السبت، 4 يونيو، 2011

أبرز المحطات التي ساهمت في انتشار القرآن في روسيا 2

صدرت الطبعات الخاصة من المطابع العربية خلال 11 عاما ( 1787 - 1798) ست مرات وانتشرت على نطاق واسع بين العلماء الأوربيين وكانت لها أصداء إيجابية ، إذ أشاد بها مستعربون بارزون مثل سيلفستر دي ساسى ( 1758 - 1838 ) في فرنسا وشتسورير ( 1742 - 1822 ) في ألمانيا. وقد اشتهر القرآن المطبوع في بطرسبورغ بسرعة وصار في مصاف طبعات ماراتشي وهنكلمان النادرة التي صدرت في أواخر القرن السابع عشر. وفي روسيا ذاتها نقلت الحروف الى مدينة قازان في سنة 1812 تخمينا ، وأصبحت أساسا لطبعات القرآن القازانية التي انتشرت على نحو واسع في روسيا والشرق في القرن التاسع عشر وجرى تقليد هذا النموذج ، وإن كان بوتائر بطيئة ومع مستهل القرن العشرين ، في البلدان الإسلامية : تركيا أولا ، ثم في مصر والهند.

تجدر الإشارة الى أن الأكاديمية الدينية في قازان موقعا هاما في مجال دراسة القرآن. وكان من أشهر علمائها إيلمينسكي ( 1822 - 1891 ) الذي تخرج فيها عام 1846 وصار مدرسا للغة العربية هناك. وفيما بعد أوفد إيلمينسكي الى البلدان العربية لفترة سنتين ونصف السنة مما أتاح له فرصة توسيع معارفه الدينية.

وتتلمذ على يد إيلمينسكي في الأكاديمية الدينية بقازان سابلوكوف ( 1804 - 1880 ) والتي ستكون ترجمة القرآن الموضوعة بتنفيذه واحدة من الأشهر طوال مائة عام تقريبا وهو من أكبر من المختصين بالإسلاميات ويرتبط اسمه بمدرسة قازان. وفي سنة 1862 تقاعد سابلوكوف وعكف على دراسته. وقد احتلت مواقع الصدارة بين اهتماماته ترجمة القرآن التي كرس لها جهودا كثيرة وعكف خلال عشرات السنين على دراسة القرآن وبخاصة في ضوء أحدث التفسيرات. وصدرت هذه الترجمة عام 1878 ، أي حينما بلغ سابلوكوف الرابعة والسبعين من العمر وأعيد طبعها في سنتي 1894 و 1907 وظلت الترجمة الوحيدة الى الروسية ، المعتمدة على الأصل العربي.

ولسابلكوف مؤلفات قيمة لها صلة بدراسة القرآن. وتعد " ملاحق ترجمة القرآن " المنجزة في الفترة 1879 - 1898 الدليل الذي لا يستغني عنه أي قارئ وبحاث في مسائل القرآن وترجمته الروسية. ويضاهي مؤلف العالم الفرنسي جول لابوم الصادر في العام ذاته.

ويتبوأ كريمسكي موقعا خاصا في حقل دراسة القرآن من قبل علماء الإسلاميات في روسيا. وأولى اهتماما كبيرا لأكثر الآثار الإسلامية قيمة قي التاريخ. وعمل كريمسكي على دراسة القرآن الذي كان له رأي شأنه شأن العديد الكبير من الباحثين الأوربيين بأنه يتفوق كثيرا عند مقارنته بالإنجيل.

ومقارنات كريمسكي بين القرآن والإنجيل وبينه والشعر الجاهلي جعلته ينتهي الى أن لغة القرآن لها من السمو والمهابة التي يجعلها تتفوق على كل ما قيل قبله وبعده.

واسترعى كريمسكي انتباه الباحثين الى أن القرآن عجل في تكوين اللغة الأدبية العربية وساعد على تثبيت قواعد النحو والصرف فيها.

لذلك دافع كريمسكي عن قيمة القرآن بوصفه أول أثر مدون وعليه اعتمد الأدب العربي فيما بعد. وقال أن المرء لا يمكن أن يحس بعظمة الأثر ما لم يفهم روح العصر الذي ظهر فيه.

طبع النص الكامل للقرآن

وأصبح طبع النص الكامل للقرآن الكريم في عام 1787 لأول مرة في روسيا في مطبعة أكاديمية العلوم الروسية في بيتربورغ وبأمر إيكاترينا الثانية حدثا كبيرا. وتم طبعه بالحروف المطبعية المصبوبة خصوصيا لهذا الغرض والتي نسخها أفضل الخطاطين وتفوقت على كل الحروف المطبعية الموجودة في مطابع أوربا حينذاك. وتكررت الإصدارات عدة مرات وكانت أساس ما تم إصداره في القرن التاسع عشر.

توالي ترجمات القرآن

وظهرت في عام 1790 ترجمة أخرى للقرآن الكريم وكان الأديب الروسي الشهير فيروكين صاحبا لهذه الترجمة. كان وقتها مديرا لمدرسة ثانوية في قازان ، حيث أدخلت قواعد تعليم اللغات الشرقية بفضل جهوده. وظهرت بعد عامين في بيتربورغ ترجمة القرآن الكريم الرابعة ( الثالثة من التي تم طبعها ) والمنفذة من قبل كولماكوف الذي اعتمد النص الإنجليزي الجيد المترجم من قبل سايل.

تأثير القرآن على الآداب الروسية

ولعبت ترجمة فيروفكين للقرآن دورا هاما في تاريخ الآداب الروسية. واستطاع هذا الأديب والكاتب المسرحي الموهوب أن يضفي على ترجمته الدقة التي حافظت على معاني القرآن الرفيعة والتي استرعت انتباه شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين الذي أذهله القرآن وشعر بعمق صوره وإعجازه وقوة التعبير عن الأفكار. واعترف بوشكين بعد ذلك بأن هذا أول كتاب مقدس بهت مخيلته. ولشدة إعجاب بوشكين بسور القرآن بدأ عام 1824 بتأليف مطولاته الشعرية وسلسلته التي أطلق عليها " محاكاة القرآن " والتي عالج فيها 33 سورة كريمة. وساهمت أشعار بوشكين الواسعة الانتشار في ذلك الوقت بلا شك في تنمية وزيادة الاهتمام بالقرآن وسط دائرة واسعة من القراء الروس. وشهد على ذلك ظهور الترجمات الأخرى ، خاصة تلك التي قام بها نيكولاييف في عام 1864 المعتمدة على الترجمة الفرنسية للمستشرق والدبلوماسي الشهير كازيمرسكي.

وكانت ترجنة نيكولاييف في النصف الثاني للقرن التاسع عشر تتمتع بالشعبية في روسيا مثل نسختها الأصلية في فرنسا. وصدرت خمس مرات حتى عام 1901. ومع ذلك كانت الترجمة الأخيرة منفذة من النص الفرنسي لا من الأصل.

أول ترجمة من النص العربي

وحدثت في سبعينات القرن التاسع عشر أول ترجمة روسية من النص العربي للقرآن الكريم. وكلف فريقان لتنفيذها عمل كل منهما بمعزل عن الآخر. ونفذ الفريق الأول مهمته في عام 1871 بواسطة الجنرال بوغسلافسكي الذي عرف اللغة العربية من خلال دراسته لها في الكلية الشرقية بجامعة بيتربورغ وعمل سنوات عديدة مترجما في السفارة الروسية في استنبول. وتميزت ترجمته بدقة عالية وقدرة أدبية فائقة. وللأسف رفض بوغسلافسكي نشر عمله بعد أن عرف بصدور ترجمة سابلوكوف في قازان عام 1878.

وعلى هذا النحو يكون المستشرق سابلوكوف شرف إصدار أول ترجمة روسية للقرآن عن النص العربي. وقدر لهذه الترجمة المكررة مرتين فيما بعد ، أن تلبي خلال مائة عام تقريبا حاجة العلم ومحبي القرآن ومتطلبات القارئ الروسي. وما زالت مصطلحات القرآن الكريم وتفسيراته الأخرى في روسيا تعتمد على ترجمة سابلوكوف حتى يومنا هذا.

قاموس القرآن

وتحققت في قازان نفسها في الأعوام 1861 - 1863 أول تجربة لإعداد قاموس خاص للقرآن ومصطلحاته نفذها المستعرب غوتفالد وعمل أصلا في القاموس الممتاز والمختارات الأدبية الصادرة من قبل غيرغاس في عام 1881 ويعمل ويستفاد من هذا القاموس حتى الآن المستشرقين الروس.

إصدار الأعمال الإسلامية

وفي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين صدرت أجزاء من القرآن الكريم بإعداد كبيرة جدا وكذلك السيرة النبوية الشريفة والكثير من الكتب التي درست تاريخ الإسلام الى جانب أبحاث خاصة لأشهر المستعربين الروس مثل : غيرغاس ، روزين ، بارتولد ، شميدت ، كيديمسكي ، كراتشكوفسكي وغيرهم. وكانت هذه الأعمال مختلفة القيمة من حيث العمق والجودة وعكست اختلافات مستوى نعارف أصحابها وتنوع متطلبات المجتمع الروسي في ذلك الوقت الذي كانت فيه ثمان مدن روسية تمتلك مطابع عربية.

ولا يمكن تحديد إصدارات القرآن من هذه المطابع بالتحديد وبدقة. وتبقى نصوص القرآن القديمة الصادرة في قازان أساسا لكل الإصدارات اللاحقة وكذلك الإصدارات القليلة في الحقبة السوفيتية عام 1923 و 1956 . وتم تغيير هذا النص بالنص الرسمي الذي صدر في القاهرة في الأعوام 1919 - 1928 . وعملت طشقند على اعتماد هذا النص عام 1960 وأصبح نموذجا للإصدارات التالية.

وأصبح نشر ترجمة القرآن الكريم الذي عكف على إعداده سنوات طويلة العالم والأكاديمي الروسي إيغناتي كراتشكوفسكي مساهمة كبيرة في دراسة القرآن. وأدخلت ترجمته في خطة نشرات " الآداب العالمية " ، غير أن وزير ثقافة ستالين ، أندريه جدانوف منع إصداره. وبقى هذا الجهد مخطوطا حتى عام 1963 حيث نشر بإعداد قليلة. وبعد ظهور سياسة البيريسترويكا تم إصداره مرتين في عامي 1986 و 1990 من قبل دار نشر ناؤوكا ( العلوم ) . ويعترف المهتمون بتفوق هذه الترجمة على كل الترجمات الروسية الأخرى من حيث الدقة اللغوية التي تقترب لأول مرة من فهم النص العربي المماثل.

وتجدر الإشارة الى أن كراتشكوفسكي سعى الى أن تكون ترجمته أقرب ما يمكن الى الأصل من حيث الشكل والمضمون وخالية من التأويلات التقليدية. وبفضل الموقف النقدي الذي اتخذه كراتشكوفسكي من الأساطير والتفسيرات الفقهية للقرآن ، أخذ يستخدم لقراءة وفهم المواقع الصعبة في القرآن مواد من البيئة اللغوية ، الشعرية والنثرية ، لتلك الحقبة. وقد حال الموت كراتشكوفسكي دون إنجاز العمل وتحرير النص المترجم ومراجعته أدبيا بشكل نهائي ومع ذلك طبعت نسخ قليلة من هذا النص غير المراجع في عام 1963 وأعيد طباعتها كما ذكر أعلاه.