السبت، 4 يونيو، 2011

متى يلجأ الاطلسي الى روسيا ؟ 1


منذ فترة وموسكو تحولت الى قبلة السلامِ فقد وصل اليها احيانا ثلاثة وزراء خارجية غربيين والأمين العام للامم المتحدة في يوم واحدِ وتتابع وسائل الاعلام العالمية والغربية بشكل خاص تحركات المبعوث الروسي في البلقان فيكتور تشيرنومردين وتلتقط عدساتها ملامحه علها تعثر على السرور الذي تحدث عنه قبل مغادرته بلغراد متوجها لموسكو قبل ايامِ ويبدو انها المرة الأولى الذي يشعر الوسيط الروسي بالغبطة منذ بداية عمليات الاطلسي ضد يوغسلافياِ وتشير تكهنات المراقبين في موسكو بأنه لعل تشيرنومردين قد امسك ببعض نقاط التماس الكفيلة بالخروج من الأزمة.
كذب رسمي وحقائق غير رسمية
كان الخبراء العسكريون يعترفون في الأروقة بأن روسيا تنظر الى العملية العسكرية في البلقان خلافا 'للأوقات' السوفيتية، وسياستها أكثر واقعية من سياسة الاطلسيينِ ويقولون انه في غضون تفوق قوات الناتو المطلق تبقى المبادرة السياسية كليا في يدي الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتشِ ولم تغير الضربات الجوية الكثيفة موقف بلغرادِ وتذكرنا المؤتمرات الصحفية للناطق الرسمي باسم الناتو جيمي شيا بتلك التي كان يعقدها العسكريون الروس خلال الحرب الشيشانية، ويصرحون مثلا بأن الحملة العسكرية 'تحقق أهدافها بنجاح'، وان القوات المعادية تضعف بفعل الضرباتِ لكن المعلومات الصحفية تؤكد ان ميلوسيفيتش لا يستمر بعمليات التطهير العرقي فحسب، بل يحقق النجاح في معاركه ضد فصائل جيش تحرير كوسوفو.
ولا يخفي الخبراء العسكريون في الاطلسي في احاديثهم الخاصة نبرة الذعر التي تشوبها، فلم تصدق اعتباراتهم ب 'تأديب' ميلوسيفيتش او حتى تخويفه، ويستمر خروج اللاجئين من كوسوفو وتدخل العملية برمتها الى مأزق حقيقي.
لقد قال رئيس لجان الناتو العسكرية كلاوس ناومان وهو أحد قادة الحلف العسكريين شهر لجريدة 'واشنطن بوست' انه: 'لا توجد في التاريخ العسكري أمثلة على تحقيق النجاح العسكري باستخدام الطائرات فقط'ِ ومع ذلك فان زعماء الاطلسي السياسيين يعلنون جهارا ثقتهم بالنصر القريبِ يقول الرئيس بيل كلينتون: 'بدأنا العملية لننتصر، وسننتصر حتما'ِ ويرد عليه الأمين العام للحلف خافيير سولانا بقوله 'لا ننوي تغيير استراتيجيتناِ وسنحقق أهدافنا'ِ ويواصل الزعماء السياسيون دفع العسكريين لتقوية الضربات الجوية ويغذونهم بمزيد من الطائرات يوميا تقريبا لتدمير البنية التحتية العسكرية والاقتصادية اليوغسلافية.
وتقرر فرض الحظرالنفطي على يوغسلافياِ ومع ذلك لم يعط احد حتى الآن الاجابة عن السؤال المتعلق بآلية فرض هذا الحظرِ ويعترف كلاوس ناومان بنفسه بأنه وفقا للقانون الدولي ليس لسفن الحلف حق في اعتراض السفن أو تفتيشهاِ فالامم المتحدة لم تفرض العقوبات على امدادات النفط لبلغراد، والعقوبات مفروضة فقط على امدادات الاسلحة و'المواد المتعلقة بها'، ويحصل بان اعضاء الناتو قد ينسبون البنزين للمواد المتعلقة بالاسلحة.
التشنج الاستراتيجي
ومن وجهة النظر العسكرية ـ السياسية يمكن اعتبار كل ذلك كما قال احد الخبراء العسكريين الاميركيين بأنه 'تشنج استراتيجي' فلن يجبر قصف يوغسلافيا مهما كان نطاقه ميلوسيفيتش على التخلي عن كوسوفوِ وكانت الولايات المتحدة وقتها قد حاولت ايضا 'دك فيتنام بالقنابل لاعادتها للعصر الحجري'، كما كان يصرح القادة العسكريون الاميركيونِ ويعرف الجميع جيدا ماذا حصل في النتيجةِ كما ان توسيع القصف سيزيد حتما من عدد الضحايا بين السكان المدنيين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقيةِواذ يهتز الرأي العام العالمي لمشاهد الرحيل الجماعي لألبان كوسوفو حتى الآن معتبرا هلاك الصرب المدنيين 'نتيجة هامشية' لأخطاء الحرب، فقد تتغير الحالة بعد فترة قصيرة، وقد لا يبقى أحد في البلدان الغربية خاصة من يدافع عن 'عمليات الناتو الرائعة'ِ وقد لا يبقى حتى من يمكن الدفاع عنهم في كوسوفو او غيرها.
العمليات البرية
يرى الجميع بوضوح ان تطور عملية الحلف العسكرية لا بد وان يقود منطقيا الى العمليات البريةِ وقد بدا الاعداد لها في الواقعِ يجري الحديث عن نقل 4 آلاف شخص الى مقدونيا اضافة الى ال 12 ألفا المرابطين هناك منذ فترة ويلوح الاطلسي بطائرات 'أباتشي' ومنظومات المدفعية المتطورة جداِ وحسب معلومات أحد عسكريي الناتو الكبار فان العملية البرية قد تبدأ في سبتمبر بعد ان يتم تهيئة خمس فرق (قرابة 80 ألف فرد)ِ ويفترض مخططو العملية بأنه حتى في حالة اجراء عمليات محدودة النطاق فهدفها سيكون فرض نظام للحماية الدولية لكوسوفوِ وقدر بعض الخبراء الخسائر الناجمة عنها بفقدان البلدان المشاركة فيها الى ألف شخصِ ولم يحص أحد في خضم ذلك الخسائر المتوقعة التي سيمنى بها الطرف الآخر (الصرب والألبان)ِوهذه النتيجة تهدد الاطلسي بكارثة حقيقيةِ واذا استمر بالضربات الجوية فقط فستنتظره الخيبة، واذا بدأت العمليات البرية فسيغوص في المستنقع البلقاني لمدة طويلة، وسيمحو اي اثر لمنظومة الامن الاوروبيِ وستدخل اوروبا القرن القادم في حالة حرب قد تعطي المقدمات لحروب اخرى ناهيك عن اشتداد المجابهة بين الشرق والغربِ ومن المحتمل ان هذه الرؤية هي التي دفعت مجلس النواب الاميركي في مطلع مايو، بغض النظر عن اعتراضات البيت الابيض، لاتخاذ مشروع قانون يحظر فيه تمويل التدخل البري في يوغسلافيا بلا موافقة مسبقة من الكونغرسِ وشوش هذا القرار واحرج عمل الادارة الاميركية لأنه أفقدها امكانية مواصلة العمل بسكينة وسريةِ كما ان مصادقة الكونغرس على القرار تعني وجوب الانتصار بالحرب بأي شكل.
بلا خلافات
وكان من الطبيعي ان تجرى مناقشات حادة في لحظة اتخاذ مثل هذه القرارات الهامة للناتو حتى لو كانت في التكتيك على الاقل وليس في الاستراتيجيةِ فكان زعماء الحلف يتجادلون في مناسبات أقل خطورة بكثيرِ لكن الجميع أظهر هذه المرة مواظبة في الاقتناع بعبارة من نوع 'سننتصر لأننا سننتصر حتما' التي أرضت الجميعِ ولدى الرئيس الاميركي كل الأسس للتأكيد على ان الاطلسي بلغ درجة من الوحدة لم يكن لها مثيلِ ويمكننا ان نشير الى التلميحات التي كانت تهيج قاعة اجتماعات زعماء الناتوِ وان عبر رئيس الوزراء الايطالي عن الارتباك بصدد تدمير مركز التلفزيون اليوغسلافي وتصريح نظيره اليوناني بانه لا يمكن حل مشكلة كوسوفو بالقصفِ ولكن الزعيمين وقعا في النهاية على البيان الخاص بكوسوفو والذي كان بمثابة انذار نهائي لميلوسيفيتش في الواقع.
وينبغي عدم النسيان بان الناتو وعد بايقاف الضربات الجوية في حالة ايقاف ميلوسيفيتش العمليات الحربية في كوسوفو وسحب القوات الصربية بما فيها البوليس واستبدالها بقوات دولية وسماحة بعودة اللاجئينِ وهذه الشروط وافق عليها الرئيس اليوغسلافي منذ لقائه الأول مع رئيس الحكومة الروسية السابق يفغيني بريماكوف وجدد موافقته حتى اللقاء الأخير مع المبعوث الروسي و'أظهر' لتشرنومردين في اللقاء الأخير بشكل اقنع الوسيط الروسي استعداده لمواصلة العمل لتوقيع الاتفاقية السياسية مع ألبان كوسوفو.
فلماذا لا يتتبع المحاربون في الاطلسي خطى الوساطة الروسية؟ وبدلا من ذلك تسعى واشنطن ولندن لاقناع المتشككين بأنه ليس مناسبا الغرق في الجدال داخل الحلف وهو يخوض حربه الأولىِ زد على ذلك يحظى زعماء الحلف بتأييد واسع من الرأي العام المقتنع بعدم وجود فرصة للحلف لمواجهة التطهير العرقي غير انزال الضربات الجوية.