الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

قمة ارجاء الازمات

سينظر الرئيسان الروسي والاميركي فلاديمير بوتين وبيل كلينتون الى بعضهما البعض في موسكو عشر ساعات متواصلة ولكن سيحتفظ كل منهما بوجهة 'نظره'ِ والشجار الهادئ الذي سبق القمة كان بسبب تطلع الجانب الاميركي لتعديل معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ سيؤدي الى مزيد من الغموض والتشكك في نوايا بعضهم البعض.
ولان الرئيس الروسي جديد والاميركي سيحال على المعاش قريبا فان لا مقايضات منتظرة في هذه القمة ولا يمكن طرح تصور بسيط بان الجانب الاميركي سيطرح مسألة ترك روسيا تعالج الازمة الشيشانية بطريقتها مقابل موافقة موسكو على تعديل معاهدة الصواريخ، ولن تكون هناك مقايضة قروض وعروض للمساعدة لان الخزينة الروسية عامرة بعطايا ارتفاع اسعار النفط، ولان سياسة بوتين تنحصر في الكف عن استدانة المال، لا سيما وان رئيس الحكومة الروسية ميخائيل كاسيانوف يتفق مع وجهة النظر هذه ويرى ان المال المستدان يستفيد منه نخبة من رجال البنوك وليس الاقتصاد الانتاجي.
والرئيس الاميركي لم يحضر الى موسكو لتقديم التنازلات ايضا، لكنه من المؤكد يحمل معه مشروع معاهدة 'ستارت -3' وقد يصلون الى اتفاق غير مكتوب بهذا الشأن ريثما تتم معرفة الرئيس الاميركي الجديد.
وبالرغم من وصول كلينتون الى موسكو بعد طول غياب، حيث زارها لآخر مرة عام 1997، الا ان حال العلاقات ليس افضل منه عندما الغى يفغيني بريماكوف زيارته الى الولايات المتحدة وهو في الطائرة واستدعاء موسكو لسفيرها في واشنطن بعد بداية عملية 'ثعلب الصحراء' فالبلدان على مشارف ازمات كثيرة وخطيرة قد تؤثر على كل ما انجزاه بعد انتهاء الحرب الباردة.
واعتبر بعض المراقبين في موسكو ان فشل القمة يعد نجاحا لروسيا! بمعنى عدم التوصل الى اتفاق حول قضايا واسس الاستقرار الاستراتيجي كما تريد واشنطن.
وقد يصح وصف قمة موسكو بانها قمة ارجاء الازمات خاصة فيما يتعلق بالقيود المفروضة على التسلح في المناطق الجانبية طبقا لمعاهدة تخفيض الاسلحة التقليدية في اوروبا والمسائل المتعلقة بمعاهدة الدفاع المضاد للصواريخ وتدمير الاسلحة البيولوجية والكيميائية والاهم من كل هذا وذاك موضوع توسيع حلف الاطلسي نحو الشرقِ وبخصوص التعاون والتسليح النووي بين روسيا وايران فيمكن اعتباره مجمدا منذ لقاء ابريل 1996 بين يلتسين وكلينتون، وتشير كل الدلائل بان الرئيس الاميركي لن يتمكن من اقناع بوتين او تليين موقفه في مسألة معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ او الحرب في الشيشان او الوضع في البلقان او توسيع الناتو وحتى بخصوص الازمة العراقيةِِ وقد يلتقيان فقط عندما يتسامران حول قضية ما يعرف ب'الارهاب الدولي' التي لا يختلفان عليها دائما، خاصة اذا كان الامر ينتهي عند اسامة بن لادن.
'الناتو' و'الاوروبي'
وثمة انطباع بان ادارة كلينتون في حيرة، بمعنى انها لا تعرف كيف تحقق الهدف المرجو دون ان ينشب خلاف مع موسكو، فقد اعلن كلينتون قبل وصوله الى موسكو بساعات بانه لا يستبعد ضم روسيا الى الناتو وعبره الى الاتحاد الاوروبيِ وكانت واشنطن قد اشارت على لسان وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت الى وجود آلية خاصة للتشاور بين الحلف وروسيا تبعد فيه القلق عن موسكو بعد توسيع نطاق الحلفِِ ثم جرى الحديث عن اقامة تحالف استراتيجيِ ولكن ما زال غير واضح ما هو المقصود بهذا التحالف وما هي التزامات المتحالفين والى اي مدى يمكن اقامة التحالف الاستراتيجي بين حلف الاطلسي وروسيا مع العلم ان الغرب لا يريد ان تنضم روسيا الى هيئات الحفِ وحتى كلينتون، شأنه شأن حلفائه الاوروبيين، لا يمتلك الاجوبة عن الاسئلة الاستراتيجية ولكنه ركز اهتمامه على المسائل التكتيكية ضاغطا على موسكو كي تدخل برنامج التعاون العميق مع الاطلسي في اطار 'الشراكة من اجل السلام' وهو البرنامج الذي تم الاتفاق عليه منذ سنتين تقريبا، لكن ادخال برنامج تعاون روسيا مع الحلف بشكل انفرادي الى حيز التطبيق لا يغير من جوهر الامور، فالواضح انه لا يمكن للحلف ان يبعد القلق عن موسكو بواسطة هذا البرنامج على الرغم من الاشارة الى وضع روسيا المتميز ودورها كدولة نووية كبرىِ والشيء المفيد الوحيد بالنسبة الى ادارة كلينتون ان ذلك يتيح لها ان تقتنع بانها تراقب العلاقات مع موسكو وتدعها رويدا رويدا الى الاقرار بحتمية توسيع الاطلسيِ ولكن الحكومة الاميركية قد تكون كمن يعلل نفسه بالاوهامِ ذلك ان وزارة الدفاع وهيئة الاركان الروسيتين تنظران الى هذا البرنامج بتشاؤم وهما مطالبتان بتحقيقه، واكثر من ذلك فان موسكو لمحت الى انها ستعيد النظر في موقفها من البرنامج في حال توسيع الاطلسي.
ولكن موسكو لا تمتلك ايضا رؤية واقعية ايجابية لعلاقاتها مع الحلف ولا يمكن ان يطمئن الفريق الروسي تمام الاطمئنان على اساس ان الكرة اصبحت في ملعب الفريق الغربي، خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الولايات المتحدة دخلت بالفعل المعركة عندما يطغى الانفعال السياسي على ما عداه، وقد تترتب على كل ذلك عواقب وخيمة في ضوء ما وصفه خبير اميركي مطلع بان موسكو وواشنطن تتباريان في القيام باعمال دبلوماسية فاشلة.
ومشكلة روسيا في مفهومها للشراكةِ ففي تصورها ان الشراكة تعني انضماما فوريا الى اسرة الدول الصناعية المتقدمة ومشاركة في كل مؤسسات الغرب الاقتصادية والسياسية على قدم المساواة، ولا يمكن ان يلوم احد روسيا لعدم مصداقيتها او قياسها للامور بمقياسين ومعيارين.
ولان الولايات المتحدة نظرت الى روسيا على انها بلد مهزوم، فانها لم تكن على استعداد للتعامل مع روسيا الا بصفتها الشريك الاصغرِ وفي الحقيقة ان الولايات المتحدة لم تستطع ادراك عمق التغييرات الحاصلة في روسيا ولم تع انها ليست سوى جزء من التغييرات التي تشمل العالم كله، ولعل هذا هو السبب الذي منع الولايات المتحدة من فتح صفحة جديدة تماما مع روسيا.