التالي 4 صواريخ أخرىِ وكان هذا استفزازا خطرا جدا قادر في حالة نجاحه على اقتراف مصائب جمةِ
ووقع الجهد الأساسي لمنع تفاقم الأحداث على عاتق الاميركان بطبيعة الحالِ
يعتبرون كالعادة، أن التحالف الاميركي - الإسرائيلي ثابت ك 'الصخرة' وآلية صارمة حيث يمكن ضبط كل شيء فيها بدقة كالساعات السويسريةِ ولكن الأمر في الواقع لم يكن على هذا النحوِ فلم تكن العلاقات بين حكومة شامير وإدارة بوش في هذا الوقت عديمة من الغيومِ وكانوا يعتبرون حتى في إسرائيل أن جورج بوش وجيمس بيكر يميلان بموجب عدد من الظروف الى وجهة النظر العربية أكثر من ميلهما الى وجهة النظر الإسرائيلية وأنهما يقدران العلاقات مع العرب كأكثر أهمية وفائدة بالنسبة لهماِ
لهذا لم يتمكن ممثلا بوش النائب الأول لوزير الخارجية إغلبر غر ونائب وزير الدفاع وولفيتز المبعوثان الى إسرائيل سلفا من حل مهمتهما الرئيسية المطروحة أمامهما: الحصول من شامير على تأكيد واضح على أن إسرائيل ستحجم عن توجيه الرد في حالة هجوم صاروخي عراقيِ
بالتالي، اقتربت إسرائيل ودول التحالف من نقطة حرجة في تلك اللحظة التي بدأ العراق قصف الأراضي الإسرائيلية بصواريخ 'سكود 'ِ
كنا في موسكو ننطلق من حتمية إبقاء إسرائيل خارج النزاع مهما حدثِ وكنا نسترشد: أولا، أن مصالح الاتحاد السوفيتي كبلد واقع بالقرب من بؤرة النزاع تتلخص في تضييق نطاقه الجغرافي الى الحد الأقصىِ وكان دخول إسرائيل له عواقب وخيمة حيث سيجر دول أخرى لاحقا للنزاعِ ثانيا، أنزلت أخطر ضربة على آفاق التسوية العربية - الإسرائيلية التي أردنا العمل بها فورا بعد تحرير الكويتِ ثالثا، تعرض العراق التي لم يكونوا يشكون في هزيمته الى تدمير أكبرِ رابعا، حسب العدد وليس الأهمية، لا يمكن أن تقف موسكو بلامبالاة إزاء مصير مهاجرينا في إسرائيل وانفعالات أقربائهم في الاتحاد السوفيتيِ ولهذه الأسباب كان رد فعلنا فورياِ