السبت، 4 يونيو، 2011

الكرملين و "العائلة الضالة" 1

الحلقة الأولى - أخطاء الرئيس


يتباهون في الكرملين كثيرا برؤساء الحكومات الجدد كما يتباهون بمعاطفهم الجديدةِ ويضعون الخطط التي تكاد تكون كل منها اسوأ من سابقتهاِ وسيدفع كل من يبرق كرسي الرئاسة في عينيه ولو في المنام، ثمن ولع استراتيجيي الكرملين بالخطط التي لا تمت للواقع بصلة.
وبدورهم، سيدفعون في الكرملين ثمن اغلى عملة في السياسة وهي الوقتِ الذي كلما سار بلا رجعة عكس تطور العملية السياسية الطبيعية، يزداد جو الغموض الذي يثير في الكرملين عصبية وذعرا اكبر.
ويعتقد اكثر المحللين هدوءا ان اصل الشركله يكمن في فوز بوريس يلتسين بانتخابات 1996.
وفي تلك الايام التي ادرك فيها فريق الكرملين ان زعيمهم يحظى بتأييد نسبة محدودة جدا من الناخبين واقتنعوا برعب ان ليس لديهم مرشح 'احباط' لديهم ولو أدنى فرص للفوز، وحمل اليأس الذي تملك يلتسين واقرب المحيطين به الى طرد الكسندر كورجاكوف (رئيس دائرة الامن الرئاسي وحارس الرئيس الشخصي سابقا) واوليغ سوسكوفيتس (النائب الاول لرئسي الحكومة الروسية سابقا والمشرف وقتذاك على ادارة الحملة الانتخابية للرئيس) وتغيير كل طاقم الحملة الانتخابيةِ وبعد ان حصل الطاقم الجديد برئاسة اناتولي تشوبايس على صلاحيات مطلقة عمليا وايده اكثر رجال الاعمال نفوذا في روسيا، كفوا عن المشادات والمنازعات خوفا من الثأر الشيوعي وحقق الفريق المعجزة كما يرددون ذلك حتى الان.
الرئيس 'يتعلم'
لكنهم في حقيقة الامر لم يصنعوا المعجزات، بل سموا بتحقيقهاِ ومهما قيل فلم يحصل يلتسين على نسبة 54% بفضل مكر تشوبايس واحتياله ولا بنقود بوريس بيريزوفسكي، بل بفضل شخصية رئيس روسيا الاول والطاقة الكامنة التي احتفظ بها رغم جميع عيوبه وامراضهِ لقد كسب يلتسين هذه النسبة المئوية نتيجة لسحقه التمرد المعادي للديموقراطية في اغسطس 1991 وعام 1992 عندما امن الستار السياسي لحكومة ايغور غايدار، وعام 1993 عندما انقض على بقايا النظام التوتاليتاري.
وبانتهاء الدراما الانتخابية، بدا للكثيرين ان صدمة الخوف من الفشل والهلاك السياسي قد علمت يلتسين الكثير، وسيخرج من هذه الحالة ببأس اكبر وعزم على تراص المجتمع الذي لم يخذلهِ غير ان هذا التراص لم يتعد حدود الكرملين وانطلق لاول مرة في التاريخ المعاصر لروسيا مصطلح 'العائلة' التي اقتنع اعضاؤها بضرورة تجاوز اخطاء الماضي و'تربية' المرشحين بعناية و'اعدادهم' في فترة مناسبة وتنسيق الجهود بدقة.
ومن مصائب فوز يلتسين الكثيرة هو انه جنن 'العائلة'، حيث تأصلت بهم ثقة مبتكرة وانطباع يحسدون عليه مختصرة 'كل شيء بوسعنا' وان الامر بحاجة الى 'توجه صحيح ونظرة ثاقبة وشخص وفي' كما قال بيريزوفسكي.
باختصار، ظنوا ان 'معجزة يلتسين' يمكن تكرارها بدون يلتسينِ وسيثبت الذين سيبدلون 'العائلة' عاجلا او آجلا، مقدار الخطأ الذي افقدهم 'النظرة الثاقبة'ِ وحجم التقدير الماجن لهؤلاء الاشخاص الذين اثروا من حب قريبهم للسلطة.
واذا شوهت 'ضلالات العائلة' لاصحاب الكرملين الحاليين استراتيجيتهم الانتخابية، فلم تكن نتائجه بتلك الرداءة والغرابة؟ لقد حرم ظفر الانتخابات 'استراتيجية' الكادر من المنطقية وملأها بطغيان لا محدودِ ويمكن تثبيت بعض العادات في سياسة الرئيس تجاه الكادر والتي تتلخص في ان المواهب والخبرات تأتي في المرتبة الاخيرة في حسابهِ وبدلا من ذلك يكتسب نمط السلوك وخصائص النطق وطريقة الحديث مع الرئيس والمظهر المقام الاول للتقييمِ ويسمي البعض هذه الصفات ب 'القرابة الاجتماعية'ِ ويبدو ان دورة التعيينات المستمرة في روسيا يمكن ان يفسرها محلل نفساني وليس خبير سياسي.
الكرملين بلا أبراج
وكان تدهور اعضاء ديوان الكرملين يرتبط بالتوالي مع تدهور الرئيس نفسهِ وفي اثناء المراحل النادرة لاحياء يلتسين كان جهاز الكرملين قد فقد قوته، لكنه استمر في اظهارها باعلانه حروبا خاسرةِ وفسرت الاوساط الشعبية هذه الظاهرة ب 'سقط السقف عندهم'ِ وفي حالتنا يمكن القول ان السقف جرف معه 'ابراج الكرملين'ِ وانتبه الصحافيون المعتمدون في الكرملين منذ زمن ان كل موظف جديد في جهاز الرئاسة، مهما كان ذكيا وبراغماتيا، يفقد بالتدريج صلته بالواقع، ويبدأ البحث عن مختلف انواع المؤمرات ويتفنن في اعداد السيناريوهات بالغة الدهاء التي تفشل حال تفعيلها في طاحونة الصراع السياسي.