السبت، 4 يونيو، 2011

مناطق الوجود الإسلامي

كان المسلمون يقطنون حتى القرن السادس عشر، وقبل ضم امارة قازان الى روسيا، خارج الدولة الروسية. وانحصرت قضية الاسلام وروسيا ذاتها بصورة اساسية بالعلاقات السياسية الخارجية والاقتصادية في العالم الاسلاميِ اما علاقات روسيا مع هذا العالم فانحصرت في التعامل مع دولة 'الاورطة الذهبية' ـ التي وجدت على ضفاف الفولغا ـ المسلمة، ولو ان العامل الديني لم يمارس دورا بارزا فيها. ويلفت الانتباه ان المبشرين الارثوذكس المسيحيين قد اظهروا اكبر نشاط في فترة القرنين 13 ـ 14، وعملوا لصالح روسيا القديمة المهزومة امام زحف المغول التتارِ زد على ذلك وجد وقتذاك احتمال اعتناق دولة "الاورطة الذهبية" للعقيدة الارثوذكسية المسيحية وتحولها الى دين الدولة الرسمي بجذب الغزاة المغول التتار وعائلاتهم من صفوة القوم الى اعتناق المسيحية.

وكان تأثير الاسلام في دولة " الاورطة الذهبية " حتى نهاية القرن الثالث عشر ليس قويا نسبيا، لكن جميع الامراء المغول بعد بيركه (توفي في عام 1255) اعلنوا اسلامهم لدى توليهم الحكم وابلغوا جيرانهم بذلك.
وقد تميز حكام "الاورطة الذهبية " بالتسامح الديني تنفيذا لأمر جدهم جنكيز خان باعدام كل من يجلب الاهانات والاذى الى الاديان الاخرى.
ولكن مواقع الاسلام توطدت بعد مجيء الخان (الامير) اوزبيك الى السلطة (1312 ـ 1340) الذي حظر نشاط المبشرين المسيحيين في دولته. وفي هذه الفترة بالذات انتشر الاسلام في مناطق الفولغا. وخير دليل على ذلك تقلص عدد مدافن الوثنيين هناك. لكن حتى في عهد اوزبيك لم تجر المحاولات لنشر الاسلام في روسيا القديمة، اذ لم يجد حكام "الاورطة الذهبية" ضرورة لذلك.
لقد كانت الدعوة الى دين ما، في وسط دين آخر، مهمة صعبة في كافة الازمانِ لكن الحكام كانوا يغيرون اديانهم لاعتبارات سياسيةِ ففي عام 133 ميلادية اعتنق الاسلام الملك ستيفان فينغرسكي (الهنغاري) الذي حاول فيما بعد الرجوع الى كنف المسيحية، لكن المسلمين قتلوه لكفره وارتداده عن دينه.
لكن العامل الديني لم يمارس دورا كبيرا في توزيع القوى السياسية الخارجية غداة خروج دولة موسكو عن سيطرة " الاورطة ". ففي عام 1480 تشكل تحالف ضد موسكو يتألف من المملكة البولندية ـ الليتوانية وعلى رأسها الملك كازيمير الرابع والرهبانية التفتونية مع الدول المتحالفة معها وهي ديربت وريغيل وريغا وكذلك " الاورطة الكبرى" وعلى رأسها احد خانِ اما الامير ايفان الثالث فقد تحالف مع منغلي غيير امير القرم وعدو " الاورطة الذهبية ".

الانفصال

لقد ادى احتفاظ روسيا القديمة بعقيدتها الدينية الى انفصالها كليا عن الشرق، وتحولت نفسها الى الحدود الشرقية للعالم المسيحيِ وهكذا حدث الانفصال بين الحضارتين الاسلامية والمسيحية. من جانب آخر فان روسيا القديمة بقيت من دون حدود تفصلها عن الشرق عرقيا وحضاريا بسبب وجود البدو الرحل والوثنيين والمسلمين فيها، وكذلك بسبب رفضها قبول الكاثوليكية، مما ادى الى انفصالها وانخراطها عن تقاليد حضارة اوروبا الغربية، الامر الذي اصبح السبب الاول في تخلفها الدائم عن الغرب اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وعلميا وتقنيا وسعيها المستمر الى اللحاق بهِ
وهكذا فان عدم اعتناق روسيا للاسلام جعلها تنعزل عن الشرق، بينما ادى اعتناقها للعقيدة الارثوذكسية الى عدم ارتباطها بالغرب.
لكن علاقات الجوار القريبة والمتراصة وتوسع الصلات الاقتصادية والتجارية وغيرها بين المسيحيين والمسلمين وكذلك الزواج المختلط قادت تدريجيا الى زوال النقاء العرقي بين القوميات، بينما لم تؤد الى انهيار المنظومات العقائدية الدينية التي بقيت راسخة لدى الارثوذكسيين السلافيين والاقوام التركية الاصل والمسلمةِ علما ان استحثاث نشر الاسلام في دولة 'الأورطة' أدى الى هجرة بعض العشائر والأفراد مع عائلاتهم الى مناطق روسيا القديمة حيث فقدوا تدريجيا تقاليدهم القومية، لا سيما لدى الذين أرادوا رفع وضعهم الاجتماعي، ولم يتبق من اصولهم العرقية سوى الألقاب التي توارثتها الأجيال.
لقد اشتد ساعد الدولة الروسية ببطء وبدأب، ومع ذلك أصبحت حسب تعبير ربرت لاندا " داخل طوق اسلامي " ولو ان المقصود في بداية "الطوق الخارجي" الذي كان يحيط بروسيا من الجنوب والشرقِ ويعيد هذا الطوق الى الاذهان فكرة الباحث الاميركي زبيجنيف بريجينسكي حول عدم الاستقرار الاسلامي الذي نشأ في السبعينات والثمانينات في القرن الحالي تحت " الخاصرة " الجنوبية للاتحاد السوفيتي.

جيوب اسلامية

وبالرغم من ان روسيا القديمة كانت دولة ذات قومية واحدة فانه وجدت فيها جيوب اسلامية صغيرة مثل اقليم " ميشيرا " الذي ازدهر كمقاطعة ذات كيان دولة خاص بها، في القرن التاسع عشر ، وتحول الى حاجز يفصل روسيا عن السهوب ، او مثل امارة قاسموف وهي جيب اسلامي كبير نشأ في عام 1467 ميلادية على ضفاف نهر اوكا بالقرب من ريازانِ وقاد انتصار الامير التتاري اولغ محمد على ايفان الثالث امير موسكو الى تحول امارة قاسموف الى مركز اسلامي ملحوظ في داخل دولة موسكوِ وبعد التخلص من التبعية الى "الاورطة الذهبية" وكسب الاستقلال لم يلجأ امراء موسكو الى تصفية هذا الكيان الاسلامي بل بالعكس ابدوا كل رعاية ممكنة له وشجعوا بناء المساجد في مدينة قاسموف. وفي عام 1467 شيد اول مسجد في دولة موسكوِ وبهذا تحقق هدفان:
اولهما، اظهرت لجيرانها المسلمين احترامها لدينهم، وثانيا، جمعت في اراضيها اللاجئين المعارضين من مناطق حوض الفولغا الاسلامية المجاورة والذين تحولوا تدريجيا الى مبشرين بسياسة أمير موسكو المعظمِ
ولا بد من الاشارة الى ان الباحثين حين يبرزون العلاقات الوثيقة بين التتار المسلمين والروس، وبقربهم من الحضارة الروسية، فانهم لم يسجلوا حتى سقوط قازان اية محاولة لارغام اصل امارة قاسموف على اعتناق المسيحية.