الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

مذكرات بريماكوف - الفصل الخاص بالعراق

ما هو الثمن الذي دفع لصدام ليفرج عن الرهائن الأجانب ؟
عندما قال بريماكوف أن مهمته التحدث مع 'الحمائم' في القيادة العراقية انبرى رمضان قائلا : إذن سنتركك لوحدك مع قائدنا الحبيب
صدام كان مستعدا للحديث عن الانسحاب من الكويت في رحلة بريماكوف الأخيرة الى بغداد فقط
'الشقلبة' كانت تميز ممارسات بغداد وحذرت طارق عزيز مرارا من عدم قبولنا الخطوات المفاجئة
باتلر لبريماكوف : كل شيء يعتمد على اتفاقكم مع الأمريكان
أبلغت صذام: لحفظ ماء وجهكم أخرجوا من الكويت
ولدت ليلتسين فكرة توجيه رسالة الى صدام في سماء الصين
أولبرايت : يفغيني ، ألا يوجد وراء اتفاقكم مع بغداد شيء ما ؟
بريماكوف لشيراك : نحن سنخرج الأمريكان أنفسهم من الزاوية
كيف صرخ بريماكوف بوجه الصحاف : غدا يجب أن يكون عزيز في موسكو ؟!
الروس صاغوا رسالة يلتسين الى صدام بشكل يضطر فيها لمقابلة بوسوفاليوك شخصيا
وزيرة خارجية إيطاليا السابقة : يجب معاقبة صدام على
كل ما اقترفه عندما عجز الأمريكان من إعاقة رحلة عنان الى بغداد حولوه الى " ساعي بريد "
قال شيراك ليلتسين أنه لا يستطيع إيقاف الأمريكان


يخصص يفغيني بريماكوف في كتابه 'سنوات في السياسة الكبرى' الصادر حديثا في موسكو فصلا لمناقشة " القضية العراقية " مفتتحا هذا الفصل الذي جاء تحت عنوان " العراق : التاريخ لا يتكرر " بقوله أنه وجد نفسه مبكرا في خضم الأزمة العراقية وقبل ذهابه الى ساحة سمالينسكي ، في إشارة الى موقع وزارة الخارجية الروسية في موسكو، التي شغلها، بريماكوف قبل ان يصبح رئيسا لوزراء روسياِ
ويشير بريماكوف الى كتابه السابق المخصص عن المراحل الأولى لهذا الصراع والذي صدر في روسيا تحت مسمى " الحرب التي كان من الممكن تجنبها " بعد تحرير الكويت مباشرة، ويحاول في كتابه الجديد إثبات رأيه السابق في أن هذه الحرب كان من الممكن عدم وقوعها رغم كل المصاعب ، مؤكدا أنه كانت هناك فرصا لحمل العراق على سحب قواته من الكويت بدون أن تشهد المنطقة هذه الحربِ ويقول بأن لديه الكثير من الأسس ليعتقد ذلكِ وذكر بأنه في وقت الأزمة سافر الى بغداد ثلاث مرات قابل فيها صدام حسينِ ويتذكر هذه الفترة كالتالي : " لم تكن رحلاتي خائبة تماما ، فقد تمكنا في المقام الأول من ترحيل 5 آلاف خبير سوفيتي مع عائلاتهم كانوا ممنوعين من العودة الى وطنهم في بداية الأزمة "ِ
واوضح بريماكوف مساهمته في إقناع القيادة العراقية بالسماح لكل الأجانب بالعودة الى بلدانهم ، غير أنه أشار الى نقطة مهمة جدا : " في الحقيقة، لتحقيق هذا الهدف تم دفع ] الثمن [ على شكل بيان صدر عن غورباتشوف وميتران في مؤتمرهما الصحفي المشترك المعقود في باريس والذي جاء فيه انهما يريان ان الحل السياسي هو الوحيد للخروج من المأزق العراقي "ِ واوضح بريماكوف بأنه كان اتصال مستمر مع باريس من بغداد للتنسيق في شأن هذا البيان المشترك وتأثيره اللاحقِ
وعن المرة الثانية التي زار فيها بريماكوف بغداد في أكتوبر 1990 ولقائه مع صدام حسين يقول : " أعطيت انطباعا أخيرا تلخص في أنه للحفاظ على ماء الوجه ينبغي الخروج من الكويت "ِ
وأوضح بأنه كان مندهشا عندما قابله صدام وكان مع بريماكوف السفير السوفيتي في بغداد وقتذاك فيكتور بوسوفاليوك و ماركاريان و كيربيتشينكو ِ وشرح سبب الدهشة كون صدام كان محاطا بكل أعضاء مجلس قيادة الثورة العراقيِ وقال صدام موجها حديثه لبريماكوف ومعلقا على نصيحته أعلاه :
- أريدك أن ترى بنفسك بأنه في القيادة العراقية لا يوجد الصقور فقط ، بل ويوجد الحمائم أيضاِ
وأجاب بريماكوف على هذه الجملة التي افتتح بها صدام الحديث بأن عمله ومهمته ستكون " مع الحمائم فقط "ِ عندها انبرى نائب الرئيس رمضان(طه ياسين ) بالقول :
معنى هذا سنخرج جميعا من هنا ونتركك لوحدك مع قائدنا الحبيبِ
يقول بريماكوف : تبين أن صدام كان مقتنعا بالطريقة التي بدأ بها حوارناِ غير أنه أبدى استعداده للحديث عن إخراج القوات من الكويت فقط في رحلتي الثالثة الى بغدادِ كان صدام يتأخر في كل الأوقات في اتخاذ القرار وفي تلك الأيام كان كذلك أيضاِ
ِِ'ومع ذلك كان يمكن لهذه الحرب ألا تقع' ، يقول بريماكوفِ ويضيف : بدون قصف مميت، وبلا إطلاق نار، وبدون حرائق لآبار النفط الكويتية ، بلا ضحايا في المعركة البرية: العشرات من قوات التحالف، وعشرات الآلاف من العراق'ِ ويخصص بعض الصفحات ليثبت نظريته القديمة هذه وكيف ان اقتراحاته التي حملها من بغداد الى واشنطن لم تعجب العاملين في مكتب وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر وقتهاِ
لكن المؤلف يشير الى أن اناس جدد حلوا في وزارة الخارجية الأميركية في عام 1997 عندما أصبح وزيرا لخارجية روسياِ وحتى ستروب تالبوت الذي كان أحد مؤلفي الكتب التي " هاجمت " بريماكوف، ربطته علاقة طيبة معهِ واعتبر بريماكوف أن الحالة تغيرت تماما في هذا الوقت عنها في وقت أزمة الخليجِ
من ايكيوس إلي باتلر
وتحدث بريماكوف عن اجتماع مجلس الأمن المنعقد في 23 أكتوبر 1997 والذي خصص لمناقشة تقرير اللجنة الخاصة لإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقيةِ وقال بأنه قبل مناقشة هذا التقرير كانت له الكثير من المكالمات الهاتفية مع ممثل روسيا الدائم في في مجلس الأمن سيرغي لافروفِ وأضاف : " كنا ندرك قبل انعقاد هذه الجلسة بأنه توجد خلافات في وجهات النظر بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وحتى غير الدائمينِ وبالرغم من أن الجميع كان مهتما ان تتوصل اللجنة الى نتائج مشجعة وقدرتها على تحمل المسؤولية ، الا أنه تبين أنها لم تكن تعمل بفعالية كافية ، ليس بسبب الحوادث التي أعاق عملها العراقيون ، بل لأن قيادتها انت مبرمجة للتوصل الى نتائج سلبية "ِ
ويواصل بريماكوف : وقبل فترة كان رئيس اللجنة إيكيوس الذي قام بعمل لا بأس به مع العراقيين قد استبدله ممثل استراليا السابق في مجلس الأمن ريتشارد باتلرِ وكانت لديه خبرة جيدة، لذلك صادق الجميع على تعيينه بما فيهم العراقِ ولكن التقييم الإيجابي الذي جوبه به سرعان ما تلاشىِ
وقبل عقد جلسة مجلس الأمن، أراد باتلر مناقشة ملفات أسلحة الدمار الشامل العراقية معنا : النووية والكيميائية والبيولوجية وبرنامج الصواريخِ جاء الى موسكو وكان اللقاء في ساحة سمولينسكيِ وبدأ الحوار بالملف النوويِ وهذا الملف حسب رأي الكثيرين أصبح جاهزا لتحويله الى نظام المراقبة الدائمةِ ولم يدر الحديث عن " غلق " هذا أو ذاك من الملفات كما يعتقد الكثير من ممثلي وسائل الإعلامِ وبعد أن صمت باتلر بدأنا نقاش برنامج الصواريخِ عندها وجهت له السؤال:
- هل لديكم معلومات تثبت أن العراقيين احتفظوا بمنصات إطلاق الصواريخ أو محركاتها ؟
- كلا ، أجاب باتلرِ
- في هذه الحالة ، لماذا تستمرون بعمليات التفتيش وتعارضون نظام المراقبة الدائمة؟، وبدلا من ذلك تخالفون في حل المسائل وهذا سيؤدي الى وقوعكم في مناقشات عقيمة مع الجانب العراقيِ فلنقل إذا كانت منصات الإطلاق موجودة ستطلب اللجنة البراغي وبعدها ستطلب المفاتيح التي تضبط هذه البراغي وهكذا الى ما لانهايةِ
- كل شيء يعتمد على اتفاقكم مع الولايات المتحدةِ
يقول بريماكوف أن جواب باتلر هذا ثبط عزمه وأوقعه في اليأسِ ووصف جوابه التالي بأن كلماته وكأنها كانت معلقة في الهواء :
- لكن هذا الاتفاق ممكن فقط بعد أن تعطونا معلومات موضوعية وليس العكسِ
وهكذا ، والحديث للمؤلف ، في 23 أكتوبر صوت عشر أعضاء من مجلس الأمن مع امتناع خمسة ( روسيا ، فرنسا ، الصين ، مصر وغينيا ) لقبول تقرير اللجنة الخاصة المرقم 1174 الذي أشير فيه الى امتناع السلطات العراقية عن كشف كل مواقع الأسلحة وعدم السماح لأعضاء اللجنة بزيارة بعضها، وأن ترسانة العراق مازالت تمثل تهديدا على الأمنِ رغم " أننا نجحنا مع ممثلي فرنسا والصين ومصر " بتقديم مشروع قرار الى المجلس ترفع فورا بعده العقوبات ضد العراق مع شرط تنفيذ العراق كل الالتزامات الملقاة عليه حسب قرارات مجلس الأمنِ
الامور تتعقد
ويذكر المؤلف بأن الأمور بدأت تتعقد لاحقا وخاصة عندما قرر العراق في 27 أكتوبر تجميد تعاونه مع اللجنة الخاصةِ ويقول : " اعتبرنا منذ البداية ان هذا القرار يؤدي الى طريق مسدود ِ لذلك في اليوم التالي قال المتحدث الرسمي للخارجية الروسية بأن روسيا تقف بحزم مع تطبيق كافة قرارات مجلس الأمن الخاصة بالعراق"ِ
ويعتقد المؤلف بأن تعاون القيادة العراقية مع اللجنة الخاصة هو الطريق الوحيد المتاح لرفع العقوباتِ
غير أن بغداد كما يرى بريماكوف ذهبت قدما نحو توتير الأوضاع بقرارها في 29 اكتوبر منع المفتشين الأميركان أعضاء اللجنة الخاصة من ممارسة نشاطهم في العراقِ وطالبت بوقف تحليق طائرة المراقبة الأميركية " يو - 2 " واستبدالها بطائرة من بلد آخرِ
وردا على ذلك قرر مجلس الأمن بالإجماع ( أكد بريماكوف على مسألة الإجماع ) مطالبة العراق باتخاذ كافة الإجراءات وبدون شروط وتحديد التعاون مع اللجنة الخاصة وإلا فسيتحمل " عواقب وخيمة " إذا لم ينفذ التزاماته فوراِ
في الوقت نفسه استمرت روسيا بالتأثير على القيادة العراقية كما يقول بريماكوفِ في البداية دعا نائب وزير الخارجية ايغور ايفانوف السفير العراقي في موسكو واوضح له الموقف الروسي، ثم غادر بريماكوف من 25 الى 31 أكتوبر إلى الشرق الأوسط 'حيث كنت في زيارة مقررة منذ وقت سابق لتحريك العملية السلمية في الشرق الأوسطِ وبالتأكيد طالما كنت في الكثير من البلدان العربية تحدثت مع قادتها عن الحالة في العراقِ وكما هو معروف كانت سوريا ومصر ضمن قوات التحالف المعادي للعراق في حرب الخليجِ والآن ومن خلال مناقشاتي مع الرئيسين مبارك والأسد ووزراء الخارجية أجمعوا على خطورة توجيه ضربة عسكرية ضد العراق ِ والجميع كانوا يؤكدون على ضرورة تطبيق العراق لكافة قرارات مجلس الأمن وفي الوقت نفسه دعوا اللجنة الخاصة لتنشيط أعمالها وتحسينها"ِ
وبعد عودة بريماكوف التقى مع وزير الخارجية الفرنسية فيدرين في موسكوِ وبعد النقاشات صدر بيان مشترك طالبوا فيه القيادة العراقية بالتراجع عن قراراها وعودة اللجنة الخاصة لتمارس عملها بكامل نصابهاِ
غير أن هذا البيان حمل تحذيرا من اتخاذ أية خطوات خارج إطار مجلس الأمن وبدون موافقة أعضائهِ
واعتبر بريماكوف بأن هذا البيان كان مهماِ ففي 8 نوفمبر صرح الرئيس كلينتون بأنه لا يستبعد اتخاذ " أي إجراء " ضد العراق ردا على خرقه قرارات مجلس الأمنِ ولحق هذا التصريح تأييد ودعم رئيس الوزراء البريطاني بلير للموقف الأمريكيِ
ومن جديد أصدر مجلس الأمن قرارا بالإجماع ( أكد على هذه الكلمة المؤلف مجددا) المرقم 1137 لمناقشة حظر سفر المسؤولين العراقيين والعسكريين الذين ساهموا في عرقلة تنفيذ قرارات مجلس الأمنِ
ويشير بريماكوف إلى أنه أخبر طارق عزيز في رسالة تحريرية بما ينتظر العراق لو استمر في تنفيذ قرار 29 أكتوبرِ
وفي هذاالوقت، اقترحت روسيا على أعضاء مجلس الأمن إيجاد آلية لتفعيل عمل اللجنة الخاصة في العراق، ووافق الأمين العام للأمم المتحدة على هذا المقترح في لقائه مع لافروفِ وكان باتلر في هذه الأثناء قد قرر ترحيل كافة أعضاء اللجنة الخاصة وبقى في العراق 8 فقط لمتابعة نظام المراقبة الدائمةِ
ويذكر بريماكوف بأن الولايات المتحدة كانت تتهيأ لتوجيه ضربة عسكرية ضد العراق وزارت مادلين أولبرايت عدة دول خليجية للحصول على دعم هذه البلدان للموقف الأمريكيِ غير أن أحدا في هذا البلدان لم يقل " نعم " لوزيرة الخارجية الأمريكية ، كما يقول بريماكوف ، الذي اعتبر هذا الموقف غير كاف لإعاقة الولايات المتحدة عن توجيه ضربتها العسكريةِ
في طائرة الرئيس
وفي يوم الأحد التاسع من نوفمبر غادر الرئيس الروسي يلتسين الى بكين بصحبة وفد كبيرِ ويعتبر بريماكوف أن تشكيلة وفد كهذا تراعى فقط عند اللقاءات الهامة جداِ وبالتأكيد فأن النقاشات دارت حول الضع في العراق، كما كتب بريماكوف، مشيرا الى أن يلتسين كان يشعر بقلق كبيرِ
وعن هذه الرحلة يقول المؤلف : " جلست لأول مرة في طائرة الرئيس الخاصة الجديدة في المقصورة الثانيةِ وبعد أن استقرت الطائرة في الجو وأطفأت مصابيح التحذير جاءني أحد العاملين في الرئاسة وهمس في أذني : بوريس نيكولايفيتش ينتظركم ِ حملت معي الوثائق والأوراق المتعلقة بزيارة الصينِ وتحدث الرئيس فورا عن ضرورة تعميق علاقتنا مع هذا البلد العظيم، ومباشرة في الطائرة وبالاشتراك معه أعددنا مسودة وثيقة التعاون والشراكة الاستراتيجية في القرن ال 21 ، التي صادق عليها في وقت لاحق القادة الصينيون "ِ
ويقول بريماكوف بأن يلتسين قال له بعد الانتهاء من صياغة الوثيقة المذكورة بالعمل على إزالة التوتر حول العراق وفي الوقت نفسه دفعه لاحترام قرارات المجتمع الدولي وخاصة مجلس الأمنِ
ويؤكد بريماكوف بأنه في هذا المكان بالذات ولدت ليلتسين فكرة بعث رسالة منه الى صدام حسينِ
ومن بكين اتجه بريماكوف الى اليابان ومنها الى موسكو في 15 نوفمبرِ ويوم السبت تحدث مع يلتسين هاتفيا فأكد الأخير رغبته في بعث رسالة الى صدام حسين وأضاف بأنه سيتحدث مع الرئيس كلينتون هاتفيا يوم غدِ
وفي 16 نوفمبر أصدرت الأوامر للسفير الروسي في بغداد كارتوزوف لإيصال رسالة يلتسين الى صدام من خلال مسؤول عراقي كبيرِ
الرسالة كانت قصيرة جرى الحديث فيها عن " اللحظات الحرجة " و " ماذا يمكن للعراق عمله لتطور الموقف في المستقبل " وجاء فيها بالنص " أرجو أن تصرحوا علنا عن استعدادكم للتعاون مع اللجنة الخاصة وأنكم لا تمانعون من استمرار هذا التعاون فحسب ، بل وتدعون المفتشين مجددا للعودة الى العراق لممارسة أعمالهم بشكل طبيعيِ ويجب أن تضعوا في حساباتكم عودتهم جميعا بكامل نصابهم "ِ وأكدت رسالة يلتسين أنه في حالة استجابة صدام حسين لما جاء في رسالة يلتسين فأن روسيا ستتخذ كل الخطوات التي من شأنها تحسين عمل اللجنة بمساعدة الجانب العراقي وغلق الملف النوويِ وانتهت الرسالة بعبارة : " أرجوكم أن تتعاملوا مع هذه الرسالة بشكل جاد"ِ
أخبر يلتسين الرئيس كلينتون بمضمون رسالته الى صدام وأكد له مجددا اعتراضه على استخدام القوةِ وأجاب كلينتون عبر الهاتف بأن استخدام القوة لا يمثل لديه غاية في حد ذاتها وهو يتمنى النجاح للجهود الدبلوماسية الروسيةِ
مماطلة في بغداد
في هذه الأثناء ، وفي 17 نوفمبر ، عبرت قناة السويس حاملة الطائرات الأمريكية جورج واشنطن ِ وفي هذا اليوم تحدث بريماكوف ، كما يروي ، مع وزير خارجية العراق محمد سعيد الصحاف الذي قال لنظيره الروسي : بعد التشاور في مجلس قيادة الثورة برئاسة صدام حسين بشأن رسالة الرئيس يلتسين اتفق على الجواب عليهاِ وأن هذا " الجواب " سيصل الى موسكو بعد عدة أيامِ
وقال بريماكوف بعصبية : لماذا بعد عدة أيام ؟ من غير المعقول أنكم لا تقدرون مدى خطورة الوضع ؟ فليحمل طارق عزيز هذا الجواب لنا فورا ِ
أجاب الصحاف : طارق عزيز في المغربِ ويحتاج الطيران الى عمان لأن مطار بغداد مغلق ، وبعدها فقط يستطيع الطيران الى موسكوِ
عند هذا المقطع من الحوار يخرج بريماكوف في كتابه عن الحديث ليعلق بألم وسخرية كالتالي : هكذا كان مستوى الجدالِ
ويعود ليقول للصحاف : من غير المعقول أن بغداد لا تستطيع توصيل هذه المعلومات الى طارق عزيز عن طريق الشفرة ؟ ولا أتحدث عن إمكانية بعث الجواب الى السفارة العراقية في موسكوِ
وكما جاء في الكتاب : " قلت للصحاف بحزم : غدا يجب أن يكون عزيز هنا "ِ
وبالفعل ، في 18 نوفمبر كان طارق عزيز في موسكو واستمر حديث بريماكوف معه يومينِ وحسب قول بريماكوف : لم تكن المناقشات سهلة ِ وأضاف بأنه قال لطارق عزيز فورا :
- طارق ، نحن معك نقيم الوضع جيدا لذلك تعال نتحدث بصراحةِ
اشتكى طارق عزيز من عمل اللجنة وبعدها أخبر بريماكوف بأن الموافقة جاءت بعودة المفتشين الى العراق بمن فيهم الأميركانِ
ويعلق بريماكوف على هذه النتيجة أن روسيا ألقت على نفسها التزامات ليس باسم مجلس الأمن وأعضائه الدائمين ، بل على عاتقها لوحدهاِ ووعد طارق عزيز في هذا اللقاء بأن روسيا ستطرح مسألة المراقبة الدائمة على القضايا النووية والصاروخية على مجلس الأمن في جلسته القادمةِ
وفي 19 نوفمبر استقبل يلتسين في منتجعه " غوركي " طارق عزيزِ وأطلعوه على نتائج محادثاتهم والبيان الروسي - العراقي المشتركِ وبارتياح بالغ سمع يلتسين من عزيز بأنه يوم غد 20 نوفمبر في الساعة العاشرة صباحا سيعلن العراق موافقته على عودة المفتشين الى أراضيه في كامل نصابهمِ
بعدها مباشرة اتصل بريماكوف مع أولبرايت و كوك و فيدرين وأخبرهم بالتطور الحاسم في موقف العراق وعبر عن أمله في تطور الوضع بشكل إيجابيِ
ويقول بريماكوف بأن جميع من اتصل بهم شعروا بالارتياح من هذه التطورات وخصوصا الوزير الفرنسي الذي كان بريماكوف يخبره بكل تفاصيل المحاولات الروسية الدبلوماسية أولا بأولِ وبالنسبة لأولبرايت وكوك قال بريماكوف أنهم عبروا عن شكهم في أن صدام سيفي بتعهداته بشكل كامل وأخبروه بأنهم يحتفظون بحق توجيه الرد العسكري في حالة خرق بغداد لتعهداتهاِ وبعدها اتفق الجميع على لعقد اجتماع وزراء خارجية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمنِ
لقاء في الثانية ليلا
يقول بريماكوف بأن الوضع كان صعبا جدا في يوم 19 نوفمبرِ كان ينبغي عليه المغادرة الى البرازيل لمقابلة رئيسهاِ وأولبرايت كانت في دلهي واتصلت به من هناك في هذا اليوم عدة مرات ووعدت باختصار زيارتها الى الهند لكي يجتمعوا في جنيف في ليل 20 نوفمبر وزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وسفير الصين هناكِ وأجبروا كوك وفيدرين في النهاية على عقد اللقاء في الساعة الثانية بعد منتصف ليلة 20 نوفمبر في مطار جنيفِ
وصل بريماكوف الى جنيف قبلهم جميعاِ وتحدث مع فيدرين في البدايةِ وحسب قوله سمع منه " نصائح طيبة " ساعدته على إزالة التوتر في المباحثات التي بانتظاره في الطريق من المطار الى مقر الأمم المتحدة الذي كان قصيراِ
يقول بريماكوف بأن العدد الكبير من الصحافيين هناك من النادر رؤيته وطلبوا عقد مؤتمر صحفيِ وأكد بأنه أخبر " زملاءه" بضرورة إبراز الجهد الدبلوماسي الروسي كنتيجة لجهود الجميع وتطلعات المجتمع الدوليِ
أولبرايت أخذت بريماكوف على انفراد وسألته :
- يفغيني ، ألا يوجد وراء اتفاقكم مع بغداد شيء ماِ
- مادلين ، يمكنك الاعتقاد بثقة كلا ِ أجابها بريماكوف وأضاف : لم أخدعك بشيء وحتى لم أحاول إخفاء شيء من القضيةِ
درسوا بعد هذا الحوار المنفرد مشروع " بيان الخمسة " بالاتفاق على كل جملة فيهِ ولعب كوك دورا إيجابيا للتوصل الى حل وسط في هذا اللقاء حسب تعبير بريماكوف الذي وصف وزير الخارجية البريطاني :" استنادا الى موهبته التي لا يرقى إليها الشك ، في كل مرة سنقترح عليه إدارة مناقشاتنا الصعبة "ِ
أخذ أعضاء الوفد الروسي ينظرون الى ساعاتهم ، لأن بانتظارهم رحلة طويلة لا يمكن تأجيلها لأنه تم تأجيل اللقاء مع القيادة البرازيلية في وقت سابقِ ولكن السفير الصيني كان ينتظر موافقة بكين على البيان المشترك وبدون ذلك لا يمكن أن يضع توقيعه على البيانِ وأولبرايت كانت في اتصال مع مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي بيرغرِ وأخيرا وقع البيان الذي ضمن بريماكوف كتابة نصه الكاملِ
ليست الأخيرة
وهكذا تم طي واحدة من صفحات الأزمة حول العراق ، وعلى حد تعبير المؤلف ، للأسف تبين أن هذه الصفحة لم تكن الأخيرة ِ
وفي 21 نوفمبر عقدت جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة مسألة تفعيل نشاط اللجنة الخاصةِ وكان الوفد الروسي يأمل في التحول من التفتيش الى نظام المراقبة الدائمة وزيادة عدد الدول التي يدخل ممثلوها في اللجنة الخاصة وإمكانية استخدام طائرات إضافية وغيرهاِ وفي اليوم التالي بدأ نشاط اللجنة في العراق وحلقت طائرة المراقبة " يو - 2 "ِ
قرر العراق السماح الى ممثلين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدخول الى القصور الرئاسية وباقي " المواقع الحساسة " ، كمحاولة للبرهنة على عدم وجود مواد ووثائق محظورة هناكِ غير أنه اشترط خلو " الضيوف " من خبراء اللجنة الخاصةِ وبرز التوتر من جديد ، وبانت ملامح ضربة عسكرية ضد العراقِ
في غضون ذلك بعث يلتسين برسائل الى كلينتون ، وبلير ، وكول ، وزيمين وشيراك بخصوص العراق أكد فيها على ضرورة تأدية اللجنة الخاصة واجباتها ولكن مع الأخذ بنظر الاعتبار القلق العراقي المرتبط بأمنه وسيادتهِ
ومن جديد - يقول بريماكوف - ينبغي البحث عن حل سياسي ودبلوماسيِ
وفي منتصف ديسمبر غادر وفد اللجنة بغداد برئاسة باتلر مؤكدا على أن مشكلة القصور الرئاسية لم تحلِ وحسب تقرير باتلر طالب رئيس مجلس الأمن الدولي العراق السماح لمفتشي اللجنة الخاصة الدخول في كل المجمعات التي تراها ضرورية، وحذر من مغبة خرق العراق لقرارات مجلس الأمنِ وبعد انتهاء أعياد الميلاد أوقف العراق عمل لجنة التفتيش معللا ذلك " 'بعدم التوازن في قوامها'ِ
وصل باتلر الى بغداد وتوجهت الى مياه الخليج حاملة الطائرات البريطانية " إينفينسيبل " وزادت في المنطقة الاستعدادات لتوجيه الضربةِ وطارق عزيز ذكر رقم 8 وأماكن القصور الرئاسية ِ
وفي 24 نوفمبر صادق كلينتون على خطة العملية العسكرية ضد العراق التي أطلق عليها " رعد الصحراء "ِ وفي هذه الأثناء بدأ باتلر صب الزيت على النار ، حسب تعبير بريماكوف ، بتصريحه لجريدة " نيويورك تايمز " الذي انتشر في كل العالم بسرعة ومفاده أن العراق يمتلك أسلحة جرثومية كافية لتدمير تل أبيب ولديه وسائل إيصالهاِ
في هذه الأثناء وصل الى بغداد المبعوث الرسمي الخاص للرئيس الروسي نائب وزير الخارجية فيكتور بوسوفاليوك لمحاولة فك العقدة التي ظهرت في الأزمة الجديدة والتوصل الى حل وسط مع القيادة العراقيةِ ويقول بريماكوف : بالرغم من المهارة التي يتمتع بها بوسوفاليوك ، الا أن هذه المهمة بدت صعبة التنفيذِ لأن الموضوع كان حساسا جدا بالنسبة للعراقيين وهددهم بفقدان ماء وجههم على أعلى مستوىِ ورفضوا أكثر من مرة السماح للمفتشين بدخول هذه القصورِ ومن جانبها كانت الولايات المتحدة هذه المرة مستعدة تماما لتوجيه ضربة ضد العراقِ
في 28 يناير وصل بريماكوف الى باريس لإجراء مباحثات مع فيدرين وبعدها استقبله جاك شيراك الذي صرح بعد هذا اللقاء بأن فرنسا مستعدة لتوحيد جهودها مع روسيا للتوصل الى حل سياسي للأزمة بدون اللجوء الى استخدام القوةِ
قال بريماكوف لشيراك : السيد الرئيس - نحن سنخرج الأمريكان أنفسهم من الزاوية ِ لأنهم إذا وجهوا ضربة للعراق سيتغير الوضع الدولي برمتهِ البلدان العربية ستقف ضدهمِ المملكة العربية السعودية من غير المرجح ان تسمح للطائرات الأميركية استغلال مجالها الجوي، لذلك ليس من الصدفة وصول وزير الدفاع الأميركي كوهين الى هناكِ وتحضر أولبرايت للقيام بجولة في المنطقة أيضاِ غير أني لا أعتقد بأن هذه التحركات ستؤدي الى تغيير حاد لموقف العربِ وأعرف بأن القاهرة تنظر بشكل سلبي للعمليات الحربية ، قبل فترة تحدثت مع وزير الخارجية المصري موسى وقال لي بصراحة حول ذلكِ وفي حالة توجيه ضربة للعراق ستكون الجهود الأمريكية لإحلال السلام في الشرق الأوسط موضع شكِ قبل فترة وصل الى موسكو أحد القادة الفلسطينيين أبو مازن وهو واحد من " الحمائم " لكنه قال في حالة توجيه ضربة أمريكية للعراق ستصعب مهمة الوساطة الأمريكية لتطبيع الوضع في الشرق الأوسط وهكذا تشعر سوريا ولبنانِ وفي بلدنا تنمو المشاعر المعادية لأمريكا وهذا ليس من صالحناِ بالأمس التقينا مع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربي في بروكسل وعرفنا أن قرار توجيه الضربة لا يلقى القبول عندهم ِ روبين كوك متردد بعض الشيء أيضاِ الجميع طبعا أدان حسين ( صدام ) ولكن لا أحد منهم أيد استخدام القوةِ
وقال شيراك : بغداد تبحث عن فوائد لها في هذه الضربة وتريد استثمارها لصالحهاِ
قال بريماكوف : حسب معلومات بوسوفاليوك من بغداد، العراقيون متأهبون لتغير الحالة ومن المحتمل ولو هذه المسألة واضحة ، أنهم يريدون استغلال هذه الأحداث لقطع علاقاتهم مع اللجنة الخاصة وكذلك التوقف عن تنفيذ قرارات مجلس الأمنِ
وفي النهاية اقترح شيراك اتفاق كل أعضاء مجلس الأمن الدولي لإيجاد صيغة يحافظون فيها على نشاط اللجنة لكي يمنع العراق من تصنيع أسلحة دمار شامل وعدم السماح له بالإفلات من المرقبة ِ ولكي تتم المحافظة على هذه الرقابة ، والحديث لشيراك ، لا ينبغي إعطاء الفرصة لصدام حسين لحظر نشاط اللجنة الخاصةِ وحسين غير مهيأ لاقتراب الأمر من نهايته ، وهو يسمع أن العقوبات ستبقى طالما بقى في السلطةِ
ووافق شيراك على اقتراح بريماكوف بأن القصور الرئاسية الثماني يمكن تفتيشها من قبل خبراء اللجنة الخاصة بمشاركة ممثلين من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمنِ وقال بريماكوف بأنه ينتظر نتائج لقاء بوسوفاليوك مع صدام حسين حيث يحمل الأول رسالة من بوريس يلتسينِ عندها سأل شيراك :
- وهل تعتقد أن بوسوفاليوك سينجح في اللقاء مع حسين ؟
- نعم ، اعتقد ذلكِ وأقول أكثر من ذلك ، الرسالة وضعت بشكل يجعل بوسوفاليوك يقابله شخصياِ مهم جدا الاتصال المباشر مع حسينِ
وبعد الاجتماع مع فيدرين قالت أولبرايت لبريماكوف في 30 يناير بعد لقائهما في مدريد :
- أوافق أن الحل السياسي للأزمة العراقية لم يتلاشى بعدِ
وفي 2 فبراير استقبل صدام حسين فيكتور بوسوفاليوكِ وخلال لقاءات المسؤول الروسي اليومية مع القادة العراقيين اتفقوا على حث كوفي عنان لممارسة جهوده لتطبيع الوضعِ وفي غضون ذلك ، حسب الكتاب ،كان الأمريكان والإنجليز يسعون الى تمرير قرار قاسي ضد العراق في مجلس الأمن يتضمن كلمات مثل " material bridge " الأمر الذي لم يثبت " المخالفة الجوهرية " لقرار مجلس الأمن فحسب ، بل يقرب استخدام القوة ضد العراقِ ويمكن مثل هذا القرار من إشعال " الضوء الأخضر" لإنزال ضربة على العراقِ ويضيف المؤلف : " كنا نصرح في مجلس الأمن وفي رسائلنا وخلال اتصالات عديدة مع أولبرايت وكوك عن عدم قبولنا مثل هذا القرار "ِ
ويورد بريماكوف مقتطفا من رسالته المؤرخة في 6 فبراير الى مادلين أولبرايت :
" أوافق على ضرورة عدم التوقف عما تم التوصل إليهِ ونواصل العمل مع العراق لكي نجعل موقفه أكثر قبولاِ وأنا مستعد للقيام بهذا العمل مع الاتصال الوثيق معكِ
ومع ذلك ، أكون صريحا جدا معك ، فنحن لا نستطيع تأييد القرار الذي يحمل صيغة 'المخالفة الجوهرية' ِ ويبدو لي أن فكرة اتخاذ قرار مهما كان تكون غير مثمرة في المرحلة التي تستمر فيها الجهود الدبلوماسيةِ أما التهديد باستخدام القوة فأن حسين يعرفه بدون قرارِ
سنواصل العمل بنشاط مع القيادة العراقية ، وسيمكث بوسوفاليوك في بغداد من أجل ذلك "ِ
ساعي بريد
ويواصل بريماكوف حديثه : وكانت محاولة إعاقة رحلة كوفي عنان ظرفا معقدا ثانيا، وعندما لم ينجحوا في الحيلولة دون قيامه بهذه الرحلة أرادوا تحويله الى "
ساعي بريد " فريد من نوعه انحصرت مهمته في النقل " التكنيكي " لشروط الإنذار النهائي بالخضوع الى قرارات الأمم المتحدة كلهاِ
ويتوقف بريماكوف عند البيان المشترك لبوريس يلتسين ورئيس الوزراء الإيطالي ر ِ برودي والذي دعم الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة التي يقوم بها كوفي عنان والذي أعلن خلال زيارة الرئيس الروسي لإيطاليا في 10 فبراير قائلا : اقتربت مني وزيرة الخارجية الإيطالية السابقة سيوزين أنييلي بعد أن أطلعت على البيان وقالت :
- لو كنت وزيرة الخارجية لما وافقت عليه أبداِ
- لماذا يا سيوزين ، سألها بريماكوفِ
- لأنه يعارض توجيه الضربة للعراقِ يجب معاقبة صدام حسين على كل ما اقترفهِ
ويعلق بريماكوف : لحسن الحظ كان لايطاليا في ذلك الوقت وزيرا للخارجيةِ وبالرغم من اعتراضات بعض المسؤولين في الخارجية الإيطالية ، أمر رئيس الوزراء الإيطالي اعتماد النص المتفق عليه بصعوبة بشكل نهائيِ واعتبر هذا تقدما ودفعا جادا ساعد كثيرا على تحقيق رحلة كوفي عنانِ
غير أن المقاومة الأميركية كانت مستمرة على حد تعبير بريماكوف الذي شرح الموقف : قالت لي أولبرايت في 12 فبراير في مكالمة هاتفية :
- أعتقد من السابق لأوانه أن يسافر عنان الى بغدادِ وطالما لم يبد العراق استعداده للتعاون فستكون رحلته غير مثمرةِ ينبغي تأجيل زيارته الى الوقت الذي نتأكد فيه بأن قرارا حقيقيا قد تم اتخاذه في الواقعِ
- عندي الثقة الكاملة بأن القرار سيتخذ إذا سافر الأمين العام الى بغداد مع خطته التي ستناقش وتعدل لصالح جميع الأطرافِ يجب التوصل الى توضيح كافة النقاط التي تحوم الشكوك حولها وأوافقك على ذلكِ التقى اليوم بوسوفاليوك مع عزيز مجددا وقال له باسم قيادتنا بأن رحلة عنان يجب أن تكلل بالنجاحِ وأننا لا نرى مخرجا آخر للحالة الراهنةِ أجاب بريماكوفِ
ويستمر المؤلف بسرد هذه الأحداث : لن أتكلم عن التقلبات اللاحقة ِِ ولكنني سأتحدث عن العناصر الرئيسية للعمل المنجزِ كان فيكتور بوسوفاليوك قد نسق مع طارق عزيز بشكل عام حدود إجراء أعمال التفتيش لثمانية قصور رئاسيةِ ولم يقض المشروع بإبعاد أعضاء اللجنة الخاصة أو باتلرِ وكان يتضمن كافة العناصر الضرورية للتفتيشِ لقد تنازل العراقيون في أمور جدية ِ وكنا نقنعهم بأنه إذا وصل الأمر الى استخدام القوة فستشطب في هذا الظرف تلك الإيجابيات التي تم التوصل إليها خلال كل المحادثات السابقةِ
وازداد نشط كوفي عنان أيضا ، حسب تقدير بريماكوف ، وبعد لقائه في مجلس الأمن مع " الخمسة الكبار " أكد باتلر أن " مسودة الأفكار " التي طرحت احتمال تفتيش القصور الرئاسية التي اقترحها الأمين العام تكفل فعالية عمل اللجنة الخاصة بلا أضرار بمهمتها وسمعتهاِ
واستلم صدام حسين في 19 فبراير رسالة جديدة من بوريس يلتسين طالبته ببذل قصارى الجهد لإنجاح مهمة الأمين العام للأمم المتحدة الذي أجرى في طريقه الى بغداد مباحثات مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في باريسِ
وفي 22 فبراير تم لقاء كوفي عنان وصدام حسين في بغدادِ وكان الأمين العام يلتقي على الدوام مع فيكتور بوسوفاليوك الذي كان يتصل بدوره مع طارق عزيز وغيره من ممثلي القيادة العراقيةِ
ووقع كوفي عنان وطارق عزيز مذكرة التفاهم التي أكد فيها العراق التزامه بالتعاون مع اللجنة الخاصة ووافق على إجراء عمليات التفتيش اللازمةِ وكان السماح بالدخول الى ثمانية مواقع رئاسية ، برأي المؤلف ، يكفل ل " المجموعة الخاصة " المشكلة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة وباستشارة رئيس اللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة الدوية للطاقة الذرية زيادة فعالية عمل فرق التفتيشِ وأشير في المذكرة الى ضرورة تفعيل عمل اللجنة الخاصة والتأكيد على التزاماتها باحترام سيادة العراق وحرمة أراضيه وأمنه الوطنيِ
ونقل صدام حسين شكره العميق الى الرئيس الروسي على اهتمامه وموقفه الثابت في حل الأزمة بطرق دبلوماسية ،ونقل شكرا مماثلا الى كوفي عنانِوكما كتب بريماكوف : اتصل بي عنان في شقتي ليلا من بغداد وقال كلمتين باللغة الروسية : شكرا روسيا ِ
النقاط على الحروف
هل من الممكن وضع النقاط على الحروف عند هذا الحد ؟ يطرح بريماكوف السؤال في كتابه ويجيب بنفسه : كلا للأسفِ
ففي 5 أغسطس قيدت بغداد مجددا نشاط اللجنة الخاصةِ ويعتبر وزير الخارجية الروسية السابق في كتابه بأنه مهما كانت حججها فأن هذا قرار العراق المنفرد زاد من توتر الوضع من جديد وعمل على تصادم النهجين : الأول الموجه الى إرغام بغداد بواسطة الجهود المشتركة ( الإرغام بالذات ) على تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي بطرق غير عسكريةِ والثاني القاضي بالإعداد واستخدام القوة ضد بغدادِ
ويعتقد بريماكوف : لا ريب في أن يظهر اهتمام مشترك بتنفيذ العراق قرارات مجلس الأمن القاضية بنزع أسلحة الدمار الشامل ، غير أن بلوغ هذا الهدف يمكن أن يتم بطرق مختلفةِ وتؤيد روسيا أن يتحقق ذلك بصورة متوالية وأسلوب الخطوة خطوةِ وينبغي استنفاد الأسئلة الموجهة للجانب العراقي في كل ملف وبعد تلقي إجابات مرضية على هذه الأسئلة يمكن الانتقال من مرحلة التفتيش الى نظام المراقبة الدائمةِ فإذا " نضجت " مثلا ، الملفات النووية والصاروخية يمكن سحبها من نظام التفتيش وتركيز الاهتمام على أنواع أسلحة الدمار الشامل الأخرى مثل الكيميائية والبيولوجيةِ
ويعتبر بريماكوف ، أن مثل هذا التكتيك يساعد في حدوث تقدم يفتح آفاق رفع العقوبات عن تصدير النفط العراقي وسيدفع ذلك بغداد الى التعاون البناءِ
وتنحصر وجهة النظر الأخرى ، في التوصل الى نظام المراقبة الدائمة عندما تغلق الملفات الأربع مجتمعة بعد نضوج الظروف للمراقبة الدائمة عليهاِ وهذا التكتيك ، برأي بريماكوف ، يهدد بعواقب وخيمة لأن العراق لا يحصل على حوافز ، زد على ذلك ، ان الأحداث أظهرت أن ذلك يستفز بغداد لاتخاذ قرارات مفاجئة وغير متروية كرفض التعاون مع اللجنة الخاصة وحتى مع ممثلي وكالة الطاقة الذرية ما لم تنفذ مطالب الإنذار العراقي النهائيِ
وكان بعض شركائنا ، والحديث لبريماكوف ، يظنون أن المراهنة على الحلول الدبلوماسية المتزنة سيزيد من تعنت العراق وتشددهِ ولكنهم في بغداد يدركون جيدا أنه في هذه الحالة سيتوحد ضدهم كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمنِ وإذا كانت بغداد ستقدم على إحراج الحالة، فهي كانت ستخسر في نهاية المطافِ وكانوا في بغداد يتوصلون الى هذا الاستنتاج حتماِ
أزمة جديدة
وظهرت الأزمة الدورية حول العراق والتي لم تكن أقل خطرا من سابقتيها ، حسب تقدير المؤلف ، في نهاية أكتوبر 1998ِ واستحسن مجلس الأمن اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة بإجراء مراجعة شاملة لما نفذه العراق من قرارات مجلس الأمنِ وكانت مقاييس هذه المراجعة منسقة مع الطرف العراقيِويقول بريماكوف عن هذه الأيام : " كنت رئيسا للحكومة وأصبح ايغور ايفانوف وزيرا للخارجيةِ لكني واصلت متابعة التطورات باهتمام وكنا نناقش مع ايفانوف أكثر من مرة تطور الوضع حول العراقِ وكلانا اعتبر أن هذه المراجعة المشروطة بضرورة إلغاء العراق تقييد العراق لنشاطات اللجنة الخاصة لا تسمح بتنفيذ العراق لالتزاماته فحسب ، بل بتحديد مراحل رفع العقوباتِوعلقت أهمية خاصة على رسالة رئيس مجلس الأمن الموجهة الى الأمين العام للأمم المتحدة والتي أشير فيها الى أن تنفيذ العراق لالتزاماته بموجب القرارات سيسمح لمجلس الأمن " تنفيذ نيته للعمل وفق النصوص المناسبة للقرار المرقم 687 "ِ
ويكتب بريماكوف : غير أن القيادة العراقية بدلا من إلغاء قرارها المؤرخ في 5 أغسطس ، أعلنت في 31 أكتوبر عن انتهاء نشاطات اللجنة الخاصة بشكل كامل في الأراضي العراقيةِ وعلل العراقيون ذلك بأن مجلس الأمن رفض ، كما زعموا تحت ضغط الأمريكان والإنجليز رفع العقوباتِ وبالرغم من اتصالاتنا اليومية من خلال سفارتنا في بغداد وممثلنا في الأمم المتحدة واتصالاتنا اليومية الأخرى مع القيادة العراقية فلم يبلغونا عن نواياهم في اتخاذ هذا القرارِ ومثل هذه " الشقلبة "كانت تميز ممارسات بغداد بصورة عامة ِ وكنت أحذر طارق عزيز مرارا من عدم قبولنا لمثل هذه الخطوات المفاجئةِ لا سيما إذا كانت القيادة العراقية تحسب أن روسيا ستبذل جهودها كالعادة لتخفيف الحالة المتوترة بشكل دوريِ
ورد مجلس الأمن بتصريحات صحفية على الحالة الناشئة بالإجماع بما في ذلك روسيا والصين وفرنسا على استنكاره لخطوات العراق ووصفها بأنه خرق لقرارات مجلس الأمنِ
وفي 31 أكتوبر أطلعنا القيادة العراقية بواسطة سفيرنا في بغداد على قلقنا العميق، ودعوناهم الى وزن كافة العواقب الخطيرة الناتجة عن قراراهمِ ومع ذلك بدأ العمل الدقيق والمكثف والمتعب بهدف احتواء الحالة وإبقائها ضمن الأطر الدبلوماسية والسياسيةِ وأجرت وزارة الخارجية الروسية الاتصالات مع أعضاء مجلس الأمن الرئيسيين بما فيهم الولايات المتحدة وفرنسا والصين وبريطانيا وكذلك البلدان العربية وجامعة الدول العربية والبرازيل وجنوب أفريقيا التي كانت تترأس حركة عدم الانحياز وغيرهاِ
واتخذ في 5 نوفمبر قرار مجلس الأمن المرقم 1205 بالإجماع، استنكر قرار العراق ووصفه كخرق فاضح لقرارات مجلس الأمنِ وطالب مجلس الأمن العراق بإلغاء القرارين المؤرخين في 5 أغسطس و 31 أكتوبر فورا وبدون قيد وشرط وأكد في الوقت نفسه استعداده للقيام بالمراجعة الشاملة لما نفذه العراق من التزاماتِ
وصرحت الولايات المتحدة بأن كل الطرق بما فيها استخدام القوة تبقى مفتوحةِ وبدأت التهيئة العملية لتوجيه ضربة على العراقِ وحسب معطياتنا حدد موعد الضربة في 14 نوفمبرِ
ونقلت الى صدام حسين في 13 نوفمبر رسالة شخصية من بوريس يلتسين كانت بمثابة نداء ودعوة لإعادة التعاون مع اللجنة الخاصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية فورا وبشكل كاملِ وفي اليوم نفسه نقل العراقيون الى الجانب الروسي وكذلك الى فرنسا والصن " النقاط التسعة " كما وصفوها والمتضمنة شروطهم ومقاييسهم للمراجعة الشاملةِ
وأبلغنا بغداد بأنه لا يجوز رفع " شريحة الشروط "ِ وأبدى الممثل الروسي في الأمم المتحدة سيرغي لافروف في آن واحد نشاطا كبيرا واصل فيه الليل بالنهار مع نظرائه وشاركه وزير الخارجية الروسي بالطبعِ وفي 13 نوفمبر بعث كوفي عنان برسالة الى صدام حسين دعاه الى استئناف التعاون مع اللجنة الخاصة الأمر الذي يساعد في إنهاء المراجعة الشاملة التي بتحقيقها يمكن أن يرى العراقيون " الضوء في نهاية النفق "ِ
وكان ايغور ايفانوف في كوالالامبور حيث التقى مع مادلين أولبرايتِ وكان علي أن أطير الى هناك للمشاركة في جلسة رؤساء الدول والحكومات لمنظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ والتي انضمت إليها روسيا بعد مصاعب طويلة وجهود دبلوماسية شاقةِ وقبل لقاء ايفانوف وأولبرايت تكلمت معه بالتليفون وقلت له في حالة تنفيذ الولايات المتحدة ضربتها العسكرية فلن أسافر الى كوالالامبور حيث خطط لإجراء محادثات طويلة مع الرئيس كلينتون في 17 نوفمبرِ ولكنها تحققت فيما بعد مع نائب الرئيس البيرت غور بعد أن ألغى كلينتون رحلته بسبب الأحداث المرتبطة بالعراقِ
بعد لقائه مع أولبرايت، أخبرني ايفانوف بأن لديه انطباعا مفاده أن الضربة الأميركية لن تكون في الأيام القلية المقبلةِ ومهما كان الأمر يرى أن أولبرايت لا تنتسب الى دعاة الحل العسكريِ ومن المحتمل أنها تدرك أفضل من الآخرين عواقب العملية كلها: كانت بلدان الاتحاد الأوربي تعارض الحل العسكري وحتى لندن كانت مترددةِ وبلغ من وقت قريب في واشنطن بفضل الجهود الدبلوماسية الأمريكية في المقام الأول الاتفاق الإسرائيلي - الفلسطيني الهام والذي دفع عملية التسوية الى الأمامِ وكان كل العالم العربي يعارض قطعيا استخدام القوة العسكريةِ
وظهرت أخيرا ، بوادر التعقل من جانب بغدادِ ففي 14 نوفمبر بعث طارق عزيز بعد جلسة القيادة العراقية برسالة الى كوفي عنان أطلعه فيها على قرار العراق بـ "استئناف التعاون الطبيعي مع اللجنة الخاصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية والسماح لهما بالعمل بشكل اعتيادي وفقا لقرارات مجلس الأمن "ِ وعلى أساس مذكرة التفاهم المبرمة مع الأمين العام للأمم المتحدة في 23 فبراير 1998ِ وأشير في الرسالة إلى أن هذا القرار اتخذ بعد الأخذ بنظر الاعتبار " رسائل بوريس يلتسين ويفغيني بريماكوف"ِ ومع ذلك أكدت رسالة طارق عزيز على ضرورة أخذ الأسس التي أطلع الجانب العراقي عليها روسيا وفرنسا والصين في 13 نوفمبر عند إجراء المراجعة الشاملةِ
وقدر القرار العراقي إيجابيا من أكثرية أعضاء مجلس الأمنِ غير أن الأمريكان صرحوا بعدم قبوله لأنه " مصحوب ببعض الشروط "ِ
وكانت الحالة تتفاقم بشكل واضحِ واتصل بي فيكتور بوسوفاليوك في الثالثة بعد منتصف الليلِ تلا هذا الاتصال محادثات هاتفية مع بغداد ونيويورك وكولالامبور حيث يوجد ايفانوفِ وأعطيت بوسوفاليوك أمرا حازما بالتوجه الى القيادة العراقية وإفهامهم بأن لدعمنا حدوداِ وطلبت من بوسوفاليوك إرسال توجيهات الى سيرغي لافروف لكي يأخذ في الاعتبار أية إشارة إيجابية من بغدادِ ولم ننم طوال هذا الليلِ
وفي 15 نوفمبر قام العراق بشكل رسمي بتوضيح موقفه وبعث ممثل العراق في الأمم المتحدة برسالة الى رئيس مجلس الأمن جاء فيها أن الأمنيات العراقية بصدد المراجعة الشاملة ليس لها علاقة ب " القرار الواضح وغير المشكوك فيه " باستئناف التعاون مع اللجنة الخاصة والوكالة الدولية للطاقة الذريةِ
وعبر بيل كلينتون في 15 نوفمبر عن رضاه العام لما تم التوصل إليه من إخضاع العراق بلا قيد أو شرط لمطالب المجتمع الدوليِ وأخبر بأن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا عازمتين على توجيه ضربة للعراق في 14 نوفمبر وتم تأجيلها في اللحظة الأخيرة بسبب موافقة بغداد على استئناف التعاون مع اللجنة الخاصةِ وقال كلينتون : " أن تراجع العراق لا يكفي "ِ وطالب بغداد أن تثبت عمليا وتبرهن على تنفيذ التزاماتها وألا " تتدخل " في عمل اللجنة الخاصة والوكالة الدولية للطاقة الذريةِ وبرر كلينتون تخليه عن الضربة بقوله أن " الفعل العسكري " مكن من تقليل قدرات صدام حسين على تطوير أسلحة الدمار الشامل بشكل جوهريِ غير أن هذه الطريقة كانت تعني" نهاية اللجنة الخاصة "ِ
ترى هل كانت هذه شروطا فحسب ؟ يتساءل بريماكوف ويضيف : فبعد مرور شهر واحد أنزلت الولايات المتحدة وبريطانيا سلسلة من الضربات على العراق وفي هذه المرة بدون أسباب مرئية وكافية وتجاهلت كل عواقب هذا الفعلِ
وقضينا من جديد ليلا مؤرقا في 16 ديسمبرِ اتصل الرئيس يلتسين ومكالمات من ايفانوف الذي كان في مدريد واتصل رئيس الأركان أناتولي كفاشنينِ وكانت كل هذه الاتصالات قبل الضربة بعدة ساعاتِ واستمرت الاتصالات عندما كانت صواريخ " توماهوك " المنطلقة من القطع الحربية البحرية الأمريكية تنفجر في بغدادِ
لم تطلعنا واشنطن على الساعة X ، غير أن هيئة الأركان الروسية كانت تراقب وتسجل كافة تحركات القطع البحرية والجوية الأمريكيةِ واتصل يلتسين بشيراك في الليل أملا في إقناع الأمريكان بعدم اتخاذ مثل هذه الخطوة المتهورةِ وافق الرئيس الفرنسي على أن الضربة للعراق بلا أسباب وغير مبررةِ وفي تلك اللحظات كانت تجري في نيويورك جلسة فاشلة لمجلس الأمنِ ومع ذلك قال شيراك بأنه لا يستطيع إيقاف الأمريكانِ وقال بأن الضربة ستوجه في الرابعة فجرا حسب توقيت موسكوِ غير أن الصواريخ المجنحة والقنابل الذاتية كانت تنهال على بغداد قبل هذا الموعد بثلاث ساعاتِ
وقال لافروف بأن الأميركان لم يستطيعوا إيراد دليل واحد في صالح قرارهمِ وكانوا يشيرون الى تقرير غير مفهوم لباتلر الذي ، كما اتضح فيما بعد ، قد استلم أوامر من واشنطن بترحيل أعضاء اللجنة الخاصة فوراِ كتبت عن لقائي مع باتلر أعلاه عندما كنت وزيرا للخارجيةِ وكان قد زار موسكو قبل توجيه الضربة ضد العراق بأسبوعين (التي أطلق عليها الأميركان " ثعلب الصحراء ") وحدثني وزير الخارجية فيما بعد أن باتلر أكد له أنه يتمكن بعد إجراء المراجعة الشاملة من إغلاق 3 من مجموع 4 ملفات لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية هي الووية والصاروخية والكيميائيةِ وأظهر باتلر تفاؤله خلال لقاءاته مع الدبلوماسيين الروسِ ولكن ماذا حدث فيما بعد؟
أسباب داخلية؟!
بعد أيام من انتهاء الضربات ( أو إيقافها ) بسبب حلول شهر رمضان ألقى ريتير الذي كان ضمن قيادة اللجنة الخاصة في 19 ديسمبر كلمة عبر الإذاعة البريطانية أتهم فيها باتلر شخصيا والولايات المتحدة بالاستفزاز وتوجيه الاعتداء المسلح على العراق عن عمدِ وكان الكثيرون في الولايات المتحدة يعتقدون أن إدارة كلينتون التي اتخذت قرار ضرب العراق استرشدت بأسباب داخلية بحتة : سيكون التصويت بعد يومين في الكونغرس على إبعاد الرئيس عن الحكمِ يصعب علي أن أثق بهذه الرواية بدرجة كافيةِ وأظن أن لبيل كلينتون الكثير من المحللين الأمناء ذوي الخبرة القادرين على تحديد الإيجابيات والسلبيات والمقارنة بينها قبل التصويت على إبعاد الرئيس بالبدء في العملية التي أيدتها لندن وحدها ( بالفعل ) وطوكيو ( بالقول ) وعارضها الجميعِ البعض برقة والأخر بشدةِ وتم تأجيل التصويت في الكونغرس لعدة أيامِ ترى هل كانت هذه النتيجة مفاجئة للذين كانوا يدفعون بيل كلينتون لتوجيه الضربة على العراق ؟
خربت هذه الضربة كل إجراءات نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تم تنظيمها بجهد جهيدِ وظهرت " حلقة مفرغة " : صرحت واشنطن مبررة أعمالها بأنها ألحقت خسائر هائلة بقدرات العراق على بناء أسلحة التدمير الشاملِ وإذا اتبعنا هذا المنطق فينبغي رفع العقوبات عن العراق وإغلاق الملفات فوراِ فما العمل مع اللجنة الخاصة ونظام المراقبة الدائمة الذي بدأ بالعمل ؟
وإذا كانوا في واشنطن يأملون في أن الضربات ستضعف نظام صدام حسين فانقلبت الحالة للضد : حصلت بغداد على تأييد إضافي في العالم العربي أيضاِ
وأحبطت الضربات على العراق التصديق على معاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية " ستارت - 2 " في مجلس الدوما والذي كان من المقرر أن يجري في 25 ديسمبرِ وبذلت الحكومة التي كنت أترأسها قصارى جهدها لكي تتم المصادقة على المعاهدة وفتح الطريق على تقليص الأسلحة الاستراتيجيةِ أجريت المحادثات مع لجان مجلس الدوما والكتل الحزبية والنواب وظهرت الأسس العملية للظن بأن المناقشة في البرلمان ستختتم بنجاحِ ولم تستطع الحكومة الإصرار على تصديق النواب لأن الفشل كان ينتظرناِ هل كانوا في الغرب ينطلقون من حقيقة أن روسيا التي تعاني من صعوبات اقتصادية خطيرة وتهتم بالمساعدات المالية التي تقدم لها من المنظمات الدولية التي لها علاقات مع واشنطن ستتخلى عن مواقفها المبدئية ؟
لم يحكم لهذه التكهنات بالتحققِ ونحن بعيدين عن فكرة التخلي عن تطوير علاقاتنا مع الولايات المتحدةِ ونفهم أهميتها لروسيا واستقرار العالم ولا نستطيع أن نقدم تقريب وجهات النظر المبدئية لبناء العلاقات الدولية في القرن ال 21 قرباناِ ويختتم المؤلف هذا الفصل بمقتطف مسجل من مكالمته الهاتفية مع نائب الرئيس الأمريكي البيرت غور الذي هاتف بريماكوف في مساء 17 ديسمبر 1998 ِ يطرح فيها وجهة نظره التي وضحها أعلاه بخصوص الضربة الأمريكية للعراقِ