الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

انتخابات بلا عمالقة

لا يمكن مقارنة الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة بالسابقة التي شارك فيها عمالقة السياسة الروسيةِ
ففي عام 1991 دخل الديموقراطي الوحيد بوريس يلتسين المعركة مع خمسة منافسين شيوعيينِ وفي عام 1996 كان يلتسين ( الآخر تماما ) يتصارع مع شيوعي بارز هو غينادي زيوغانوفِ ولكن انتخابات 2000 ستكون الأولى في تاريخ روسيا الجديدة التي لن يكون فيها الصراع بين القديم والجديدِ
لقد انتصر الجديد بدون قيد أو شرط في 31 ديسمبر 1999 ، أي في اللحظة التي قدم فيها المناضل غير المتواني ضد القديم بوريس يلتسين استقالتهِ وسوف لا يبقى لدى مشاهدي المسرح السياسي - الانتخابي سوى انتظار النهاية المعروفة سلفا ، آملين فقط في أن العملية الانتخابية ستجري بحد ذاتهاِ
في عام 1991 لم تكن مراتب منافسي 'الزعيم' ذات أهمية ، لكن في عام 1996 تركز الصراع على من يحتل المرتبة الثالثةِ صعد الكسندر ليبيد فجأة الى منصة الشرف وأعطى أصواته الى من يراه يستحقها، وكوفئ بمنصب سكرتير مجلس الأمن القوميِ وأمن فريق الكرملين النجاح حيث ساعد الجنرال الذي سلب من زيوغانوف الكثير من الأصوات، بالأموال ليمنحوه فيما بعد أكبر مقاطعة روسيةِ
ويبدو أن المرتبة الثانية واضحة الآنِ وبالرغم من وجود عدة مرشحين يساريين ، الا أنه من المشكوك فيه أن يستطيعوا زحزحة زعيم الحزب الشيوعي الروسي ، ومن غير المرجح أن يعول على من يحتل المرتبة الثالثة لحسم النتيجةِ لأن فلاديمير بوتين في حالة عدم فقدانه الشعبية التي يمتلكها حتى 26 مارس لن يحتاج الى أصوات صاحب المركز الثالثِ غير أن السمعة السياسية قد تزيد لشاغل هذا المنصب وربما يمنح منصبا رسميا رفيعاِ
ويتوقع أن زعيم حركة 'يابلكو' غريغوري يفيلينيسكي ملائم للعب هذا الدور ، غير أنه لن يقوم بتأديته، لطباعه المشاكسة ولأنه لن يقبل بغير منصب رئيس الحكومةِ
وضمن الفائزين المحتملين ب 'جائزة المنصب' محافظ مقاطعة سامارا قسطنطين تيتوف الذي أحسن القيام بدور مرشح الصف الثاني لغرض إعطاء الانتخابات أهميةِ وهو لا يتشاجر مع إدارة الرئيس ويستجيب لمطالبهم بسرعة والإصلاحات تجري في مقاطعته كما يريدون، بالإضافة الى صداقته مع الليبراليين في حركة 'اتحاد القوى اليمينية'ِ
احتمال المقاطعة
وثمة مشكلتان رئيسيتان: الأولى احتمال مقاطعة الشعب للانتخابات بعدم حضور أكثر من 50% كما ينص عليه قانون الانتخابات ، وعندها لا يتم الاعتراف بنتائجهاِ والثانية تصويت أكثر من50% من الناخبين ضد المرشحين جميعا وفي هذه الحالة يعاد إجراء الانتخابات بعد ثلاثة أشهرِ
هذه المشاكل لم تكن موجودة في الانتخابات الماضية لأن المواجهة كانت بين 'الحمر' و 'البيض'، وهي كانت محفزا كافيا لإيقاظ الشعور بالمسؤولية المدنية للناخبينِ ولهذا السبب أجرى الكرملين الانتخابات الماضية تحت شعار 'صوت وإلا ستخسر'ِ وفسر وقتها عدم حضور الناخب كانتقال صوته الى الشيوعيينِ
وحاليا يرفع الكرملين شعار 'بوتين رئيسنا' بدون تخويف وبلا معان سياسية واقتصادية محددة أيضاِ لقد تركوا الناخب وجها لوجه مع بوتين وعليهم فقط تجميل صورة المرشح الرئيسي وتسليط كل الأضواء المتاحة عليهِ
وربما تتسبب 'حتمية فوز' بوتين الى عدم حضور أغلبية أنصاره الى مراكز الاقتراع ، وفي حالة عدم حضور 50% من الناخبين فسيكون فوز بوتين باطلا حتى لو جاء ساحقاِ
والمساحة الأساسية للصراع الانتخابي تنحصر في نضال الكرملين من أجل أصوات الديموقراطيين الذين لا يزالون يعتبرون بوتين ابن المؤسسة الأمنية وخانق الحريات والشيوعي الخفيِ وهؤلاء من يراهن عليهم غريغوري يفيلينيسكيِ لكن هذا العامل قد عولج منذ تسلم بوتين منصب رئاسة الحكومة التي اعتبرت خطوة ناجحة لكي يظهر كديموقراطي 'بحت' واعتماده على مبدأ 'لعل وعسى' المفضل للشعب الروسيِ
انتقال السلطةِِ ومأزق الطابق الخامس
يجري الوقت بسرعة على أقطاب الكرملين دون أن يقرروا الكيفية التي سيجرون بها عملية انتقال السلطةِ وهي الأولى من نوعها في تاريخ روسياِ ولا يجيب أحد على السؤال: كيف سيكون نقل الصلاحيات الرئاسية في حالة فوز الرئيس بالوكالة وكيف ستبدو العملية بشكل عام ؟
لم يكن موظفو الكرملين موالين جدا لبوريس يلتسينِ وحسب أحاديث الشهود القدامى في الكرملين فقد انقسم العاملون في الرئاسة أثناء مرض يلتسين في عام 1996 بوضوح الى فريقين: الأول ، كان مستعدا للفرار الى المرشح الرئيسي في ذلك الوقت الكسندر ليبيد، والثاني كان واثقا من خروج الرئيس من الحالة الحرجةِ
ونتيجة ذلك برز أسلوب جديد لم يكن مسموحا به أبدا وهو إنشاء الجسور من قبل مسؤولي الكرملين مع ألد أعدائهِ
وفي قمة الكرملين يعرفون جيدا الكثير من 'الجواسيس' ومن يرتبط بعلاقات مع غينادي زيوغانوف ويوري لوجكوف ويفغيني بريماكوف وغيرهمِ
غير أن رئيس ديوان الكرملين الكسندر فالوشين وشركاءه لا يستطيعون عمل شيء ضد هؤلاء 'المخربين'ِ فلا معنى لفصل موظفي الكرملين بشكل مستمر لا سيما وأنهم يعانون من نقص في الكادرِِ كما حصل في الطابق الخامسِ
يعتبر 'الطابق الخامس' في الكرملين أكثر هيبةِ غير أنهم اليوم أخلوه من نصف العاملين فيه تقريبا بشكل لائقِ ولا تزال أسماؤهم معلقة على لوحات الأبوابِ فمثلا ، أوليغ سوسويف الذي أقالوه من زمن بعيد ويعمل الآن في 'ألفا بنك' تجيب سكرتيرة مكتبه دائما 'آلو ِِ هنا مكتب سوسويف'!
ولن يكون كادر الكرملين الحالي غنيمة جاهزة للرئيس القادم، وسيقاومون حتى النهايةِ ومنهم موظفون من طراز ايغور شابدورسولوف الذي نجح في كسب ولاء المحافظين ونظم الحملة الإعلامية المعادية لبريماكوف ولوجكوفِ
وهناك أشخاص ليسوا ضمن الملاك ، لكنهم يسرحون في الكرملين كيفما يشاؤن من شاكلة بوريس بيريزوفسكي ورومان أبراموفيتش والكسندر ماموتِ وهم يمتلكون أسلحة عالية الفعاليةِ
مارشال الدعاية
فاز ميخائيل ليسين وزير الإعلام الروسي بدور مارشال دعاية الكرملينِ لم يكن ليسين معروفا حتى الآونة الأخيرة ، غير أن الأوساط المطلعة كانت تعتبره أحد أصحاب وسائل الإعلام الخفيين في روسياِ ويمكن القول ان بفضله تحسنت صورة بوريس يلتسين في الداخل ، السبب الذي تحول ليسين الى محبوب 'العائلة'ِ واستطاع بدعم من 'الثلاثة' أعلاه الامساك بالامبراطورية الاعلامية الكبيرةِ فهو يملك شخصيا القناة الحكومية لراديو وتلفزيون روسيا ويشرف على وكالة 'نوفوستي' للأنباء التي يترأسها اليكسي فولين ويملك أيضا وكالة 'فيديو انترناشيونال' التي تحتكر سوق الإعلان السياسي في روسياِ
هيئة الأركان الانتخابية
استقرت هيئة الأركان الانتخابية لفلاديمير بوتين في البناية التي شيدها الطاغوت المالي السابق الكسندر سمالينسكي له شخصياِولهذا السبب تسمى 'الكسندر هاوس'ِ وهذه التسمية رمزية طالما أن فريق بوتين يؤكد أن عهد بوتين الجديد سيشهد نهاية عصر الطغمة المالية في روسيا وعودة المراقبة الصارمة للحكومة على كافة مجالات الحياةِ
وتشبه 'الكسندر هاوس' من حيث الروح حمى الأفكار الليبرالية أكثر من هيئة أركان ضابط المخابرات الذي ترقى الى منصب الرئيسِ ينتج عن هذا الانطباع أن جميع سكان هذا المكان من العلماء المهتمين بمشاكل السوق ( غريف ، ياسين ، ماو ، أليوكايف )ِ وأعطيت لهم الفرصة لتجسيد أحلامهم غير المتحققة في برنامج بوتين الاقتصاديِ وليس من المستبعد أن هذا البرنامج سيترك في الأرشيف بعد الانتخاباتِ
وفي هذه الدار يعمل فريق الدعاية والدعاية المضادة برئاسة كيسينيا بونوماريوفاِ ويعتبر فريقها للتكنولوجيا السياسية الأقوى في روسياِ
زعيما طاغوت المال
ولا يشكو أهل هذه الدار من الأموال ، وكما قال أحد اركانهم 'يمكن أكل النقود حتى بالأذنين'ِ وحسب بعض الأنباء فقد أرسل طاغوتا المال الحكوميان ريم فياخيريف رئيس شركة 'غاز بروم' وأناتولي تشوبايس رئيس شركة الطاقة الكهربائية الموحدة باشتراكاتهما المالية الى خزينة الأركانِ
تاتيانا غير بعيدة!
وتجري اجتماعات هيئة أركان الكرملين بانتظام ( أربع مرات في الأسبوع ) ويدخل في قوامها عدا فالوشين : فلاديسلاف سوروكوف والكسندر أبراموف (المذكوران أعلاه) وجاخان بولييفا التي تترأس المجموعة التي تحضر خطابات بوتي وايغور سيتشين مدير إدارة أعمال الرئيس الذي يعدونه 'يد بوتين اليمنى'، بالرغم من أن وظيفته بروتوكوليةِ وتحضر بشكل مستمر تاتيانا دياتشينكو (ابنة بوريس يلتسين) لكونها 'خبيرة' في الحملات الانتخابيةِ ويحضر كذلك محلل الكرملين 'الأبدي' غليب بافلوفسكي وكيسينا بونوماريوفا التي تلعب دور الاستراتيجي الإعلامي في الهيئة 'الخفية' والمنظم الإعلامي في 'العلنية'ِ
وحسب معلومات صحفية جمدوا عمل أحد نواب فالوشين السياسيين ايغور شابدوراسولوف من العمل في هيئة الأركان جراء عدم حزمه خلال الحملة الانتخابية البرلمانية حيث كان يعتقد بأن حزب 'الوحدة' الموالي لبوتين لن ينال أكثر من 5% من الأصواتِ
تجديد السلطة
وتسمح التغييرات التي جرت في الحكومة وإدارة الكرملين بالرغم من أنها تجميلية، باستخلاص الصورة التي ستظهر عليها إدارة بوتينِ
وقائمة المقالين والمعينين توقفت بعد إعفاء بافيل بودين من منصب مدير أعمال الرئيس وتعيين عدة أشخاص مقربين من بوتينِ وبعد إلغاء الدائرة الاقتصادية، عين مدير هذه الدائرة السابق ميخائيل كوجين بمنصب نائب مدير أعمال الرئيسِ
وفصل مدير دائرة السياسة الداخلية أندريه لوغينوف وعين محله أندريه بوبوف مستشار رئيس الديوان فالوشين والمقرب من فلاديسلاف سوروكوف نائب رئيس الديوانِ
ويقوي سوروكوف مواقعه ويحاول تشكيل هيكل جديد للرئاسة بعد الانتخاباتِ ويتوقع أن تسقط الحاجة الى إدارة رئيس قوية كما كانت في عهد يلتسينِ فالحالة معه تختلف لأنه يدرك أن الإدارة بالدهاء وليس بكثرة الدوائرِ وأعطى برهانه في عملية توزيع مناصب الدوما وكيفية نجاح سوروكوف في تأمين فوز غينادي سيليزنيوف رئيسا للبرلمان وحل الأزمة النيابيةِ وكانت عمليات التسوية السياسية في العاصمة تشبه أعمال الجيش في الشيشان: الهدف واضح والغاية تبرر الوسيلة، وخلافا لبوريس يلتسين الذي كان تحقيق أفكاره يقع على عاتق إدارته بالكامل ، يفضل بوتين تنفيذ كل شيء بنفسهِ
الدوما لن يهدده
وفلاديمير بوتين يبني بنجاح خط السلطة الرأسي بشكل لا يهدده مجلس الدوما أو أي شيء آخر سوى باضطراب طفيفِ كان يلتسين مثلا، يحلم بمجلس دوما كالذي تمكن بوتين من تشكيله في ليلة وضحاهاِ ولم ير يلتسين مثل هذا التأييد الذي يتمتع به بوتين من زعماء الأقاليم والجمهورياتِ لقد أنشأ فلاديمير بوتين فعليا الأساس لكي لا تظهر حالات تزعزع سلطتهِ
تحدث يلتسين كثيرا عن 'المحور الداخلي' لبوتين قبل استقالته وعندما قدمه وريثا لهِ وكان يفضل هذا 'المحور' على أشياء أخرى كثيرة بالرغم من أنه كلفه غالياِ لم يعجبه سيرغي ستيباشين ولم ير فيه رجلا 'فولاذيا'، وكان يلتسين يفضل الاعتماد على أشخاص يمتلكون من 'الرجولة' أكثر مما يمتلكون من 'العقل' كأوليغ سوسكوفيتس والكسندر كورجاكوف وبافيل غراتشوفِ
لقد سمح بوتين لنفسه بانتقاد المرحلة الماضية في كل أحاديثه تقريبا وهو انتقاد موجه الى يلتسين بلا شك ، والمحيطون بهذا وذاك لا يعتبرونه نطق كفرا فالوقت قد حان الآن لاستبدال صفته كوريث والظهور الى الناس كرئيس وليس مجرد 'خلف يلتسين'ِ
وكان يلتسين يتفهم ضرورة الاندفاع والوثبة الجديدة وهو ما أكد عليه في 'خطبة الوداع'، ولهذا السبب يقولون إنه كان يبدل رؤساء الحكومات منذ عام 1997ِ لم يكن بوسعه قيادة هذا الاندفاع وهذه المهمة وقعت تلقائيا على عاتق بوتينِ
وبدا أمرا طبيعيا إعلان بوتين ايديولوجية 'الليبرالية الوطنية' إذا صح التعبير، والتي تجمع بين ليبرالية يلتسين وأفكاره الخاصة في تقوية دور الدولةِ ولكن بوتين لسبب ما يفضل الاستغناء عن البيانات التي كانت تساعد يلتسين في أعوامه الحرجة: 1991، 1993 و1996ِ
قبل 'ليلة الدخلة'!
ويبدو أيضا أن بوتين يدرك الحاجة للرد على تحدي الزمنِِ وأن يصبح رئيسا حتى قبل 'ليلة الدخلة' والعمل بكل ما أوتي من قوةِ ولكن من المستحيل الآن الاعتقاد باستقلالية بوتينِ فهو يبدو قويا وقابلا للفعل من ناحية المبدأ وهو رئيس المخابرات السابق الذي رفض طلبات كثيرة في دس الجهاز في الصراع السياسي الداخلي، وتمكن من قول 'لا' في مواقف معينةِ ولكن ما ينقصه أن ترقيه السريع أفقده الخبرة المطلوبة للبقاء في قمة الهرم السياسي لمدة طويلة ، وخبرته في هذا المجال ناقصة بوضوح ، ومع ذلك لم يفعل لحد الآن شيئا غير قابل للعكس، ويستمع بانتباه الى آراء مساعديه في كافة المسائلِ وهذا لا يعني أن كل الأمور واضحة ومحددة قبل الانتخابات الرئاسيةِِ فقد تظهر نتائج جانبية يتوقف عليها شكل وجوهر السلطةِ
الوعود شيءِِ والدهاليز شيء آخر!
أذهل بوتين المراقبين بعد تعيينه رئيسا للوزراء بتصريحاته القائلة إنه لن يغير موظفا واحدا ، غير أن هذا الذهول كان قصير الأجلِ وبعد عدة أشهر ظهر في دهاليز الحكم عدد كبير من المنحدرين من بطرسبورغ مسقط رأس بوتين ، حتى أن البعض وصف الحالة كإعادة نقل العاصمة الروسية من جديد الى ضفاف نهر النيفاِ
النواب الثلاثة لإدارة الرئيس كلهم بطرسبورغيون وجميع الوزراء المقربين لبوتين من هناك: نائب رئيس الوزراء ايليا كليبانوف ووزير الصحة شيفتشينكو ووزير الاتصالات رييمان وقائد جهاز المخابرات باتروشيف ونائبه الأول شيركيسوف وزعيم الكتلة البرلمانية لحزب 'الوحدة' بوريس غريزلوف و20 آخرونِ
قال أحد مسؤولي الكرملين السابقين انه في ظروف غياب معارضة حقيقية لبوتين فإنه سيتحول الى دكتاتورِ واعتبر عدد من المحللين أن هذه الأقوال مبالغ فيهاِ ففريق بوتين الكامل لم يشكل حتى الآنِ غير أن بوتين وحاشيته سيملكان سلطة خياليةِ وسيبقى بوتين مثل 'الصندوق الأسود' والبطرسبورغيون الآخرون سيكونون جدرانا لهذا الصندوقِ
لبوتين الآن فريق يعمل بفعالية لصالحهِ وله خبرة كافية في مختلف مجالات الإدارة التي لم يعمل بوتين فيهاِوفي المسائل الكثيرة وبالأخص تلك التي لم يصغ بوتين رأيه فيها بدقة، تمكن هذا الفريق من طرح اقتراحاته الخاصةِ
هل يحصل الصدام؟
وأعضاء فريق بوتين برزوا في السنوات الأخيرة من عصر يلتسينِ ولهم صلاتهم الواسعة التي تجعلهم يعملون بثقةِ وهذه تلزمهم بضرورة إحداث تغييرات كبيرة جدا على ألا تكون راديكاليةِ ومن المرجح أنهم بحاجة الى تحسين ذلك النظامِ وبوتين كما أشرنا ، لا يريد ولا يتمكن أن يكون خازن إرث يلتسين وهو بحاجة الى التقدمِ وهذه الرغبة قد تسبب في قطيعة بينه وبين مساعديه الحاليينِ وهؤلاء بإمكانهم تأييد جهود القيصر الجديد، غير أن ذلك سيكون بالنسبة للكثير منهم مستحيلا، لأن هذه الجهود ستتعارض مع مصالحهم، الأمر الذي يعيد التوتر السابق الى الكرملين من جديدِ وتفسر هذه الحالة الاضطراب الكبير وسط طواغيت المال كما يسمونهم ، يخص هذا الثلاثي بيريزوفسكي، أبراموفيتش وماموت الذين يشكون علنا من ندرة لقاءاتهم مع الرئيس بالوكالةِ
ويبدو أن الوقت قد حان لمعرفة فريق بوتين عن قرب وهم حسب الأهمية:
عين الحاكم
هو ديمتري كوزاك ، مدير جهاز الحكومةِ و'عين بوتين' في مقر الحكومةِ خريج كلية الحقوق وعمره 41 سنةِ شغل منصب رئيس الإدارة الحقوقية في اللجنة التنفيذية لبلدية بطرسبورغ (لينينغراد) بعد تخرجه من الجامعةِ تميز بمهارته في إيجاد الأخطاء في أعمال البلديةِ وفي عام 1994 دعاه عمدة المدينة أناتولي سابتشاك الى إدارتهِ
وتسنى لكوزاك البقاء في منصبه بعد هزيمة سابتشاك في انتخابات 1996 حيث عينه المحافظ الجديد فلاديمير ياكوفليف نائبا لهِ غير أن ياكوفليف والعاملين الشيوعيين السابقين في حاشيته عاملوا الحقوقي المثقف بشبهة ولم يثقوا بهِ ولم يصمد كوزاك مدة طويلة وترك العمل معهم في نهاية 1998ِ ولم يسمحوا له بممارسة العمل القضائي بشكل خاص لمدة طويلة أيضاِ وبعد أيام قليلة من تعيين بوتين رئيسا للحكومة استدعى على عجل زميله السابق وعينه بمنصب رئيس جهاز الحكومةِ
المرشد الروحي
هو ديمتري ميدفيدوف ، نائب رئيس ديوان الكرملينِ القلائل يعرفون بأنه أهم شخص في محيط بوتين الآنِ عمل طوال حياته في كلية الحقوق - جامعة بطرسبورغِ وعين مؤخرا رئيس هيئة الأركان الانتخابية لبوتين بالإضافة الى منصبه في الديوانِ ويحضر كل الاجتماعات التي تعقدها الهيئة 'العلنية' و 'الخفية' كما أشرنا، وله اتصالات عديدة مع علماء الاجتماع ودوائر استطلاع الرأي العام ويشرف على جمع التواقيع لتأييد بوتين والدعاية الانتخابية ويقابل الصحافيينِِ ومثل هذه الأعمال رغم تفاهة بعضها لا توكل الى 'غريب'ِِ ويعتبرونه المرشد الروحي للحملة الانتخابية لبوتينِ
الظل
هو ايغور سيتيشين ، مدير الجهاز الخاص لفلاديمير بوتينِ كان منذ عشر سنوات أقرب مساعدي بوتين ووكيله المفوضِ
تخرج من كلية الآداب واللغات في جامعة بطرسبورغ ، يجيد اللغة البرتغالية وأوفد كمترجم لمؤسسة 'تيكنو ايكسبورت' للعمل في موزمبيقِ وبعد عودته من أفريقيا خدم في الجيشِ وبعد تسريحه عين في الدائرة الاقتصادية للجنة التنفيذية في محافظة لينينغرادِ وفي عام 1991 وجد نفسه في لجنة العلاقات الخارجية للبلدية التي كان يترأسها بوتينِ
الأيديولوجي العام
هو غيرمان غريف ، مدير مركز الأبحاث الاستراتيجية في الكرملينِ وكما يقولون إذا قدر لخطط بوتين أن تتحقق فسيتم ذلك وفقا ل 'وصايا غريف'
تخرج غريف المنحدر من أبوين ألمانيين نفاهما ستالين الى كازاخستان بعد بداية الحرب العالمية الثانية من كلية الحقوق في مدينة أومسك السيبيريةِ عمره 35 سنةِ عين معيدا في جامعة بطرسبورغ وفي يوليو 1997 في منصب النائب الأول لرئيس لجنة الممتلكات العامة في بطرسبورغ التي ترأسها ميخائيل مانيفيتشِ وبعد مقتل الأخير حل غريف محلهِ يشغل غريف الآن منصب النائب الأول لوزير الممتلكات العامة ومكلف بوضع استراتيجية تطوير روسياِ
أظهر غريف ومساعده الرئيسي ديمتري ميزينتسيف حماسا هائلا في إنشاء مركز الأبحاث الاستراتيجيةِ وبعد أن اقترح على الهياكل التجارية مساعدة المركز ماليا ، أسهمت شركة الطاقة الكهربائية الموحدة و 'ترانس نفط' و'سفياز انفيست' وغيرها من الشركات الكبرى في تمويل عمل المركزِ
الاقتصادي
هو فلاديمير كوجين ، مدير الشؤون الاقتصادية لدى الرئيس الروسي والذي استبدل بافيل بوردينِ وإذا وثقنا باعترافات معارف كوجين فانه قادر على منافسة بوردين المشهور بحياكة دسائس القصرِ
تخرج كوجين من معهد الهندسة الكهربائية العالي في بطرسبورغِ وعين مطلع التسعينات رئيسا لقسم في المنشأة الدفاعية المحلية 'أزيموت'ِ وبعدها أوفد لمدة طويلة في دورة تدريبية للعمل في ألمانيا (الغربية)ِ وبعد عودته أسس في هذه المنشأة المتخصصة في انتاج أجهزة الملاحة شركة تجارية لإنتاج البضائع الاستهلاكيةِ
قيصر الكوادر
هو فيكتور ايفانوف ، نائب رئيس ديوان الكرملين لشؤون الكادرِ عمره 49 سنةِ تم تعيينه بتوصية من المخابراتِ كان يعمل حتى أواسط التسعينات مهندسا للراديو في أجهزة مخابرات بطرسبورغِ وعمل مستشارا في أفغانستان ومديرا لقسم مكافحة التهريبِ
وفي عام 1994 سحبه بوتين للعمل معه في مقر محافظة بطرسبورغ مديرا للهيئات الإداريةِ ولكن بعد انتخاب ياكوفليف اشتبهوا في تدبيره محاولة اغتيال المحافظ الجديد في عام 1996 وطردوه من المحافظة مع بقية رجال بوتينِ واضطر رجل المخابرات للعمل بالتجارة وحتى عمل صحافياِ غير أن بوتين لم ينس 'سلاح داره ' الوفيِ يصفه زملاؤه بأنه أمين ورابط الجأشِ
المحتشم
هو سيرغي ايفانوف ، سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي ، عمره 47 سنةِ يعتبرونه الشخص الخامس في روسياِ تخرج في جامعة بطرسبورغ ومن ثم أنهى أكاديمية المخابراتِ عمل سنوات عديدة في مقر المخابرات الروسية في هلسنكي وكان يتمتع بسمعة حسنةِ غير أن فرار الجاسوس الشهير غورديفيسكي الى الغرب في عام 1985 فضح كل أسماء عاملي القسم السادس (الانكليزي الاسكندنافي) في المخابرات الروسيةِ الأمر الذي جعل ايفانوف يحزم حقائبه الى غينيا للعمل هناك بصفة عميل مقيم تحت غطاء مؤسسة روسية رسميةِ
ترقى الى منصب نائب رئيس الدائرة الأوروبية في المخابرات الخارجيةِ غير أن بوتين زميله في الدراسة في أكاديمية المخابرات أجبره على الانتقال الى دائرة الأمن الفدرالية للعمل نائبا له ومن ثم الى الكرملينِ
يعرف سكرتير مجلس الأمن القومي الحالي كمحلل حسنِ وقدم المجلس برئاسته مذهب الأمن القومي الروسي الذي امتدحه الغربِ
لا يعرف سياسيي موسكو
لا يمكن القول للوهلة الأولى ان إمكانات فريق بوتين رائعةِ فثمة الكثير من السياسيين الروس يمكنهم عمل أشياء كثيرة لكنهم لم يتمكنوا من لفت أنظار بوتين إليهمِ ويعتقد البعض أن تركيز بوتين على زملائه البطرسبورغيين ناتج عن عدم معرفته الجديدة بسياسيي موسكوِ ويظنون بأن اختيار الفريق يشبه المشي في حقل للألغام، وأعطوا مثالا على ذلك تغييره لسكرتيره الصحفي أربع مرات في خمسة أشهر! ويصفون أسلوب فصل بوتين للعاملين معه خلافا ليلتسين الذي يسمع حتى الوزراء بنبأ إعفائهم من مناصبهم من وكالات الأنباء، بأنه ينبئهم شخصيا بالخبر السيئِ
ويعتبر البعض أنه يوجد وضوح ما بشأن نموذج الحكم الذي سيظهر في أبريل القادم لا يشبه أساليب يلتسين المقتصرة على الوعود والبحث عن أثقال التوازن في بناء هرم السلطةِ