الأحد، 12 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (10)

قدروا في واشنطن والعواصم الأخرى، ظهور ناقلات النفط العراقية المحملة بالنفط كمحاولة لخرق الحظر التجاري التي يجب وضع حد لها فورا في كل الأحوالِ ويذكر جيمس بيكر في مذكراته ان زملاءه وزير الدفاع تشيني ورئيس المجموعة الموحدة لرؤساء هيئات الأركان الجنرال باول ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي سكووكروفت تقدموا باقتراح في أن تأخذ الولايات المتحدة على عاتقها وبشكل مستقل هذه المهمة وتوقف بالقوة ناقلات النفطِ واذا تجاهلت طلقات النار للانذار، فعلى الولايات المتحدة أن تقوم بحزم باغراق الناقلاتِ
عارض بيكر هذه المبادرة على أساس أن هذه الاجراءات قد تؤثر بشكل سيئ على الوضع في مجلس الأمن وبالأخص العلاقات مع الاتحاد السوفيتيِ ولهذا السبب على الولايات المتحدة تأمين نفسها بتفويض من مجلس الأمنِ واعتبر بيكر أن هفوة ناقلتين أو ثلاث تعد خسارتها أقل من الاخلال بمبدأ التعاون في مجلس الأمنِ
وفي نهاية الأمر تغلبت في واشنطن وجهة النظر هذه وساعد ذلك الانتقادات الشديدة التي وجهها أعضاء مجلس الأمن للولايات المتحدة بما في ذلك حليفتها كندا التي كانت تصر على مراعاة صلاحيات المجلسِ ووجدت الولايات المتحدة نفسها في عزلة ولأول مرة في مجلس الأمن منذ بداية الأزمة وتحول سير الأحداث الى مجراه الصحيح هذه المرةِ
غير أن الوقت لم ينتظر أحداِ ففي 18 أغسطس أطلقت الفرقاطة الأميركية ست طلقات انذار في خليج عمان على ناقلة النفط 'خانقين' ولكنها لم تقفِ ولم تكن لقائد الفرقاطة صلاحيات باتخاذ تدابير أشدِ وحدث الشيء ذاته في الخليج العربي بين السفينة الحربية الأميركية 'بريدلي' وناقلة النفط 'بابا غرغور'ِ
وابتداء من 13 أغسطس كان علي أن التقي مرارا بسفير الولايات المتحدة ميتلوكِ وكان يسلم لي رسائل بيكر لاحالتها لشفيرنادزهِ وكنت أسلمه الرسائل الجوابية من وزيرناِ وجرت مثل هذه المبادلات أحيانا عن طريق سفارتنا في واشنطنِ زد على ذلك أجريت عدد من المكالمات الهاتفية بين الوزيرين مباشرة، استغرق بعضها وقتا طويلاِ وتركزت الاتصالات على مسألة اتخاذ مجلس الأمن لقرار يصادق على تفتيش السفنِ وكان الأميركان يستعجلون في ذلك وكنا نوقف اتخاذ مثل هذا الاجراء، مصرين على أن لجنة الأركان العسكرية ولجنة العقوبات انضمت الى اعداد مشروع قرار مما يسمح بالتوصل الى بعض الآراء الهامة من أجل تدعيم آلية مفعول القرار المقترحِ وأعطى بيكر شخصيا بعض التأكيدات وبالأخص فيما يتعلق باظهار التحفظ من جانب الولايات المتحدةِ
وبلغ أوج الاتصالات في 21 - 24 أغسطسِ ولعبت زيارة سعدون حمادي الى موسكو دورا معينا في ذلكِ وشرحت لميتلوك في 21 أغسطس أسباب محاولاتنا لتأجيل النظر في مجلس الأمن لمشروع القرار لعدة أيام وأشرنا إلى اننا أخبرنا أمس في رسالة شخصية الى وزير الخارجية الأميركي ما دار من حديث مع حماديِ وتم اليوم حديث ثان معه وسنخبر الوزير به أيضاِ
آمال ضعيفة
واعتقدنا بأنه من الأصح النظر الى رد فعل العراقيين لما قاله لهم الجانب السوفيتيِ واذا أقر مجلس الأمن القرار اليوم فإنه سيشجع الطرف العراقي على اهمال ما قيل له في موسكوِ وأشرنا الى أن القرار الجديد قد يغير الصورةِ
وأنبه إلى انه كانت لدينا آمال ولو كانت ضعيفة في رد ايجابي لبغدادِ ولكن لم تصل إلينا من هناك أية اشاراتِ وقررنا في هذه الحالة التوجه الى أعلى مستوى: الى صدام حسين مباشرةِ
نقلت اليه في 24 أغسطس رسالة ميخائيل غورباتشوف الشخصية مع طلب أن يرد عليها في غضون 24 ساعةِ
كانت موسكو تريد استخدام هذه الفرصة لكي تميل برئيس العراق الى الموافقة على القرار 660 والتخلي عن لغة المواجهةِ وتضمنت رسالة غورباتشوف اشارة واضحة الى أنه لن نجد أمامنا مخرجا آخر بخلاف ذلك سوى مساندة قرار مجلس الأمن الجديدِ
وكما قيل في التصريح الرسمي، وصف رئيس الدولة السوفيتية الحالة الناشئة في منطقة الخليج بالاستثنائية والخطيرة الى أقصى حدِ وأكد في رسالته موقف الاتحاد السوفيتي المبدئي بصدد ضم الكويت غير الشرعي وأشير الى ضرورة سير الحكومة العراقية في طريق تنفيذ مطالب قرارات مجلس الأمن بلا تأجيلِ ومن شأن اهمال العراق لهذه المطالب، أن يدفع مجلس الأمن لاتخاذ تدابير اضافية مناسبةِ وأن على الجانب العراقي بالذات تتوقف خطوات مجلس الأمن وكيف سيتصرفِ
لم نضطر هذه المرة لتوقع الجوابِ فقد سلمت السفير ميتلوك بتكليف من شيفرنادزه رسالة الوزير (أوردها بالنص الكامل):
'جيمس،
وعدت بمكالمتك هاتفيا في الساعة الحادية عشرة بتوقيت موسكوِ وبما أنني كنت مشغولا في الكرملين ألجأ الى مساعدة السيد ميتلوك لاحالة رسالتيِ
وردنا جواب العراقيين وأظن انه لا يوجد معنى للتعليق عليهِ لذا قررنا ابلاغ ممثلنا في مجلس الأمن لكي يتصل مع السفير بيكيرينغ وممثلي 'الخمسة' الدائمين الآخرينِ
لقد قلت لك بأننا سنقترح بعض التعديلات لمشروع القرار، لكنها لن تغير من جوهره، بل ستوسع نطاق الوسائل التي ستستخدم للمراقبةِ وأظن ان ممثلينا يستطيعان الآن البدء في المشاورات بعضهما مع البعض الآخر ومع أعضاء مجلس الأمن الآخرين من أجل ايصال الأمر الى اتخاذ القرارِ
واذا برزت لديك أسئلة ما فأنا مستعد للحوار هاتفيا معك غدا إذا اقتضى الأمرِ
عرض موسع
تركز التعديل الذي جاء في رسالة الوزير في استخدام عبارة 'التدابير التي تفرضها الظروف الملموسة' بدلا من مصطلح 'القوة' التي كان الأميركان يريدونها في نص القرارِ ووسعت هذه الصيغة مجموعة الوسائل السلمية بما فيها احتجاز السفن وتفتيشها ولم تركز الاهتمام على أساليب القوة، بل استبعدتهاِ
أيد القرار المرقم 665 أعضاء مجلس الأمن الآخرين وأقر في 25 أغسطس بمجموع 13 صوتا (امتنعت عن التصويت اليمن وكوبا)ِ وأشير فيه الى أن مجلس الأمن قلق من استمرار العراق في رفض القرارات المتخذة من قبل وخاصة استخدامه السفن التي ترفع العلم العراقي لأجل تصدير النفطِ ودعا المجلس في هذا الصدد 'تلك الدول الأعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت والتي ترسل الى المنطقة القوى البحرية في استخدام التدابير التي تفرضها الظروف الملموسة والتي تراها ضرورية تحت رقابة مجلس الأمن بهدف ايقاف كافة السفن في كلا الاتجاهين بغية تفتيش شحناتها والتحقق من وظيفتها وتأمين التحقيق الصارم حيال هذه السفن وفق المبادئ المنصوص عليها في القرار 661'ِ واحتوى القرار على طلب من الدول المعنية بتنسيق أعمالها لتحقيق هذه الأهداف باستخدام آلية لجنة الأركان العسكرية بقدر الضرورةِ
في اليوم التالي وبعد اتخاذ القرار نشر شيفرنادزه في الصحف تعليقا عليه بعد مؤتمر صحفي عقده في مطار 'فنوكوفو - 2'ِ وكان أول عرض موسع من قبل الوزير للعمل الذي مارسته قيادة البلد السياسية والدبلوماسية بخصوص العدوان العراقي على الكويت، مشيرا فيه الى الظروف المتعلقة بالقرار 665ِ
ونوه شيفرنادزه بأن تصويت الاتحاد السوفيتي الى جانب القرار تعبيرا عن قلقنا الى الحد الأقصى من الوضع المتشكل في منطقة الخليج ورغبتنا في السعي للتوصل بأسرع وقت لانهاء التهديد الخطير للغاية للأمن والسلام الدوليينِ وقال اننا نواصل التصرف وفقا لمتطلبات ميثاق الأمم المتحدة وندافع عن مبدأ الجهود الجماعية في اطار مجلس الأمن لحل الأزمة بالوسائل السياسيةِ واعتقد الوزير بأنه يمكن التوصل الى ذلك بمساعدة الاجراءات التي تؤمن فعالية نظام العقوبات المقرة من مجلس الأمنِ وكان يقصد قرار مجلس الأمن الجديد بالذات، مشيرا الى دور لجنة الأركان العسكريةِ وأعرب عن أمله في أن القيادة العراقية ستستخرج النتائج المرجوة باتخاذ خطوات لحل الأزمة وتتصرف وفق قرارات مجلس الأمن المتخذةِ قائلا 'هذه نصيحتنا للقيادة العراقية وننتظر أن تأخذها بنظر الاعتبار' و 'أردنا أن يعرفوا في العراق أن الاتحاد السوفيتي يتمنى فقط الخير للشعب العراقي ومستعد باطراد في تسوية الأزمة سلميا وأن القرار الذي صادق عليه مجلس الأمن هو فعل موجه لمنع تطور الأحداث الى مرحلة أكثر خطورة'ِ
تجدر الاشارة الى أنه بالرغم من أن صدام حسين شجب هذا القرار بشدة وما جاء في تصريحه بأنه 'يضمن للولايات المتحدة طوابير الجثث بلا نهاية' في حالة نشوب الحرب، الا أن بغداد لم تكن في الواقع قد اتخذت محاولات لخرق الحظر النفطي بمساعدة ناقلات النفطِ غير أنه كانت ثمة محاولات للقيام بذلك بأيدي الغيرِ فقد أعلن صدام حسين في 1 سبتمبر بأن العراق على استعداد لمنح النفط مجانا للبلدان النامية اذا أرسلت ناقلاتها الى الخليجِ ولم تلق هذه الدعوة الاستجابةِ وبشكل عام ظهرت بعض المحاولات الضعيفة لايصال البضائع المحظورة بحرا أو الاخلال بالحظر بطريقة أو بأخرىِ فقد كان الحصار متينا وفعالا بما فيه الكفاية واشتركت فيه سفن حربية لأكثر من عشرين دولةِ ولم تسجل حوادث خطيرة في البحر تتعلق بمراقبة الشحنات الى هذا الجزء من العالمِ وتقلص بالتدريج التهريب الى العراق عبر حدوده البرية بفضل التدابير التي اتخذها جيرانه: ايران وتركيا وسورياِ وأعلنت الأردن أيضا انها ستراعي العقوبات، غير أن حدودها مع العراق بقيت مع ذلك قابلة للتسربِ وللأسف لم تتمكن العقوبات الاقتصادية من دفع القيادة العراقية لاتخاذ الحل الصحيح الوحيد: الانصراف من الكويت طوعاِ ولكن لعبت دورها في أمر واحد: أجلت الحل العسكري لعدة شهورِ
وكان وزير الخارجية المصري عصمت عبد المجيد ضيف موسكو المهم أيضاِ فقد تعرفت عليه جيدا خلال عملي في القاهرة سفيرا للاتحاد السوفيتي في مصر، ومن ثم كنا نلتقي كل سنة في نيويورك في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدةِ وترك لدي انطباعا لطيفا: فهو عاقل ومثقف وضابط النفس ويدرك بصورة ممتازة تعقد العلاقات بين الدول العربية (سرعان ما عين الأمين العام لجامعة الدول العربية)ِ
كرس حديثه مع شيفرنادزه والذي شاركت فيه كليا على الشأن العراقي ـ الكويتيِ وبما أن هذا أول لقاء بيننا بعد الاستيلاء على الكويت فقد بدأ باستعراض عام للأوضاعِ
يعرف القارئ الكثير عن تصريحات وأحاديث عبد المجيد عن الأزمة والأحداث التي رافقتها ولذلك سأتحدث عن بعض الخصوصيات لغرض اكمال الصورةِ اعتبر عبد المجيد أن الاحتلال لم ينتج عفويا، بل كان يعد من قبل ولم يستغن الأمر عن التضليل المتعمد (التأكيد المعطى لحسني مبارك في عدم وجود نوايا لبغداد للاعتداء على الكويت)ِ وقال عبد المجيد انهم اتفقوا في ذلك الوقت في بغداد حتى على ثلاث مراحل للمحادثات العراقية ـ الكويتية في جدة وبغداد والكويتِ وكان اللقاء في جدة الأول والأخير وتم تسريعه باصرار عراقيِ وبالرغم من العدوان حاول الأردن واليمن في 2 أغسطس تأجيل جلسة جامعة الدول العربيةِ وتم في تلك الأيام لقاء عبد المجيد بحمادي واتضح منه أن بغداد لا تريد اتخاذ حلول وسطِ وحدد هذا الموقف طبيعة قرار مجلس الجامعة العربية واجتماع وزراء المؤتمر الاسلاميِ وعمل الرئيس مبارك لكونه رئيس القمة العربية كل ما في وسعه لتأمين مشاركة صدام حسين فيه وتوجه اليه برسالة شخصية، غير أن الرئيس العراقي رفض هذاِ وقدر عبد المجيد عاليا موقف الاتحاد السوفيتي من الأزمة منوها بترحيب من حيث تطابق مواقفنا حيالهاِ
وتكلم شيفرنادزه من جانبه عن الصعوبات التي واجهتنا للتوصل الى هذا الموقف آخذين بالاعتبار طبيعة العلاقات السوفيتية ـ العراقية وحجم مصالح الاتحاد السوفيتي الاقتصادية المرتبطة بالعراقِ وتحدث عما قام به الاتحاد السوفيتي بهدف دفع بغداد للسير في طريق تنفيذ قرارات مجلس الأمنِ وأبدى الوزير أسفه على أن العراق يعقد بتصرفاته الوضع أكثر فأكثر وكأنه يريد أن يثور العالم بأجمعه عليهِ
دور مصر
وأخذ شيفرنادزه بالاعتبار دور مصر النشيط في القوات متعددة الجنسية ودورها في جامعة الدول العربية وتطور الحديث مع عبد المجيد بشكل متتابع وفق خطتين: الأولى، امكانية العمل السياسي والدبلوماسي مع العراق ليست مستنفدة بعدِ وأن العقوبات الاقتصادية لم تؤثر عليه بصورة كافيةِ ولذا لا ينبغي الاستعجال في استخدام القوةِ ويجب أن يقوم بكل شيء بانتداب الأمم المتحدةِ واذا نشأت في وقت ما الحاجة الى عمليات عسكرية فينبغي أن تتحقق على أساس قرارات مجلس الأمن فقطِ وثمة لحد الآن للمجلس احتياطات سياسية واقتصاديةِ ومن الممكن عقد جلسة المجلس على مستوى الوزراء أو تنظيم دورة خارج مقر المجلس في المنطقةِ
والخطة الثانية للوزير السوفيتي انحصرت في ضرورة العمل الأنشط للعرب أنفسهم مع بغداد بما في ذلك استعمال امكانات الجامعة العربية وعدم اهمال فرصة الحل العربيِ وسيحافظ الاتحاد السوفيتي على الاتصالات العميقة والمكثفة مع البلدان العربية وسيقويهاِ
تجدر الاشارة الى أن شيفرنادزه كان قلقا جدا لزيادة الاستعدادات العسكرية الجارية وتصاعد التصريحات الحربيةِ وكان الوزير يفكر في كيفية تكييف مبادرة صدام حسين المذكورة سابقا بعكسها، أي بدفع قضية الكويت في الواجهة وليست المؤخرة كما وضعها صدام حسين دون الحاق الأذى بتسوية الشرق الأوسطِ ولذا أخطر عبد المجيد بأن آراءه يجب ادراكها فقط ولا ينبغي اعتبارها نصائح أو مقترحاتِ قال شيفرنادزه ما يلي:
'ثمة قرارات لمجلس الأمن تتعلق بالعقوبات والحصار، وهناك طرق لمتابعة تنفيذ القرارات ويجب أن تعمل بكل قوة لجنة الأركان العسكرية، ومن جهة أخرى ألا ينبغي التقدم ببرنامج جدي لتسوية مشكلة الشرق الأوسط برمتها ؟ إذ ان لصدام حسين فكرة مشابهةِ وكان من الأفضل لو تقدمت البلدان العربية بمثل هذا البرنامج الذي لقي التأييد من جانبنا ومن الأوروبيينِ الحديث لا يدور حول اضعاف الضغط على العراق ومن الممكن حتى تقويته، بل يجب النظر الى الأحداث بشكل أوسعِ تكلم مؤخرا وزير خارجية فرنسا دوما عن انعاش فكرة عقد مؤتمر دوليِ وربما حان الوقت للبدء بالمشاورات الخاصة بالتسوية الشاملة بدون التأخير في حل مشكلة الكويتِ قد يساعد مثل هذا الحل صدام حسين 'لانقاذ ماء وجهه'، فكروا في ذلك'ِ
عارض عبد المجيد هذه المقترحات حالا وبحسم قال: 'لا نوافق مع الفلسطينيين ربط المسألة مع العراقِ المشكلة الفلسطينية تبقى محل عنايتناِ ولكنه لا ينبغي ربط المشكلة الفلسطينية بالكويتيةِ هذا ما يريده صدم حسين، التمهل في تنفيذ القرارات المتعلقة بالكويت، وبنى مبادرته على ذلك'ِ
شعر شيفرنادزه بعقلانية طرح عبد المجيد ولم يستمر في تطوير الموضوع الفلسطينيِ وأشار كمحاولة لتجميل الحديث الى أن اعادة الوضع كما كان عليه في الكويت تتخذ الصدارة في الأهميةِ وأوضح ان صدام حسين يحاول التلاعب بمشاعر الناس البسطاء بوضعه المشكلة الفلسطينية في المقام الأول من الأهميةِ ويستغل الحضور العسكري الأجنبي المكثف في تشكيل رأي عام عربيِ
انقطع حديث الوزيرين لأنه حان موعد توجههما الى ميخائيل غورباتشوفِ قال الوزير فيما بعد انه لم تظهر اختلافات مبدئية عما كان في وزارة الخارجيةِ ولكن غورباتشوف أدار الحديث بنشاط ساعيا الى انضمام العرب أنفسهم بصورة أنشط في البحث عن حل سلمي للأزمةِ
وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى التصريح الرسمي المنشور في وسائل الاعلام السوفيتية وكان القصد منه ارسال الاشارة الى جميع العواصم العربية، وقبل كل شيء الى بغدادِ جاء في التصريح: 'تناول تبادل الآراء موضوعين: ضرورة تفعيل العامل العربي بشكل أقوى حيث يتوقف عليه قدر كبير لتفادي الانفجار المسلح في المنطقة والعواقب التي لا تحصى بالنسبة للعالم أيضاِ وآفاق تسوية قضية الشرق الأوسط بالكاملِ فقد أخرت الأزمة الكويتية التي أوجدت هذه المرة بذنب دولة عربية حل هذه المشكلة ودفعتها الى الوراءِ وقال ميخائيل غورباتشوف أن الظروف تطالب بأن على العرب أن يظهروا قدرتهم على التوحد السريع واتخاذ القرارات المشتركة خدمة لمصالحهم وصالح العالم أجمعِ فالوقت يتسارع ويحتاج الأمر الى ديناميكية عالية في استخدام كافة القنوات والاتصالات من أجل ايجاد حل عادل وسلمي للأزمةِ ولا نرى ان الوسائل استنفدت، بل يجب بذل قصارى الجهود بهدف تحقيق هذه الامكانية ومنع الانفجار المسلحِ وستنفذ قرارات مجلس الأمن بحزم وعلى العراق أن يتخذ المواقف الصحيحة بناء على التضامن الذي عبر عنه المجتمع الدولي باصداره هذه القرارات، وأن لا يحرج الوضع أكثر ويبحث من جانبه عن مخرج للأزمة'ِ
واستقبلت موسكو في أغسطس ضيفا مهما آخر هو وزير الخارجية اليمني عبد الكريم الاريانيِ
كان اليمن عضوا في مجلس الأمن ممثلا للعرب بشخص واحدِ وكان هذا سببا كافيا لأن يلبي الاتحاد السوفيتي رغبة الارياني في زيارته باهتمام كبيرِ زد على ذلك كان الارياني يمثل دولة جديدة هي جمهورية اليمن التي توحدت قبل أشهر باسم شطري اليمن الشمالي والجنوبيِ
تشكلت للاتحاد السوفيتي مع كلا البلدين في السنوات السابقة علاقات واسعة جدا شملت التعاون الاقتصادي والعسكريِ وكان من الواجب الآن تحديد كيفية عمل الاتفاقات المبرمةِ

المحادثات مع الأمير بندر

جرت في موسكو عدا المباحثات مع حمادي، العديد من الاتصالات الهامة مع ممثلي الدول العربيةِ تم أولها مع المبعوث السعودي الخاص الأمير بندر بن سلطانِ في بداية الأمر تحدثت معه ومن ثم ذهبنا مع بعض الى شيفيرنادزهِ تناولنا سابقا بعض لحظات الحديث ولذا سأسقطها هناِ أذكر فقط أن بندر عرض قصة الأزمة الكويتية ورد الفعل الأول للملك فهد ومحاولاته للاتصال بالرئيس العراق من أجل توضيح الحالةِ وفي اليوم الثاني من التدخل تمت المكالمة الهاتفية مع صدام حسين التي منحت القليل لادراك النوايا العراقية واتفقا على ايفاد نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي عزة ابراهيم الى الرياضِ حمل ابراهيم الى الرياض رواية الأحداث العراقية لما جرى ولم يحمل معه أي التزام ازاء الكويتِ وتحدث بندر عن ان صدام حسين 'وعد بمرور بعض الوقت بسحب القوات من هناك ولم يقم بذلك'ِ وأكد بأنه وعد بعدم نقل قواته الى حدودنا، غير أنه ركز أربع فرق عسكرية عليهاِ وأضاف: 'أخافتنا هذه الواقعةِ ورأينا انه يعد في جانب الحدود الآخر للعراق والكويت مليون جندي وخمسة آلاف دبابة وألف طائرة تقريباِ وانحصر تناقض التاريخ في أننا مولنا بأنفسنا خلق هذه الآلة العسكرية الهائلةِ وشعرنا بأننا نوجد في أوروبا الثلاثينات ونقف وجها لوجه أمام ألمانياِ وكان علينا التعلم من التاريخ ولا نسمح بتكرارهِ بعدها اضطر الملك فهد لاختيار الطريقة الأولى وطلب المساعدة لأننا شعرنا بخطر البقاء على قيد الحياةِ ونشرت في الأراضي السعودية عدا القوات الأميركية، القوات المصرية، السورية، المغربية، الباكستانية، البنغالية وكان الانكليز يقتربون من حدودناِ ونعتقد بأنه يمكن ويجب حل المشكلة بالوسائل السلمية وينبغي لأجل ذلك تأمين مراعاة العقوبات الاقتصادية بفعاليةِ ويجب أن يظهر العالم لصدام حسين انه وقع في عزلة كاملة ولا يستطيع الأمل في استدرار عطف أحد ماِ وللاتحاد السوفيتي في هذه الحالة دور خاص'ِ
شعرت بأن الأمير بندر دبلوماسي مجرب يبني حديثه بمهارة لكي يصل الى الهدف الرئيسي لمجيئه الى موسكوِ وبالفعل تابعت كلماته بعد أن توجه بتكليف حكومته بطلب الى الحكومة السوفيتية بارسال وحدات عسكرية الى المملكة العربية السعوديةِ وفسر الأمر بقوله: 'من الممكن أن تكون تشكيلة رمزية، لكن واقعة المشاركة بحد ذاتها هامة جداِ ستعتبر اشارة لصدام حسين بأنه لا يستطيع املاء شروطه على العالمِ ستمكث قواتكم على الأراضي السعودية بدعوة حكومتنا ويمكن أن تسحب فورا بعد انتهاء مهمتها'ِ
ذكر بندر بأنه تحدث قبل عدة أيام مع جورج بوش وأمس مع مرغريت تاتشر وأجمعا كلاهما على الرأي بأن الاتحاد السوفيتي قد يلعب دورا يليق به (لم يستطع الأمير اكمال حديثه لأنهم أخبروني بأن الوزير ينتظرنا)ِ
أشاد الأمير بندر في حديثه مع شيفرنادزه بميخائيل غورباتشوف والتفكير السياسي الجديد ودور الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى وعرض بايجاز موقف السعودية من الحالة الناشئةِ وانتقل بسرعة الى الموضوع الرئيسي قائلا انه من الهام جدا أن يعطي الاتحاد السوفيتي بالذات الاشارة الصحيحة الى بغداد لكي تنصرف من الكويتِ وقال الأمير ان الملك يحيل طلب المملكة الرسمي الى الرئيس السوفيتي بأنه يرحب في حضور القوات السوفيتية الى المملكة العربية السعوديةِ ويكفي أن تكون كتيبة واحدة، لأنه من المهم أن تفهم القيادة العراقية عدم اجازة اللعب بالنارِ
لم يجب شيفرنادزه فورا على السؤال المطروحِ واكتفى بعرض صورة كاملة لموقفنا وأكد على عدم شرعية الاستيلاء على الكويت وركز على الدور المركزي لمجلس الأمن في تصحيح الوضع وعلى أهمية العمل في المستقبل أيضا بواسطة مؤسسات الأمم المتحدة وفي اطار ميثاقها بحزم، لا سيما ان للميثاق امكانيات واسعة لتحقيق الأهداف المرجوةِ وتنحصر في الدرجة الأولى من هذه المرحلة مسألة تأمين تنفيذ نظام العقوبات بصرامةِ
وقال الوزير منتقلا الى الناحية العسكرية ان مكوث القوات الأميركية في السعودية لا يسرنا ومع ذلك نعتبره اجراء شرعياِ وواصل قوله: 'لا أظن ان اتخاذ قرار نشر قواتنا في بلدكم صحيحِ فلا توجد ثمة حاجة من الناحية العملية: هناك قوات مسلحة للسعودية نفسها وقوات أميركية ولدول عربية وغربية أخرىِ هناك عدد من القوات أكثر من الحاجة لرد العدوان ولن تضيف مشاركتنا كثيرا لأمن السعوديةِ ومن جهة أخرى لدينا صعوبات خاصة: أخذنا على عاتقنا الالتزام بعدم ارسال قواتنا الى خارج حدود الاتحاد السوفيتي وصرحنا بذلك أمام العالم أجمعِ ولنا تجارب مريرة في المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستانِ وحتى اذا اقترحت القيادة السوفيتية بارسال القوات الى الخارج من جديد فلا أظن بأن هذا الفعل سيحظى بتأييد الشعب السوفيتيِ وقلنا للعراقيين بوضوح اننا سنتصرف وفق روح قرارات مجلس الأمنِ ويعرفون موقفنا من ضم الكويتِ وزد على ذلك علينا المحافظة على قنوات الاتصال مع بغداد وقد يجدي ذلك فيما بعد'ِ
قال بندر بصدد توجه القوات السوفيتية: 'ان المساعدة في اللحظات التي يكون فيها البلد مهددا بالبقاء حيا لا تقدر بثمن'ِ وصرح بأن 'علاقاتنا الثنائية يمكن أن تتطور بسرعة كبيرة وحتى تتجاوز علاقات الاتحاد السوفيتي مع العراق'ِ
أكد شيفرنادزه ان مصير الكويت يقلقنا ولن ندافع عن المعتدي واذا اقتضى الأمر فسنوافق على قرارات مجلس الأمن الأخرىِ وينبغي العمل بشكل متتال وبحزم في اطار الأمم المتحدةِ أما العلاقات السوفيتية ـ السعودية فتعكرها مسألة واحدة وهي موقفكم من المسألة الأفغانيةِ ولكن نؤيد من حيث المبدأ تطبيع العلاقاتِ
قال بندر انه لدى الاتحاد السوفيتي والمملكة العربية السعودية على السواء 'حلفاء صعاب' وأعرب عن ثقته بأنه يمكن ايجاد حل مناسب للجميع فيما يخص المشكلة الأفغانية أيضا، ودعا الى بذل جهود اضافية في هذا المجالِ
وفي الختام وبعد أن أشار الأمير الى تكليف الملك طلب اخبار ميخائيل غورباتشوف باستعداد السعودية اقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الاتحاد السوفيتي ولا تتلخص المسألة الا في شيء واحد: متى؟ِ
قيل للأمير ردا على ذلك اننا نبقي حل المسألة وفقا لظروف الجانب السعوديِ وأشير هنا الى أن مسألة تبادل السفارتين حلت في غضون زيارة وزير الخارجية السعودي الى موسكو في 17 سبتمبرِ بمعنى أن المباحثات مع الأمير بندر كانت مفيدة في كل الأحوال وان اعتذرت موسكو عن تنفيذ طلب مشاركة الاتحاد السوفيتي في القوات متعددة الجنسيةِ