السبت، 4 يونيو، 2011

القرآن في روسيا 1

كان الوعي الديني في القرون الوسطى في روسيا موجها من الدولة والمجتمع معا. ووجد القرآن نفسه في طبيعة الحال في مركز النضال الأيدلوجي. وخلال قرون عديدة لم يهتم به اللاهوتيين المسيحيين والفلاسفة الروس وحتى في أوربا القرون الوسطى. وبعد الحرب الصليبية في القرون 11 - 13 الميلادية بدأ البحث عن الحقيقة والسعي الى معرفة " سر قوة العدو ". وبدأت ترجمة القرآن الى اللغة اليونانية . وكان المناقشون المسيحيون واليهود المزعجون يتشككون بتأكيدات القرآن الخاصة بأن محمد ( ص ) خاتم الأنبياء.

وظل الحال كذلك حتى غيرت روح عصر النهضة وإصلاحات القرنين السابع عشر والثامن عشر من النظرة السائدة الى القرآن. وبفضل الولع الرومانسي بغرابة الشرق في النصف الثاني للقرن الثامن عشر والنصف الأول للقرن التاسع عشر ، صيغ الموقف من القرآن باعتباره أثرا أدبيا وفلسفيا ( من قبل فولتير ، غوته ، إيرفينغ ). والنواحي الروحية الدينية أثارت الاهتمام بالدرجة الثانية لشيوع الفلسفة والأخلاقيات المستمدة من الإنجيل. وفي الوقت نفسه شعر الكثير من الكتاب البارزين وفلاسفة هذا العصر بمن فيهم غوته وبوشكين وحتى من خلال الترجمات الثقيلة بأحقية رسالة محمد ( ص ) النبوية وعمق القرآن وتكويناته المجازية والمثل العليا التي احتواها.

من ذلك الوقت بدأت دراسة القرآن في أوربا وروسيا وتطورت تدريجيا إمكانية التعرف الأقرب بنص القرآن وعالمه الروحي الشاسع حتى أتى القرن العشرين بالاعتراف الكامل به.

ولم يكن انتشار القرآن الكريم في روسيا مشابها لما كان عليه الحال في أوربا. حيث كانت لروسيا حدود مشتركة مع البلدان الإسلامية وكانت تتبادل تجاريا وتتحارب معها في الوقت ذاته منذ القدم. وكانت فيها مناطق واسعة آهلة بالمسلمين. وعندما احتل التتار موسكو وروسيا عموما ، نقلوا معهم الكثير من التعاليم والتقاليد ونظام الحياة الإسلامي. حتى جاء وقت أطلق فيه على كل المدن والأحياء والأنهر الروسية أسماء إسلامية عربية ما زالت روسيا تحتفظ بقسم منها الى الآن. بمعنى أن الاهتمام بالإسلام وخصائص نظامه الروحية والاجتماعية والسياسية لها طابع تطبيقي في روسيا أكبر مما هو عليه الأمر في أوربا.

غير أن المسيحية في ذلك الوقت كانت تثبت نفسها في روسيا في الوقت نفسه وساهمت في تدعيم الاتجاه المعادي للإسلام وربط كل ما هو سيئ به وقبل كل شيء الدعاية المضادة للنبي محمد ( ص ).

وكان الأدب الاجتماعي الديني يتميز بطابع " داحض " للإسلام وكان له طابعه السياسي الواضح أيضا. واستغلت المسيحية هذا النوع من الأدب لاسيما بعد أن استولى الأتراك في عام 1453 م على القسطنطينية وأسقطوا الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تمثل حصن المسيحية.

ومع ذلك ظهرت الآثار والآداب الإسلامية في هذا الوقت ، غير أن عقبات كثيرة أعاقت انتشارها ؛ أولا - أنها ظهرت بشكل متأخر قياسا للآثار المسيحية وثانيا - كانت ترجماتها سيئة الى اللغات اليونانية واللاتينية والبولندية ، لاسيما ترجمة القرآن و الأحاديث النبوية الشريفة والبحوث الدينية الصرف. وتعمدت الترجمات تشويه الأفكار الإسلامية ونقلها بشكل محرف. زد على ذلك أن هذه الترجمات لكونها كانت الى اللغات الأكثر انتشارا اهتمت بالكتب والبحوث الدينية التي هاجمت الإسلام بخشونة وجردت المحتويات الواقعية التي كان يدعو إليها ، مثل ما قام به في عصر التنوير السلافي كيريل وميفودي اللذان قادا هذه الحملة المعادية للإسلام في روسيا.

وتضمنت المدونات التاريخية مثل " تفسيرات باليبا " و " الموسوعة التاريخية الابتدائية " و " قصة السنوات الغابرة " ، معلومات كاذبة وفيرة عن العقيدة الإسلامية الأساسية والقرآن الكريم والنبي محمد ( ص )। وكانت مثل هذه الكتب تنتشر خلال عدة قرون وتوظف في الأعمال التاريخية البحتة والأعمال الأدبية التاريخية الصادرة باللغة الروسية. وكان التقليد الكنسي الفاضح منتشرا في الكثير من المطبوعات وهذا أثر كثيرا في تكوين خلفية وقاعدة الرأي العام الروسي حتى لتلك الشواهد الحية مثلالرحلات الكثيرة الأجزاء التي كتبها رجال الكنيسة الروسية كمذكرات أثناء رحلاتهم الى القدس। ودخل التشويه كذلك في تقارير التجار الذين زاروا البلدان الإسلامية ورسائل السفراء المتضمنة وملاحظاتهم الشخصية حول طقوس المسلمين الدينية وحياتهم الاجتماعية. وكانت النعرة المسيحية تتجسد في مختلف هذه المطبوعات التي كانت تدافع عن الدين المسيحي وتطلق على النبي محمد ( ص ) والمسلمين أبشع الصور. وكان رجال الكنيسة والاجتماعيون الروس يعتبرون " كتب الهجاء " هذه كأساس أيدلوجي لهم للنضال ضد الأتراك العثمانيين وضد الأقليات التابعة لها وضد خانات القرم الذين كانوا يجتاحون الأراضي الواسعة في أوكرانيا وجنوب روسيا ويهددون مناطقها الوسطى.

ولعبت أيضا دورا بارزا في تشويه الإسلام البحوث اللاهوتية والدينية الفلسفية للعالم والكاتب الاجتماعي في النصف الأول للقرن السادس عشر مكسيم غريف مثل أجزاء " إجابات المسيح على المزيفين " الذي اتخذته المراكز التبشيرية الأرثوذكسية الكتاب الذي يماثل الإنجيل وبرز ذلك في الأكاديمية الدينية في مدينة قازان التي تأسست هناك في موطن التتار تعمدا لنشر الدعاية المضادة للإسلام ونشر المسيحية.

ومن الذين عاصروا مكسيم غريف برز غيفان بيرسفيتوف وأندريه كوربانسكي ، حيث كانت مؤلفاتهم موضوعية أكثر وخلت من الإشارات المعادية للإسلام وكانت آرائهم أكثر إنسانية من بين جميع معاصريهم في روسيا و أوربا.

أول ترجمة للقرآن

وظهر حادث فريد في هذه الفترة ألا وهو ترجمة القرآن الكريم الى اللغة البيلاروسية التي نفذها التتار الذين عملوا في بلاط أمراء ليتوانيا. وكانت هذه الترجمة الأولى للقرآن الى اللغة السلافية. وظهر كذلك أول مؤلف باللغة الروسية مكرس للقرآن وسمي باسمه في نهاية القرن السابع عشر. وكلف القيصر بعد ذلك مديرة الأكاديمية الروسية كييفو موغيليانسكيا لترجمة القرآن لأبنائه ايفان وبطرس الذي أصبح إمبراطورا لروسيا فيما بعد. ولأن بطرس الأول درس القرآن من الطفولة ارتبط أسمه بعد ذلك كالمبادر الأول لوضع ترجمة القرآن الأولى في مطبوع أمر بدراسته وانتشاره في روسيا. وبذلك بدأ ظهور القرآن الكريم في روسيا لأول مرة في عهده. وأسست بأمر بطرس الأول أيضا مدرسة اللغات الشرقية وأنشأ متحف آسيا الكبير لحفظ آثار حضارة شعوب الشرق الذي كان الأساس لإنشاء متحف آسيا الكبير بعد مائة عام الذي كان مركزا للاستشراق في روسيا خلال أكثر من قرن. ومنذ عام 1930 تحول الى معهد الاستشراق وألحق بأكاديمية العلوم السوفيتية الذي يعمل حتى الآن.

أول مطبعة عربية

وتجدر الإشارة الى أن أول مطبعة تحمل الحروف العربية تم إنشاؤها في روسيا عام 1722. وكانت الحروف التي تم صبها لإصدار أول طبعة من القرآن في روسيا على عهد الإمبراطورة إيكاترينا الثانية ، قد وضعت استنادا الى أعمال واحد من أكبر الخطاطين المسلمين في ذلك الزمان ، واعتبرها الخبراء الأجانب انجازا رفيعا لم يبلغه تكنيك الطباعة الغربي. وبعث الدكتور تسيمرمان رسالة من ألمانيا الى إيكاترينا الثانية جاء فيها : " لن تستائي يا صاحبة الجلالة إذا ما عرفت أن الطباعة العربية الشكل التي قام بها فنانو بطرسبورغ أقر بأنها ، من حيث الجمال ، تفوق كل ما طبع في أوربا ، بل وحتى في إنجلترا ".

واعتمد تسيمرمان في ذلك على رأي مرجع معترف به وهو مؤسس مدرسة غوتينغين لعلم اللغة الكلاسيكي هاينتسى ( 1729 - 1812 ) الذي كان ملما باللغة العربية.

الطبعة الأولى للقرآن

وتم طبع أول نسخة للقرآن الكريم بأمر بطرس الأول في عام 1716 بعد أن ترجم الى اللغة الروسية من الفرنسية المنفذة من قبل الدبلوماسي والمستشرق أندريه ديو ري الذي كان القنصل الفرنسي في مصر والقسطنطينية. وقام بالترجمة الى الروسية بطرس بوستنيكوف وكتب على غلاف الكتاب العظيم " القرآن المحمدي " وكتب على بعض النسخ " القانون التركي ". ولم تكن الترجمة رديئة فحسب ، بل أن بوستنيكوف كرر أخطاء ديو ري وسخافاته وفوق ذلك أضاف عليها الكثير من أخطائه الخاصة بسبب الفهم غير الكافي للنص الفرنسي ومعرفته الضحلة لأسس ومعارف الدين الإسلامي والعمق والدلالات التي حملتها سور القرآن العظيم. وكانت الطبعة الثالثة تحت إشراف الكسي كولماكوف في عام 1792 وكانت نقلا عن الإنجليزية.

وترجمة بوستنيكوف مع رداءتها لفتت الانتباه الى القرآن. وبذلك كلف الإمبراطور بيتر الأول عالم بارز ورجل دولة رفيع المقام عرف الإسلام واللغات الشرقية بشكل حسن كونه عاش في تركيا مدة طويلة وهو ديميتري كانتمير بإعداد ترجمة جديدة للقرآن وسيرة حياة الرسول محمد ( ص ). تلت هذه المحاولة في القرن الثامن عشر ظهور عدة مؤلفات مماثلة أخرى تمتعت بشعبية كبيرة وأعيد إصدارها مرارا. وإلى جانب الاهتمام المتزايد بالشرق كان الصحافيون الروس ينشرون دائما في الثمانينات والتسعينات من القرن التاسع عشر موادا عن تاريخ البلدان الإسلامية وآدابها وعن القرآن والدين الإسلامي.

الدعاية المضادة للإسلام

ومع ذلك أثر قليلا على تغيير الموقف المعادي من الإسلام تراكم المعلومات الإيجابية الملحوظ في هذه الفترة عن تاريخ البلدان الإسلامية وآدابها وحياة المسلمين الاجتماعية والشريعة الإسلامية. وكان الذين يكتبون هذه الآثار ينعتون بـ " المزيفين " و " المخالفين للمسيحية " و " أعداء الإمبراطورية الروسية " وغير ذلك. بمعنى أنه الى جانب هذه الكتابات الإيجابية كانت الدعاية المضادة أقوى.

وكانت السلطات السياسية دائما تقود هذه الدعاية وتوجه الكنيسة وكان ثمة دعم مشترك بينهما. ويمكن الإشارة الى أنه في عهد إيكاترينا الثانية خفت هذه الدعاية ، بل أصدرت أوامرها بطبع القرآن وألغت كل القوانين السابقة التي فرضت القيود على المسلمين. وحالما انتهت حروبها مع تركيا بانتصارات بوتيومكين وسوفوروف وهدوء القرم اتخذت إيكاترينا بعض التدابير الخاصة بتنظيم إدارة الإمبراطورية الآهلة بالمسلمين بإنشاء عماد لسياستها وسط رجال الدين وأصحاب النفوذ والتجار المسلمين فافتتحت المدارس التي كانت تدرس فيها المواد باللغات التتارية والفارسية والعربية وأدخلت في الجامعات مواد الاستشراق بما فيها دراسة القرآن الكريم.

أول دار نشر إسلامية

وحسب المرسوم القيصري المؤرخ في 15 نوفمبر 1800 رفعت كل التقييدات الخاصة بنشر الآداب الإسلامية في روسيا وافتتحت في قازان عام 1802 أول مطبعة إسلامية. ونقلت الى هناك الحروف المطبعية العربية من مطبعة أكاديمية العلوم الروسية. وتم بذلك تأسيس أول قاعدة لنشر الكتب الإسلامية في روسيا.