الأربعاء، 8 يونيو، 2011

الخلاف الايراني ـ الاذربيجاني والصراع على نفط قزوين

بعد انتهاء الزيارة التي قام بها حسن روحاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الى باكو ويريفان، أفادت مصادر أذربيجانية أن زوارق حربية إيرانية دخلت المياه الإقليمية الأذربيجانية في وسط بحر قزوين والتي تبعد 50 - 80 كيلومترا عن الحدود البحرية الإيرانية مدعومة بالطائرات والمروحياتِ
وكان هدف الزوارق الإيرانية الظهور أمام مرأى سفينتين أذربيجانيتين كانتا تقومان بأعمال استكشافية وعلى ظهرهما خبراء من شركة 'بريتش بتروليوم' التي تدير مشروع استثمار حقول 'ألوف' و 'أراز' و 'شرق' (حسب التسمية الأذربيجانية)ِ وبعد التلويح الإيراني باستخدام القوة ضد أعمال الاستكشاف، أعلنت شركة بريتش بتروليوم وقف أعمالها، ليكون الإعلان بداية لحرب باردة إيرانية - أذربيجانية، سنحاول إلقاء الضوء على أسبابها وجذورهاِ
ادعاءات إيران
لم تخف إيران ما حدث في المناطق التي تعتبرها أذربيجان حدودها الإقليمية البحرية، وذلك لسبب بسيط وهو أنها تعدها منطقة تابعة لها وأطلقت عليها تسمية 'البورز'، ولكن فقط لو تم تقسيم بحر قزوين الى خمسة أقسام متساوية بناء على طلبهاِ
تجدر الإشارة الى أن عملية الزوارق الحربية الإيرانية لم تأت مباغتة، حيث استدعى وكيل وزارة الخارجية الإيرانية علي أخاني في وقت سابق القائم بالأعمال الأذربيجانية في طهران ليخبره بعدم سماح إيران بالمساس بحقول النفط التي تعتبرها إيران ملكا لهاِ ¹وأعلنت إيران، باسم المتحدث الرسمي للخارجية رضا آصفي، أن ما حصل لا يعدو كونه 'تدابير تتخذها إيران من أجل الدفاع عن حقوقها المشروعة'، مؤكدا عدم صحة نظرية المباغتة بقوله ان 'أذربيجان وشركات النفط الأجنبية كانت على علم بالمواقف الدبلوماسية لإيران فيما يتعلق بحقل البورز النفطي'ِ
ويعد هذا الإدلاء إشارة واضحة الى أن طهران لا تنوي سحب قطعاتها البحرية من المياه التي تعتبرها أذربيجان تابعة لهاِ زد على ذلك أن وزارة النفط الإيرانية قالت في بيان رسمي أن طهران ستعتبر أي عقد يوقع مع الشركات الأجنبية لمزاولة النشاط في 'القطاع الإيراني' بلا رخصة باطلا، وأن السلطات الإيرانية ستتصدى لأي نشاط يتعلق باستخراج النفط تمارسه أي شركة أجنبية في هذا القطاع، ولن توقع وزارة النفط أي عقد مع الشركات التي تقوم بنشاط مماثلِ
يذكر أن كميات النفط التي تم اكتشافها في هذا القطاع تبلغ 300 مليون طن ومنحت باكو حق استثماره للشركات : ستات أويل النرويجية، اكسون موبل الأمريكية وشركتان تركية وإيطالية بالإضافة الى شركة النفط الوطنية الأذربيجانية وبريتش بتروليومِ وإذا كانت الدول أعلاه قد فضلت الصمت لتطور الأحداث، فان السفير البريطاني في إيران بادر منذ لحظات التوتر الأولى بالتصريح، الذي يعد الوحيد حتى الآن، بقوله ان بريتش بتروليوم لن تشارك في النزاع بين الدولتينِ ويدل ذلك على أن اعتماد القيادة الأذربيجانية على مساندة الولايات المتحدة والدول الأوربية الأخرى التي تستثمر أموالا طائلة في حقولها عند اشتداد الخطوب ليس في محلهِ
جذور الصراع
للتذكير، فان التناقضات الإيرانية - الأذربيجانية ظهرت في اليوم نفسه الذي نالت فيه أذربيجان الاستقلال عام 1991ِ وتنبهت طهران لسعي القيادة الأذربيجانية، ذات الاتجاهات القومية المتعصبة، وقتذاك الى إثارة مسألة 'الأراضي الأذربيجانية التاريخية'، والمقصود بها أذربيجان الشرقية الواقعة شمال إيران، التي استقلت نسبيا في أعوام الحرب العالمية الثانية بفضل التدخل السوفيتي في الفترة 1942 - 1946 بمساندة قاعدة حزب تودة العريضة في الإقليم، إلا أن شاه إيران محمد رضا بهلوي سرعان ما استعادها نتيجة اتفاقات مؤتمر يالطا الذي ضم الثلاثي الشهير: روزفلت، ستالين وتشيرشلِ
وبات معلوما، أن البرلمان الأذربيجاني يدرس موضوع 'الاعتراف بالأراضي الأذربيجانية التاريخية' على جدول أعمالهِ وقد ناقشت لجنة حقوق الإنسان ولجنة الشؤون الخارجية ولجنة العلاقات البرلمانية بالبرلمان الأذربيجاني مسألة هذا الاعتراف، الذي يشمل كل الشمال الإيراني والشرق الجورجي ومناطق في الجنوب الروسي وكل أرمينيا!
ومن الواضح أن تسمية باكو في كل مناسبة للشمال الإيراني ب 'جنوب أذربيجان ' يثير حفيظة طهران المحافظة والإصلاحية على السواء، خصوصا أن بعض المراقبين يعزون تطورات الموقف السياسي - العسكري الراهن بين الدولتين الى جملة من العوامل السياسية الداخلية الإيرانية، منها سعي إدارة الرئيس محمد خاتمي الى تدعيم موقفها ضد تيار المحافظين، وبرأي بعض المراقبين فان هذه المظاهرة العسكرية في بحر قزوين جاءت لتفند مزاعم المحافظين عن إن الإصلاحيين لا يدافعون عن المصالح القومية العلياِ وقد تكون سياسة الأساطيل الإيرانية جاءت في التوقيت المناسب للرد على ما زعمته صحف غربية عن أن إيران مستعدة للتراجع عن مطالبها بتقسيم بحر قزوين الى خمسة أقسام متساويةِ
قضية كاراباخ
قال حسن روحاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في زيارته الأخيرة لباكو ويريفان بأن طهران تنظر الى دول جنوب القوقاز الثلاث (أذربيجان وأرمينيا وجورجيا) باعتبارها أقرب جيرانها في الشمال وتجد لها مصلحة في تحقيق الاستقرار في المنطقة عموماِ وحسب مصادر مؤكدة فان المبعوث الإيراني قد نقل الرسالة التالية للأطراف المتنازعة في الإقليم : أن إيران لن تسمح بتنفيذ خطة تبادل الأراضي بين أرمينيا وأذربيجان (هي الخطة التي أعدتها فرنسا والتي سيؤدي تنفيذها في نظر الإيرانيين الى القضاء على الحدود الأرمنية - الإيرانية المشتركة)ِ
ويحسب بعض المراقبين أن تنشيط الدور الإيراني في المنطقة جاء بموافقة الغرب، مستندين على شكوك المجموعة الغربية بجدوى تجاهل دور إيران، ومنها تصريح أحد رؤساء مجموعة مينيسك (هي المجموعة المكلفة من قبل منظمة الأمن والتعاون الأوربية لحل أزمة كاراباخ) الأميركي كيري كافانو والذي دعا الى ضرورة إطلاع الجانب الإيراني على مجريات المباحثات المتعلقة بأزمة كاراباخِ واستجابت طهران فورا الى هذا التصريح بتعيين موفد لها الى المباحثات منذ شهرين بالرغم من عدم توجيه الدعوة له لحضور المباحثاتِ
يذكر أن التقارب الإيراني - الروسي - الأرمني لم يخفه أحد الأطراف يوميا والذي يستهدف ضمن ما يستهدف إزاحة الغرب عن المنطقة، الذي عبر عنه روحاني بكل دقة بدعوته دول المنطقة الى ضرورة الحذر من تدخل القوى الخارجية في عملية السلام وضرورة تطوير محور الشمال - الجنوب الذي يلعب دوره الهام في تعزيز الاستقرار في المنطقة، منبها بأن بلاده تريد أن تكون أرمينيا إحدى الحلقات الرئيسية في هذا المحورِ
وتعتقد باكو أن هذا المحور يستخدم 'ورقة كاراباخ' لعرقلة مشروع مد خط أنابيب النفط من باكو الى ميناء جيهان التركي مرورا بتبليسي الجورجيةِ
وطهران على خلاف مع أنقرة التي تؤيد 'الاخوة الأذربيجانيين' بضرب الحصار على حدود أرمينيا والوقوف الى جانب أذربيجان في المنظمات الدوليةِ ويبدو أن الأسباب التي تدفع إيران لمساندة جارتها المسيحية التي تتنازع مع أذربيجان وتركيا، تتعلق أولا بحرص طهران على مصالحها الخاصة، فهي تبذل كل جهودها لمنع تكوين تكتل تركي موحد من شأنه تدشين مرحلة جديدة من مواجهة إيرانية - تركية تشكل خطرا كبيرا على وحدة إيران وتهديدا بتقسيمها، يضاف الى ذلك بالطبع مشكلة الحدود بين إيران وأذربيجان في بحر قزوينِ
تصدير الثورة
وتعتقد باكو بأن الدوائر الدينية الإيرانية تسعى لتغيير نظام الحكم في أذربيجانِ جاء ذلك بتصريح واضح أعلنه نائب وزير الأمن القومي الأذربيجاني توفيق بابايف باتهامه إيران 'بالقيام بانقلاب في أذربيجان' متهما 'جماعات إسلامية راديكالية بلغ نشاطها درجة خطيرة في الآونة الأخيرة '"ِ
وتحدث بابايف الذي بدا عليه بأنه يكشف الأسرار مضطرا بأنه سبق وأن 'أعدت القوى المحسوبة على إيران ممثلة بالحزب الإسلامي الأذربيجاني العدة لثورة إسلامية منذ سنوات'ِ غير أنه أكد على أن 'هذه القوى لم تتمكن من زعزعة الوضع، ولكن استطاع 300 شخص، على أقل تقدير، من المواطنين الأذربيجانيين أخيرا، تلقي تدريبات من مراكز للإسلاميين في داغستان'ِ
تجدر الإشارة الى أن أذربيجان قبل نشوب خلافها الحدودي على سطح البحر كانت تسكت عن هذا الخطر الكبير وحتى وزارة الخارجية الأميركية اعتبرت في تقريرها الأخير الذي قدمته الى الكونغرس بأن أذربيجان تتمتع ب 'روح إيجابية 'واصفة إياها بأنها البلد 'الذي يتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة التطرف (باكو تتعاون مع موسكو أيضا في هذا المجال بالرغم من علاجها للجرحى الشيشان في مستشفياتها الذي لم ينكره الرئيس حيدر علييف معتبرا ذلك لأسباب إنسانية'ِ
وهكذا فإن باكو قد فجرت مفاجأة بإعادة مصطلح 'تصدير الثورة' من قبل إيران الى أذهان الغربيين والرأي العام، وتأتي المفاجأة أنها في خضم الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، ويخف وقعها لمن يعرف أن هدفها تشويه سمعة إيران حتى في عيون روسياِ
ولا يقتصر الهدف من إعلان السلطات الأذربيجانية عن خطر التطرف الى تدعيم موقفها في الساحة الدولية تحسبا لاحتمال توسيع رقعة المواجهة مع إيران، بل يتعدى هدفها الى حشد تأييد دول العالم للتوصل الى حل 'جذري' للخلاف بينها وبين أرمينيا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب الدولي)'ِ
لقد ارتبط الإسلام في أذربيجان بالزعيم الديني الشيعي شكر الله باشا زاده الذي كان يؤيد كل أنظمة الحكم التي عاصرهاِ وفي الوقت نفسه يحظى بشعبية كبيرة في البلادِ وبالرغم من أن صحف المعارضة توجه انتقادات الى الرئيس حيدر علييف، لكنها لم تمس زاده حتى الآنِ
وخلال عقد مؤتمر إسلامي تحت عنوان 'انتباه' لدراسة عوامل الصحوة الإسلامية في باكو وحضره رجال دين واقتصاد وسياسة من بلاد عدة بما فيها روسيا، لم يشهد ادعاءات واضحة ضد الرئيس حيدر علييفِ غير أن المشاركين في المؤتمر لاحظوا دعوات أغلب الحضور الى تمتين علاقات أذربيجان مع كل من إيران وروسياِ
وعليه فإن تأثير إيران أصبح واقعا عمليا في أذربيجان، بعيدا عن مصطلح 'تصدير الثورة'ِ فالنفوذ الإيراني ينتشر تلقائيا بسبب توسيع رقعة العلاقات الاقتصادية والثقافية والدينية بين البلدينِ
غير أن 'الخطر' برأي السلطات الأذربيجانية ذات الميول التركية، أن الأذربيجانيين المقيمين في إيران، كانوا دائما طرفا فاعلا في الحياة السياسية الإيرانية، وكان حزب توده وتنظيما اليسار الشيعي 'مجاهدي خلق' و 'فدائيي خلق' وحركة الخميني تعتمد على الأذربيجانيين الى حد كبيرِ ويقيم ماهر جوادوف وهو أحد رموز المعارضة الأذربيجانية اليوم في إيران، ويقال ان مرشد الثورة علي خامنئي ذو أصل أذربيجاني أيضاِ
ويعتقد بعض المحللين الاستراتيجيين الروس بأن ممالأة باكو لأنقرة ورغبتها في توسيع العلاقات السياسية والعسكرية مع حلف شمال الأطلسي يشكلان خطرا على روسيا وإيرانِ لذا فإن من مصلحتهما (روسيا وإيران) تنشيط الحركات السياسية الشيعية في أذربيجان، وبكلمة أدق: نشر النفوذ الإيراني كون إيران حليفة روسيا الاستراتيجيةِ بالإضافة الى ذلك فإن النفوذ الشيعي في جنوب القوقاز لن يؤثر على المسلمين في روسيا لأن غالبيتهم من السنةِ أما إذا مدت تركيا نفوذها الى جنوب القوقاز فسيؤدي ذلك بالضرورة الى تفاقم الوضع المتأزم أصلا على روسياِ
جيرة وأنابيب نفط وخطوط مواصلات
جيرة أذربيجان لإيران خاصة جدا، وكما ذكر فإن كلا من إيران وتركيا تسعيان لجرها في مجال نفوذهماِ وتنظر أنقرة لباكو كقناة هامة لتغلغلها في آسيا الوسطى ويشترك الخبراء الأتراك علنا في تدريب الجيش الأذربيجانيِ
وتتوافق مصالح روسيا وإيران في أرمينيا، ففي الوقت الذي تعتبر فيه روسيا أرمينيا حليفة أرثوذكسية تقليدية لها في القوقاز فإن الصلات التاريخية والمصالح الجيوسياسية تربط يريفان بطهرانِ وتؤيد إيران على خلفية منافستها لتركيا، مصالح أرمينيا في كاراباخ والأهم في كل ذلك، أن أرمينيا الموجودة في نطاق النفوذ الروسي تستطيع مراقبة تحقيق مشروع بناء خط أنابيب النفط عبر أذربيجان - جورجيا - تركياِ وتعتبر القوات المسلحة الأرمنية ذراعا هاما للتأثير على باكو في كل المشاريع النفطيةِ وبناء على موقف موسكو المتحيز لأرمينيا من الحالة في كاراباخ ليس من المستغرب أن يبدي الكرملين بعد إقالة الرئيس الأرمني ليون تير بيتروسيان رأيه في أنه معني بالربط بين قضية كاراباخ والنزاعات النفطية في المنطقةِ
ويعتقد الروس بأن أذربيجان كانت تستطيع حل مشكلة كاراباخ على نحو أكثر فعالية مع روسيا وإيران وأرمينيا وليس مع تركيا ومنظمة التعاون الأوربية نظرا للعلاقات التقليدية الموروثة من الاتحاد السوفيتيِ وبعد مرور سبع سنوات من استقلال أرمينيا لم تقم أنقرة علاقات دبلوماسية مع يريفان، بل كانت تجري مناورات عسكرية مستمرة عند حدودهاِ
وبعد استلام حيدر علييف السلطة في اذربيجان تحسنت العلاقات الأذربيجانية - الإيرانية وخاصة بعد طرد القوميين بزعامة أبو الفضل التشي بيه من السلطة في أذربيجان الذين كانوا يوالون تركيا بشكل متطرف، غير أن علييف لم يصمد أمام الضغوط الأميركية لدفعه بالاتجاه التركي وتجاهل إيران تماما في كل المشاريع الأذربيجانية الخاصة بنفط قزوينِ
وتصبح أرمينيا لروسيا وإيران الحليف المهم قدر توطد العلاقات الأذربيجانية - الجورجية المنساقة بالاتجاه التركي، خاصة بعد أن وقع البلدان اتفاقا استراتيجيا للتعاون العسكري والأمني مع تركيا ويشمل التعاون العسكري إسرائيل أيضاِ
وطهران كموسكو، معنية بإنشاء ممر نقل في القوقاز يمتد من الشمال الى الجنوب ومرتبط بتركمانستانِ ومن الواضح أن أنقرة تسعى الى توجيه سيل بضائعها في الإقليم من الشرق الى الغربِ
وتخطط روسيا وإيران لتوجيه مسارات المواد الخام من دول آسيا الوسطى عبر الأراضي الإيرانيةِ وأحد المشروعات الكبرى اشتراك إيران في تشييد خط السكك الحديد سباركس - مشهد، ليكون بعد إدخاله في دولاب العمل خط النقل الوحيد الذي يعبر آسيا ويربط إيران ودول آسيا الوسطى والصين وتركيا وأقصر طريق من آسيا الوسطى الى الخليج العربيِ وتنشأ من تركمانستان بمساعدة إيران بنية تحتية لمنطقة اقتصادية حرةِ وبمشاركة روسيا وكازاخستان وتركيا هناك مشروع طويل الأجل لمد أنابيب للغاز من تركمانستان الى أوروبا عبر إيرانِ ووقعت طهران اتفاقية في عشق آباد عن بناء خط أنابيب الغاز الى شمال إيران وفيما بعد الى أرمينياِ ويعد مشروع مبادلة النفط بين كازاخستان وإيران من أهم المشاريع الاستراتيجية، وتنحصر أهميته في أن كازاخستان ستصدر النفط الى شمال إيران عبر بحر قزوين وستشحن إيران في الخليج العربي نفس كمية النفط التي وصلتها من كازاخستانِ
عامل النفط
ويلعب هذا العامل الدور الأهم في كل المحاور المؤسسة وفي طريقها الى التأسيس في هذا الإقليمِ وروسيا معنية بتوجيه النفط من حوض قزوين الى نوفوروسيسك وكان مقبولا لها أن يجري جزء من النفط عبر سواحل جورجيا في البحر الأسود أو عبر إيرانِ والمهم لها أن يوجه النفط من البحر الأسود الى بلغاريا واليونان في مسار بورغاس - الكسندر بولس وليس عبر مضايق البحر الأسود التي تسيطر تركيا عليهاِ
وإذا كانت روسيا قد قدمت لإيران طبق الغاز التركماني وجزءا من النفط الأذربيجاني ليمرا عبر أراضيها، فان الاتفاق الروسي - الإيراني المشترك سيحل مشكلة 'النفط المتأخر 'الذي سينهمر من أذربيجان مع حلول عام 4002، وستكون النتيجة لصالح موسكوِ
غير أن علييف ما زال يدعم مشروع مسار جيهان التركي وليس مسار نوفوروسيسك الروسي أو باكو - سوبسا الجورجيِ وسيقوض تحقيق هذا المشروع بجد نفوذ روسيا ومن ثم إيران في منطقة جنوب القوقاز وسيرفع من شأن المصالح التركية عالياِ
لقد شعرت واشنطن بظهور رابطة موسكو - عشق آباد - طهران - يريفان وحاولت التصدي لذلك بدفع مشروع بناء خط أنابيب النفط والغاز من قاع قزوين الى أذربيجان مباشرة وفيما بعد الى جورجيا وتركياِ وتعتقد مصادر روسيا بأن الولايات المتحدة ستعمل في المستقبل القريب على ضرب المصالح الإيرانية والتركمانية والأوزبكية والكازاخية بعضها بالبعض الآخر لكونهم المنافسين الرئيسيين المستقبليين في أسواق مواد الخامِ
لذلك فان محور موسكو - طهران يجد نفسه مبررا في كل الأحوال حسب الواقعية الجيوسياسية الجديدةِ ومن المفهوم تطابق مصالح روسيا وإيران في الكثير مما يحدث في ما وراء القوقاز وآسيا الوسطى وفي النزاعات الإقليمية وفي مجال صناعة الطاقة وخطوط الأنابيب وغيرهاِ وتعمل إيران في طاجيكستان المتحدثة بالفارسية كاراباخ بتنسيق كامل مع روسياِ وتعيق إيران عمليا تحول الخارج القريب الروسي في الاتجاه الجنوبي الى مناطق حاجزة لحلف الأطلسي بالرغم من إيران تشترك مع روسيا لخصومتهما لاستراتيجية النزعة الأطلنطية، الأمر الذي يشجع روسيا وإيران أكثر من غيرهما للعب دور كبير في بناء تحالف جيوسياسي قوي في المناطق الأورو - آسيوية بعيدا عن أحلام وصول روسيا الى المياه الدافئة عبر إيران أو العراقِ
بحر السلام والصداقة
عند لقائهما في موسكو، أكد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني محمد خاتمي في بيانهما حول بحر قزوين وجوب أن 'يبقى بحر قزوين بحر السلام والصداقة "ِ وبعد انتهاء المقدمة الدافئة وضحا موقفيهما بأن 'روسيا وإيران لن تعترفا بأية حدود في بحر قزوين ريثما يتم تطوير الوضع القانوني للبحر وسوف تمضيان في هذا المنطلق في مختلف المجالات عن طريق وضع الآليات القانونية المطلوبة'ِ
وتفسير العبارة الأخيرة لدى موسكو وطهران ينسجم مع مضي البلدين في توسيع التعاون الثنائي وفقا لما تم الاتفاق عليه بمقتضى المعاهدة التي وقعها الاتحاد السوفيتي وإيران في 26 فبراير 1921 والاتفاقية التجارية بينهما في 52 مارس 1940ِ
واتفق الرئيسان الروسي والإيراني في لقائهما الأخير بأنه 'لا سيران لأي قرار بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين واستثمار ثرواته إلا بعد أن تتبناه جميع الدول الخمس المطلة عليه'ِ
وأشارا في البيان نفسه الى نقطة هامة وهي أن 'تطوير النظام القانوني لبحر قزوين واستخدامه أمر يدخل في صميم اختصاصات الدول المطلة عليه ومن غير الجائز تدخل البلدان الأخرى في هذه الأمور، ناهيك عن وجود قوات مسلحة لدول لا تطل على بحر قزوين'ِ
ولعل بوتين وخاتمي قد أوجزا في بيانهما المشترك الموقف الروسي والإيراني برمتهِ وكان رد الفعل الأذربيجاني سريعا بدوره على النقاط الجوهرية في البيان والتي جاءت على لسان وزير خارجيتها الذي أوجز موقف بلاده تاليا :
- ان نهج أذربيجان لتطوير العلاقات مع الغرب بما في ذلك الولايات المتحدة 'وحيد وصحيح' وهي بذلك لا ترتكب أخطاء استراتيجية ولا تاريخيةِ
- المطالبة بتغيير الوضع القانوني لبحر قزوين لصالح روسيا وإيران يستند الى حجج واهيةِ فالجزء من بحر قزوين الذي تملكه أذربيجان وضع في عهدتها عندما كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتيِ
- في ما يتعلق بالاتفاقية الموقعة بين روسيا وإيران عام 1921 والتي يريدون اتخاذها ذريعة لتغيير الحدود في بحر قزوين فان أذربيجان لا تعترف بمشروعية هذه الاتفاقيةِ
- بخصوص اتفاقية 1940 فإنها لا تتناول موضوع استثمار الحقول النفطيةِ هناك قرار مشترك أصدرته وزارة النفط في الاتحاد السوفيتي والحكومة الأذربيجانية في 18 يناير 1991 يقر بحق أذربيجان في الاستثمار في الجزء العائد إليها من بحر قزوين والحقول النفطية الكائنة فيهِ
وفي عشق آباد قال الرئيس التركماني صبر مراد نيازوف تعليقا على هذه المناوشات بأن تركمانستان تدعو الى تقسيم بحر قزوين وفقا لميثاق الأمم المتحدة الخاص بقانون البحارِ فيما يكون وسط البحر بعرض عشرين ميلا متاحا للملاحة الحرةِ
وكان من المقرر أن تستضيف مدينة تركمان باشا اللقاء بين رؤساء الدول الخمس في 8 مارس الماضي، إلا أن هذا اللقاء تأجل بطلب من إيران الى 14 أبريل وتأجل مرة ثالثة عقب مكالمة هاتفية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وصبر نيازوف بناء على طلب الأخيرِ ولم تعقد القمة الخماسية حتى الآن ! (قيل ان حيدر علييف طلب تأجيل القمة بسبب وجوده في الولايات المتحدة للعلاج)ِ
وفي كل الأحوال اعتبرت روسيا وإيران هذا التأجيل خيرا لها، حيث أكدت إيران التزامها بما أكد عليه الرئيسان بوتين وخاتمي في موسكو بأن تستثمر الدول الخمس ما تحويه منطقة عرضها 20 ميلا وسط البحر بصورة مشتركة وتقسيم البحر خمسة أقسام متساوية وهذا ما ترفضه أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، حيث لا يريد أحد منهم تقاسم ما يعتبره ملكه مع إيرانِ
خلافات لانهائية
وآخر اتفاق نظري معلن بشأن قزوين يتضمن اعتراف روسيا وكازاخستان وأذربيجان بتقسيم البحر ليكون في قعر البحر حتى وسطه خاصا لكل دولة مطلة عليه، فيما تظل المياه موضع استغلال مشتركِ أما تركمانستان فتطالب بتقسيم قعر قزوين ومياهه على السواء مع ترك منطقة عرضها 20 ميلا للملاحة الحرةِ أما إيران التي تمتلك 13 % من مساحة الساحل فتدعو لأن يكون بحر قزوين بكل خيراته موضع استغلال مشترك أو يتم تقسيمه بثرواته الكامنة في قعره ومياهه الى خمسة أقسام متساوية، أي أن تمتلك كل دولة 20 % من مساحتهِ
وتأجيل اللقاء الخماسي أكثر من مرة يعني أن حسم الخلاف بين روسيا وأذربيجان وكازاخستان من جهة وإيران وتركمانستان من جهة أخرى وإيران وكل دول قزوين من جهة ثالثة ما زال بعيداِ واكتفت روسيا بتنشيط مجموعة العمل ولو على مستوى نواب وزراء الطاقة في البلدان الخمس المعنيةِ
وثائق وتعقيدات
بدأت المعاهدات تنهال على قزوين منذ عام 1813 والتي وقعتها إيران مع روسيا في جوليستان تلتها معاهدة 1828 في تركمانشاي، نصت على أن لا يحق لأحد غير روسيا امتلاك أسطول حربي في بحر قزوين مما يعني خضوع البحر للإرادة الروسيةِ وتنازلت روسيا عن الساحل الجنوبي لصالح إيران طبقا لاتفاقية 1921، الى أن أصبحت اتفاقية عام 1940 الأخيرة بشأن بحر قزوين التي يعترف بها المجتمع الدوليِ
وثمة وثائق تؤكد خصوصية وضع بحر قزوين كحوض مائي مغلق التي اعترف بها المجتمع الدولي بدليل أن قانون هيجينس وكولومبس وهو جزء من فلسفة قانون البحار، يصنف بحر قزوين كحوض مائي مغلقِ لذلك تختلف الدول المطلة على البحر على تسمية قزوين : هل هو بحر أم بحيرةِ وبالتالي لا تنطبق على بحر قزوين المصطلحات والقوانين الخاصة بالبحار مثل الجرف القاري أو المياه الإقليميةِ وهذا ما تركز عليه إيران الآن وتنفيه أذربيجان، حيث تدعي الأولى بأنه ليس من الجائز قيام أي من الدول الجديدة بخطوات تهدف الى ضم ما يسمى بالجرف القاري الى سلطتها واستقدام شركات أجنبية لاستغلال ثرواته مستندة على الاتفاقيات السوفيتية الإيرانية الخاصة ببحر قزوينِ
إحصاء الغنائم
تشير الدراسات التي أجراها الجيولوجيون الروس الى أن قاع بحر قزوين يحتوي على 12 بليون طن من الوقود بما في ذلك 7 بلايين طن من النفطِ وإذا تم تقسيم البحر باعتباره بحيرة حدودية فان حصة كازاخستان ستبلغ 5ِ4 بلايين طن وأذربيجان 4 بلايين وروسيا بليونين وتركمانستان 5ِ1 فيما يبقى نزر ضئيل لإيرانِ
أما إذا صنف بحر قزوين باعتباره حوضا مائيا مغلقا فستكون هناك مياه إقليمية حتى 12 ميلا من الشاطئِ ومن حق كل دولة مطلة عليه استغلال مكامن النفط وسط البحرِ وتحتوي المياه الإقليمية التابعة لكل من أذربيجان وكازاخستان على بليون طن من الوقود وروسيا وتركمانستان على 5ِ0 و3ِ0على التواليِ وتحتوي حقول النفط والغاز الكائنة حاليا في المنطقة الإيرانية خلف الخط الحدودي أسترا - حسن كولي على 800 مليون طن من الغاز و 100 مليون طن من النفطِ
والطريف في كل هذه الأزمة أن أذربيجان ما زالت تشتري النفط من روسيا لأنها لا تستطيع الارتفاع بمستوى إنتاج النفط ولأنها تعاني من مشاكل فنية ومالية ونقص في الأيدي العاملة المدربة!!