الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

لماذا لا يستغل العرب 'الورقة الروسية' كما يفعل الإيرانيون؟

كما صيغ البيان الختامي للقمة العربية المقبلة، يعكف خبراء وزارة الخارجية الروسية منذ أيام على صياغة بيان يشرحون فيه الموقف الروسي من نتائج القمةِ ونكاد، حسب الخبرة ومعرفة مزاج الخبراء والوضع العام هنا، تحديد حتى الكلمات التي ستكتب في البيان.
ويبدو أن العدوى انتقلت الينا، وسنسلط الضوء على الموقف الروسي غير المعلن من نتائج القمة العربية التي لم تعقد بعد مسجلين بذلك سبقا صحفيا غير مسبوق والفضل يعود فقط الى الكليشات الجاهزة في أرشيف الدبلوماسيةِ
سيفتتح البيان الروسي بعبارة: 'روسيا تقيم عاليا مواقف زعماء الدول العربية والقرارات التي اتخذتها القمة العربية الأخيرة التي عقدت في القاهرة'ِ وسيسارع المسؤولون الروس المعنيون الى وصف نتائج القمة بأنها 'هادئة ومتزنة' وتقديرهم للزعماء العرب بسبب 'سعيهم لدفع عملية السلام الى الأمام'.
وستعتقد موسكو بأنه 'لا يوجد بديل لعملية السلام في الشرق الأوسط 'ِ وستتمنى أن 'تلتزم جميع الأطراف بالاتفاقيات الموقعة' و 'وتوظف جهودها في اتجاه مواصلة المحادثات على كافة المسارات'.
وسيتابع البيان القول بالإشارة الى أن 'روسيا بصفتها أحد راعيي السلام في الشرق الأوسط ستستمر في مساعدة مفاوضات السلام ولذلك جاءت مبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإرسال وزير الخارجية ايغور ايفانوف مبعوثا شخصيا له في المنطقة في اللحظات الأولى من التوتر الذي شهدته'ِ وأن 'روسيا تعتزم المضي قدما في مساعدة العرب والإسرائيليين على تحقيق المصالحة التاريخية وسوف تعمل على دفع عملية السلام وفقا لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد وتطبيقا لقرارات الأمم المتحدة' وفي هذا الخصوص 'تعلق روسيا آمالا على تعاون الزعماء العرب مع الحكومة الإسرائيلية'.
وسيجيء في البيان انه 'من حق زعماء الدول العربية الالتقاء من وقت لآخر' وسيشيد ب'المواقف المتريثة التي أبدتها الدول المجاورة لإسرائيل'ِ
وسيبعث الرئيس فلاديمير بوتين برسالة الى الرئيس المصري حسني مبارك بصفته رئيسا للقمة العربية سيؤكد فيها على 'ضرورة دفع عملية السلام بكل الوسائل' و 'عدم اللجوء الى العنف' لأن هذا الطريق 'سيضع العملية السلمية في مأزق'ِ وستنوه الرسالة بأن روسيا 'تجد لها مصلحة في تحقيق المصالحة التاريخية في الشرق الأوسط التي تضمن إقامة السلام العادل والشامل في المنطقة وتكفل الاستقرار والازدهار'ِ وسيؤكد الرئيس الروسي في رسالته الى الرئيس مبارك على 'اعتزام روسيا بصفتها أحد راعيي السلام ببذل جهودها للمساعدة على تحقيق هذه الأهداف'.
وستصف موسكو قمة القاهرة بأنها 'محطة هامة على طريق الأمل'ِ ولا يفوت محرر الرسالة التأكيد على 'سعي روسيا لتطوير علاقات الصداقة مع البلدان العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية'.
ولكي لا يغضب الإسرائيليون سيوجه الرئيس الروسي رسالة أخرى الى رئيس الحكومة الإسرائيلية سيناشده فيها على 'استئناف عملية السلام في أسرع وقت على كل المسارات على أساس المبادئ المتفق عليها في مدريد مما ينصب في إطار إقامة السلام الشامل في المنطقة'.
وهكذا فإن النشاط الروسي المرتبط بالقمة سينحصر في إصدار بيان يؤيد قراراتها ورسالة الى رئيسها من المرجح أن يكونوا قد انتهوا من طباعتها! ولا تريد روسيا الدخول في حالة الاضطراب العصبي الذي تشهده الدبلوماسية في المنطقةِ ومثال على ذلك يمكن الإشارة الى أنه في ذروة تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة ومصر تسرعان في التحضير للقاء شرم الشيخ ولكل هدفه وغايته من ذلك ، ومع تصاعد الإشاعات المختلفة عن مشاركة روسيا وحضور الرئيس الروسي أم عدمه، كان فلاديمير بوتين يقضي أيامه مسترخيا في منتجع القادة السوفيت في سوتشي وحرص في هذا الوقت بالذات وبتعمد واضح على استقبال بعض رؤساء الجمهوريات السوفيتية السابقةِ وكأنه أراد أن يبعث برسالة بلا مظروف الى واشنطن والدول العربية في آن واحد مفادها أن روسيا مهتمة الآن ومشغولة في ترتيب البيت السوفيتي المتفكك، وأن مباحثاته بشأن إيصال الغاز الى أوكرانيا وتعثر كييف من دفع الفواتير والوضع في قرغيزيا وأوزبكستان والحالة في الجنوب السوفيتي ، أهم لديه بكثير من توجيه الدعوة إليه أم عدمهاِ
ان موسكو لن تنسى 'إهانة' شرم الشيخ، ليس لأنهم لم يوجهوا الدعوة الى راعي عملية السلام ومنحوا هذه الفرصة الى الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي خافيير سولانا والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان (الذي رشحته الخارجية الأميركية لهذا المنصب)، واللذان انحصر دورهما كمحرري محضر الجلسات ورؤساء، بل لأن الطريقة والغموض الذي وجهت فيه هذه الإهانةِ هل يعقل أن تردد وسائل الإعلام نبأ حضور " الراعي الثاني " ويردد الوزير ايغور ايفانوف أكثر من مرة وفي يوم واحد بأنه 'لم يستلم حتى الآن الدعوة' وهذه 'حتى الآن' تعني أنه كان يأمل في أن توجه الدعوةِ وما أن عقدت القمة وتم افتتاحها حتى هدأ عمال البريد والبرق والهاتف في الخارجية وظهر ايفانوف للصحافيين مجددا ليصرح بعزة نفس مشوبة بغبن واضح بأن روسيا 'لا تهتم بالشكليات بل بالنتائج'ِ وسرعان ما عبر فلاديمير بوتين عن ارتياحه لنتائج لقاء شرم الشيخِ
ويبدو أن القادة الروس أدركوا بأن استبعادهم بهذا الشكل المهين وغير المبرر أتاح لهم فرصة مراقبة الأوضاع من بعيد ، وثمة من يرى أن ذلك 'حرر' روسيا من أية التزامات فرضها حضورها الى شرم الشيخ، الأمر الذي يجعل مواقفها المستقبلية مقيدة وتطبيقا لقاعدة 'كيدهم في نحرهم' ستبقى موسكو مراقبة فحسب، كما أرادوا لها أن تكون كذلك (بالرغم من أنهم لم يعطوها حتى فرصة المشاركة كمراقب)!
ويدرك القادة الروس أن توالي القمم لا يحل المشكلة في الشرق الأوسطِ ويعرف الاستراتيجيون في الكرملين والخارجية الروسية أن عدم دعوة روسيا صب في مصلحتها على المدى البعيد، لأن كل الأطراف، بمن فيهم الأميركان، سيهرعون الى موسكو عاجلا أم آجلا وسيتذكرونها عندما يتعلق الأمر بسوريا والمقاومة اللبنانية والعراق وإيران والهند والصين وأفغانستان وبالمناسبة فان كل ما يحدث في هذه الدول له علاقة بما يسمونه 'المجال الشرق أوسطي'ِ
وسيدرك القادة العرب المجتمعون يوم السبت في القاهرة، بالذوق أو بالعافية، بأن الولايات المتحدة لا تستطيع وحدها التحكم في مسيرة السلامِ ولا بد أن يحين الوقت الذي يستغل فيه الزعماء العرب بقمة وبدونها الأوراق الرابحة ونفث روح جديدة لما يطلقون عليه عملية السلامِ
إذا كان القادة الإسرائيليون يكررون بقلق ميل السياسة الروسية نحو العرب ولسنا بحاجة لترديد ما قاله بنيامين نتانياهو في موسكو قبل سنوات انه 'ليست روسيا بحاجة الى الشرق الأوسط، بل أن الشرق الأوسط بحاجة الى روسيا' ومع ذلك لم تسمع روسيا دعوات مدوية يطلقها حتى من يضيف المسؤولين الروس للمشاركة والمساعدة ويسمعون فقط تأكيدات على مشاعر الصداقة والرضا العميق في بيروت ودمشق وعمان والقاهرةِ
بعد خروجه من وزارة الخارجية السورية لم يذكر ايفانوف سوريا أو السوريين مرة واحدة بدون أن يسبق ذلك بكلمة الصديقة أو الأصدقاءِ هذه الكلمات لا يمكن أن يسمعها الإسرائيليون منهِ ومع ذلك فان هذه 'العاطفة' لا يمكن أن تبنى عليها الدبلوماسية فثمة مصالح لا تتطابق أحيانا ولا تلتقي على كل الخطوط.
لقد أهمل الزعماء العرب، والمشكلة الأكبر أنهم أصروا على هذا الإهمال بعدم توظيف روسيا كأداة للضغط على إسرائيل وكانت كل حججهم ضعيفةِ يكفي التذكير بطريقة إدارة إيران لسياستها مع روسيا وكيف حولت طهران العامل الروسي كأهم أوراق الضغط على الولايات المتحدة وأحيانا على إسرائيل.
كانوا يأتون الى موسكو وأحاديثهم كلها مسجلة في أرشيفنا ويشتكون من أن المفاوضات وصلت الى طريق مسدود بسبب تعنت حكومة نتانياهوِ ويطلبون من روسيا 'فرض قواعد لعبة جديدة' لعملية السلام، وما ان تتحرك موسكو وتدعو لقمة على أراضيها ، حتى يشاهدوا في العين المجردة وليس بأقمار التجسس يتنزهون في المنتجعات الأميركية مع 'شركاء السلام'.
ثمة تفاصيل كثيرة جدا لا تكتمل اللوحة المعقدة إلا بذكرها ، لكن ليس كل ما يسمع ويحدث يمكن قوله ! على مستوى العمل التكتيكي (الحلول المنفردة المرحلية)، والعمل الاستراتيجي (الأهداف النهائية)، والذي يمكن لروسيا تحقيقه لمصلحة العرب المنشغلين بإظهار التضامن بعضهم البعض الآخر والقمة التي ستبرز 'تطابق المواقف بشكل كامل'.
روسيا فضلت، بعد إهانة شرم الشيخ، رؤية التقهقر العربي ولن تقوم بعد ذلك بعمل ما نيابة عن العرب حتى لا تحرق أطراف أصابعهاِ كم مرة هددت الولايات المتحدة حكومة بوريس يلتسين المحابية للغرب بقطع المساعدات وعقوبات واستغلال نفوذها في صندوق النقد والبنك الدوليين لمجرد ظهور إشاعات عن وصول قطع سلاح يحمي أرض سوريا ولبنان من الدبابات الإسرائيلية؟ كانت تفرض على روسيا عقوبات لمجرد تفكيرها ببيع أسلحة دفاعية في وقت كانت الأسلحة الهجومية والمحرمة تضرب الأطفال العرب حتى هذه اللحظات التي لم نستبعد أن البيان الختامي لزعماء القمة الطارئين كان سيتضمن دعوة روسيا ليس لشرم الشيخ أو غيره بل لسحب قواتها من الشيشان فورا!.