الجمعة، 10 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (29)

كقاعدة عامة، تحتاج كل مبادرة دبلوماسية الى ساحة انطلاق ما أو دافع سياسي أو شيء ما في هذا المعنىِ وظهرت ساحة الانطلاق هذه بعد يومين من بدء المعارك البريةِ
وفي 26 فبراير عقد مؤتمر صحفي بتكليف القيادة صرحت فيه:
'أريد إحاطتكم علما بأن وزير الخارجية العراقي جاء في الليل الماضي الى السفارة السوفيتية في بغداد وبعث إلينا رسالة صدام حسينِ وأبلغ في الرسالة قرار القيادة العراقية سحب جميع قواتها من الكويت فورا وفقا للقرار 660 لمجلس الأمنِ وأشير في رسالة صدام حسين الى أن الأمر بسحب القوات قد صدر وبدأ انسحابهاِ وأشير كذلك الى أن مدة الانسحاب ستكون وجيزة جداِ وتعتقد القيادة العراقية أن هذه الخطوة الجديدة سترضي جميع الأطرافِ
وأبلغكم بأنه فور استلامنا رسالة صدام حسين أخطرنا رسميا الاميركان بأن العراق بدأ تنفيذ القرار 660 لمجلس الأمنِ وفي اليوم نفسه أعطينا التعليمات لمندوب الاتحاد السوفيتي لدى الأمم المتحدة لكي يقترح عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لبحث مسألة وقف إطلاق النارِ
لهذا نعتقد أن من الضروري استخدام هذا التطور بشكل لازم كما يمليه العقل والضمير للحد من سفك الدماء بعد أن توافرت كافة الظروف الموضوعية'ِ
وبعدها انهالت الأسئلة بطبيعة الحال وكان السؤال الأول يتناول المواعيد 'الموجزة'، أجبت: 'لا أشك في شيء واحد، سيؤدي وقف إطلاق النار في هذه الظروف لأن يكون في حده الأدنىِ
ومن المفهوم أن الانسحاب يتحقق مع استمرار العمليات الحربية والقصف الجوي والمدفعي والصاروخي على رؤوس المنسحبينِ أن كل هذا يشوش بطبيعة الحال مجرى الانسحاب العاديِ وستتغير الحالة لو أعلن وقف إطلاق النار في الأرض والجو والبحرِ ومن البديهي أن كل هذا عجل في تنفيذ المهمة التي وضعها المجتمع الدولي منذ البداية: التوصل الى تحرير الكويت وإعادتها كدولة مستقلة ذات سيادةِ
واهتم مراسل 'ديلي إكسبريس' الإنكليزية بسبب سلوك الاتحاد السوفيتي الحالي كأنه يلعب دور ممثل العراقِ أجبت على سؤاله على النحو التالي: 'ننطلق من مواقف إنسانية عامة وطبيعية وكل ساعة تمضي تزق الأرواح أكثر فأكثرِ انه من الواضح بالنسبة لنا ان إنهاء العمليات الحربية سيكون للصالح العام وليست ثمة أسباب واقعية خطيرة لمواصلتها'ِ
وطرحت الكثير من الأسئلة أجبت عليها جميعهاِ وقبل أن أنهي المؤتمر أعربت عن أملي في أن قوات التحالف ستظهر موقفا مسؤولا الى الحد الأقصى لكي تتخذ القرار الصحيح الوحيد في الظروف الراهنة: إنهاء العمليات الحربيةِ
يلاحظ القارئ أنه لم يكن هناك حتى تلميح الى رفض بغداد الادعاء بالكويت، بل العكس ما تم تأكيده: ستكون الكويت بعد مدة معينة عراقية من جديد مثلما سقطت القسطنطينية المسيحية في الماضي تحت ضربات الأتراك في نهاية الأمرِ وأعطى هذا التصريح ولهجة الكلام المشاكسة والنداء الموجه للعراقيين للاحتفال بالنصر على التحالف المكون من أكثر من 30 دولة، باعثا للرئيس الاميركي للإعلان بأن التحالف سيستمر في العمليات الحربية بالشدة السابقةِ
وبما أن الوضع في مجلس الأمن يواجه مأزقا فيما يخص وقف إطلاق النار، أخبرت موسكو بواسطة السفير السوفيتي في بغداد القيادة العراقية بأمانةِ لكنها من جديد لم تتخذ القرارات اللازمةِ وفضلوا هناك على التقدم الجزئي فقطِ وطلب عزيز وحمادي في ليلة 26 -27 فبراير من سفارتنا أن تنقل الى الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة (العراقي - ج) رسالة عزيز الى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن (ممثل زمبابوي في فبراير) والتي جاء فيها أن الانسحاب الكامل للقوات العراقية من الكويت سيتم في غضون عدة ساعات وأن العراق يوافق على تنفيذ قراري مجلس الأمن 660 و662 و 674 بشرط أن يتخذ مجلس الأمن قرار وقف إطلاق النار فورا ويعترف بسيران مفعول القرارات 661 و 665 و 670 ِ وفي الوقت نفسه وجه صدام حسين رسالة الى رئيس الاتحاد السوفيتي طالبه فيها باتخاذ تدابير أنشط لأجل وقف إطلاق النارِ وأشير في غضون ذلك الى أن قرار اعتراف القرار بقرارات مجلس الأمن اتخذ 'إجلالا للاتحاد السوفيتي' ولجهوده في إعادة السلامِ
كان مثل الاعتراف عذبا بالطبع بالمقارنة مع انتقادات نصف سنة من جانب بغداد لنهج الاتحاد السوفيتي من الأزمة الكويتيةِ وللأسف لم تثر الشكوك مغزى هذه الخطوة وتوقيتهاِ
استجابة لطلب بغداد أحيل نداؤها الى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن وإلى المرسل إليهما بواسطة ممثل العراق الدائم بأسرع وقت ممكنِ غير أن النداء الجديد لم يكن له أي أثر كما كان منتظراِ فقد رفضت محاولة بغداد في مساومة مجلس الأمن وفرض شروط عليه بحزمِ وطلب رئيس مجلس الأمن من الاتحاد السوفيتي أن يبلغ بغداد من جديد بأن الأمر يتطلب أن تعترف بلا قيد أو شرط بكافة قرارات مجلس الأمن ال 12 بلا استثناءِ قمنا بذلك بلا إبطاء إدراكا منا بأن كل ساعة توسع نطاق هزيمة العراقِ وفي اليوم الثالث بعد بداية العمليات البرية لم يعد يتكلم أحد على مقاومة منظمة للقوات المسلحة العراقية، فقد تحطمت في كل الجبهات وأصبحت قوات التحالف سيدة الموقف واحتلت القوات الاميركية 15 % من الأراضي العراقية تقريباِ
واتضح لبغداد على ما يبدو أنها خسرت الحرب، وأن مواصلة هجوم الحلفاء قد تؤدي الى انهيار النظام العراقي، عندها انصاعت لمطالب مجلس الأمن وأحال ممثل العراق الأنباري مساء 27 فبراير الى رئيس مجلس الأمن رسالة طارق عزيز الجديدة التي جاء فيها: 'يشرفني أن أخبركم رسميا بأن حكومة العراق توافق بالكامل على تنفيذ القرار 660 لمجلس الأمن وجميع قرارات مجلس الأمن التالية'ِ وطلب الوزير (طارق عزيز - ج) أن يخبر بذلك أعضاء مجلس الأمن وأن ينشر الرسالة بصفتها وثيقة رسمية لمجلس الأمنِ
في موسكو كانت الليلة 27 - 28 فبراير عندما هاتف بيكر وزيرنا بيسميرتنيخ وأبلغه أن قوات التحالف ستكف عن العمليات الحربية ضد العراق في الساعة الثامنة صباحا بتوقيت العراق، نظرا لموافقة العراق على تنفيذ قرارات مجلس الأمن وإتمام تحرير الكويتِ
وبعد مرور وقت قصير من هاتف بيكر، توجه الرئيس جورج بوش من البيت الأبيض الى الشعب الاميركي ليبلغه بالنجاح الذي توصل إليهِ وأشار الرئيس مقدرا القوات الاميركية حق تقديرها الى أنه لا يوجد بلد واحد لا ينظر الى هذا النصر كنصره الخاصِ وقال ان هذا انتصار الكويت وجميع الشركاء في التحالف وهيئة الأمم المتحدة والإنسانية بشكل عامِ وقال بوش ان وقف إطلاق النار الدائم يتوقف الآن على العراق أن:
- يطلق فورا سراح جميع أسرى الحرب ومواطني البلدان الاخرى وينقل رفات من هلك منهمِ
- يطلق سراح جميع الكويتيين الموقوفينِ
- إبلاغ السلطات الكويتية بوضع وأماكن وطابع الألغام البرية والبحريةِ
- مراعاة جميع قرارات الأمم المتحدة المعنية بما في ذلك قرار أغسطس بضم الكويت والاعتراف بالتزام العراق دفع التعويضات عن الخسائر والأضرار التي سببها عدوانهِ
- تعيين قادة عسكريين لحل مسائل وقف إطلاق النار سوية مع القيادة العسكرية لقوات التحالفِ وينذر العراق في غضون ذلك بأنه في حالة إطلاق النار على عساكر التحالف أو إطلاق الصواريخ على أي بلد ستكون قوات التحالف طليقة في استئناف العمليات الحربيةِ
وذكر بوش بأنه كان يقول على الدوام ان النزاع لم ينشب مع الشعب العراقي، بل مع قيادته وقبل كل شيء مع صدام حسينِ وأن التحالف لجأ الى الحرب بعد أن أصبحت الوسيلة الأخيرة، ويأمل في أنه سيحين الوقت الذي سيقود فيه العراق أشخاصا مستعدين للحياة بسلام مع الجيرانِ وأيد بوش أن يعمل مجلس الأمن على إعداد التسوية مع العراقِ
كان تحويل المسألة لإبقائها في إطار مجلس الأمن يستجيب للخطة السوفيتية أيضاِ
بعد ثلاث ساعات تقريبا من كلمة بوش نقلت إذاعة بغداد الخبر وأكدت أن العراق 'أحرز الانتصار' وأن رئيس الولايات المتحدة 'اضطر للموافقة على وقف إطلاق النار'ِ ولهذا السبب وجهت الأوامر للقوات العراقية بالكف عن العمليات العسكريةِ
لماذا أوقف بوش الهجوم؟
لماذا أصدر الرئيس بوش الأمر بوقف إطلاق النار في الوقت الذي كانت فيه عمليات قوات التحالف تتطور بصورة ناجحة جدا؟ من ثم بعد سنة أو سنتين ستوجه إليه الكثير من الانتقادات من الأوساط الاميركية: لماذا لم تستفد حينذاك من الحالة الملائمة التي لا يستطيع صدام حسين أن ينجو منها نهائيا؟ ولحد الآن وفي كل مرة تحاول بغداد التخلص من مراقبة الأمم المتحدة وتعمل خلافا لالتزاماتها الدولية يظهر عدم الرضا عن موقف جورج بوش من جديد ومن جديدِ هل كانت لدى الرئيس الاميركي إمكانية لكي يتصرف على غير ذلك؟ وإن كانت لديه، فقد كانت محدودة للغاية ولسمح للجنرال شوارتسكوف لمواصلة العمليات الحربية خلال عدة أيام إضافية كما خطط لذلك في بداية الأمرِ
لم يعط تحرير الكويت في الواقع والتزامات العراق الرسمية بتنفيذ القرارات ال 12 لمجلس الأمن، أي فرصة بديلة لبوش سوى الإعلان عن وقف إطلاق النارِ ولننظر الى هذه المسألة من عدة نواح، ولنبدأ من الناحية العسكريةِ الحلفاء انتصروا بصورة مقنعة، غير أن هذا لم يعن أبدا ان قوات العراق صفيت بالكامل أو حتى انهزمت جزئياِ ففي الكويت لم تتركز القوات القوية، بل حشد فيها أقل القوات العراقية إعداداِ وعلى ما يبدو كان من الممكن أن يقضى عليها لو استمرت المعارك الطويلة والدامية والمنهكة في سبيل الكويتِ لكن الوحدات الأكثر قدرة على القتال تمركزت في شمال الكويت أو سحبت على وجه العموم بالقرب من بغداد وهذه عانت من الحرب أقلِ ونخص بذلك خيرة قوات الحرس الجمهوريِ وكانت تحت تصرف بغداد 20 فرقة قادرة على القتالِ لذا كان إطالة أمد الحرب وخيما وسيزيد الخسائر الاميركية بالأرواح لأن القوات الاميركية كانت تعمل في العراق نفسه وليس في الكويتِ
زد على ذلك، جرت كل العمليات الحربية الرئيسية في ساحات صحراوية مكشوفة حيث كانت السيطرة الاميركية المطلقة في الجو والتي أعطت الأفضلية للقوات البرية الاميركية أمام الوحدات البرية العراقيةِ وهذه الأفضلية تزول في المدن بالكامل تقريباِ كانت القيادة الاميركية تدرك أن معارك المدن يصاحبها عدد كبير من الخسائر بالأرواحِ ولهذا السبب لم يخطط لدخول قوات التحالف بشكل عام الى المدن العراقيةِ كما لم يقض أن تحتل هذه القوات الأراضي العراقية لمدة طويلة وبنطاق واسعِ لم يكن تحت تصرفها لتجهيز الاحتلال لا موارد بشرية كبيرة ولا أي شيء آخر لتوسيع السيطرة على المنطقةِ
بالإضافة الى ذلك وقعت في مؤخرة القوات الاميركية وحدات عراقية قادرة تماما على القتال وأثبتت ذلك بالفعل فرقة الدبابات 'حمورابي'- التي فلتت من الطوق الذي فرضته المعاركِ
ولنلتفت الآن الى الناحيتين القانونية والسياسيةِ تم التوصل الى هدف العملية العسكرية وهو تحرير الكويت بناء للقرار 678 لمجلس الأمنِ ولم تبق لقوات التحالف أسس قانونية لأجل الاستمرار في العمليات العسكرية ضد العراقِ ولم تستطع واشنطن إغفال ذلك وعدم أخذه بنظر الاعتبار، لا سيما وأن مجلس الأمن كان منشغلا جدا بأزمة الخليجِ
واصطدم الاميركان أيضا بصعوبات سياسية طبيعيةِ حيث بدأ أقرب حلفائهم السعودية ومصر اللتان كانتا أكثر أنصار العملية البرية المطالبة بعد النجاح المتوصل إليه بإنهاء العملياتِ وأدرك الاميركان بأنه قد تنشأ مخاطر انهيار التحالف في حالة عدم إصغائهم الى رأي العربِ ولم يتمكنوا في واشنطن إلا أن يأخذوا بنظر الاعتبار ازدياد العقلية المعادية للأميركان بسبب التدمير الذي تعرض له العراق في سير الحرب الجويةِ
وأخيرا، أهمية العامل السوفيتيِ فقد كان موقف موسكو يضجر واشنطنِ ولم يكن بوسعهم إلا أن يعبأوا بهِ يكتب بيكر في مذكراته: 'ناضل السوفيت بعنف في سبيل إنهاء الحرب البرية وظهرت الآن مواقف حقيقية بأنهم يستطيعون شق التحالف بدعواتهم المستميتة والمستمرة لمجلس الأمن لوقف القتال'ِ بالتالي، لم تكن جهودنا عديمة الجدوىِ
وكانت عقليات السياسة الداخلية تملي على بوش أيضا أن 'يعيد الشبان الاميركان الى وطنهم' في أسرع وقت وأن لا يحولهم الى محتلين وألا يحملهم وقتا طويلا بظروف درجة حرارة تزيد عن 40 مئوية في الظلِ وكان كل تأجيل ينذر بخسائر إضافية في الأرواح من شأنها تقليل ما نجحت فيه الولايات المتحدة والرئيس بوش بتحرير الكويت ولجم العراقِ
ذكرت أعلاه تغيير الموقف السعوديِ فقد أثير قبل كل شيء مخاوفهم من ان إضعاف العراق المفرط قد يؤدي الى تفكيك تكامله وفي النتيجة ظهور دولة شيعية مستقلة في الحدود مع السعودية والتي ستنتهج الأصولية الإيرانيةِ لهذا السبب كانت الرياض في غضون خصائصها كلها تخشى من آثار سقوط صدام حسينِ وكانت الرياض تأخذ العامل الإسرائيلي أيضا بنظر الاعتبارِ وكانت لواشنطن نفسها مخاوف من 'لبننة' العراقِ
وأظن بأن تصريحات صدام حسين العديدة بأن الحرب ثمرة مؤامرة ضده شخصيا باطلةِ فعندما قام الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال بانتفاضة ضده مباشرة بعد وقف إطلاق النار، راقبت القوات الاميركية بكل هدوء كيف نكل الحرس الجمهوري بالدبابات والهليكوبترات بالثوار بلا رحمةِ ولو كانت الولايات المتحدة تريد إيقاف هذا التنكيل فكان يكفي سلاحها الجوي يوم واحد لذلكِ
غير أن هذا الأمر لم يكن في جيوبوليتيك واشنطنِ وكان صدام حسين ونظامه في ذلك الوقت ضروريين لتوحيد العراق وانطلق الحلفاء من هذا العامل بالذاتِ ومن الواضح أنه عندما دعا الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني العراقيين علنا لإسقاط صدام حسين، لم تلق خطوة طهران هذه أي تأييد من جانب الحلفاءِ
استقبلت موسكو الإعلان عن وقف إطلاق النار بيسرِ واعتبر الكسندر بيسميرتنيخ في مؤتمر صحفي عقد في 28 فبراير هذا الحدث بالكبير والهامِ وعبر عن ترحيبه بتحرير الكويت وإعادة استقلالها وسيادتها وتوحد أراضيها وعودة حكومتها الشرعية الى البلادِ وأشار الوزير الى أن المجتمع الدولي أظهر للمرة الأولى إرادة واحدة في وجه استيلاء دولة على أخرىِ وانتهاء النزاع الحربي كان نتيجة لجهود جماعية من كافة الدول التي شاركت في البحث عن تسوية، والتي رأت أنه من الممكن منع حدوث نزاعات من هذا النوع في المستقبل واستيلاء بلدان على أخرىِ واشترك في أحداث هذه السابقة التاريخية الكثير من الدول، بما فيها الاتحاد السوفيتي الذي مارس، بثبات، نهجه نحو الحل السياسيِ وتناول الوزير العلاقات السوفيتية ـ العراقية أيضاِ وأشار الى أنها تعرضت لتغييرات أثناء الأزمةِ وتحولت من علاقات صداقة قريبة وتعاون في مختلف المجالات الى علاقات شاذة بما فيه الكفاية عندما وقف الاتحاد السوفيتي الى جانب القوى التي كانت تسعى الى أن يسحب العراق قواته من الكويتِ غير أن علاقاتنا ستتطور في المستقبل أيضا وسيبدأ عصر جديدِ لقد استخلصنا جميعا من هذا النزاع خبرة كبيرة ستأخذ في الاعتبار، ليس الجهود الدولية فحسب، بل فيما يخص العلاقات الملموسة مع دول الخليجِ
ورأى الجانب السوفيتي انه من الواجب حل دائرة واسعة من المهام حددها على النحو التالي:
استبعاد احتمال نشوب عمليات حربية في منطقة النزاع بالكاملِ
البدء في مجلس الأمن النظر بعمق في مسائل التسوية النهائية للنزاع العراقي ـ الكويتيِ
البدء بوضع منظومة أمنية لما بعد الأزمة في الإقليم تضمن عدم السماح بالاصطدام الحربي في المنطقة مستقبلاِ
العمل سوية مع الدول العربية وإسرائيل وجميع أطراف النزاع لوضع تسوية للمشكلة في الشرق الأوسط التي تعتبر مصدرا لعدم الاستقرار وانعدام الثقة وسباق التسلح في الإقليمِ
بغداد تماطل حتى آخر لحظة
اضطررت هذه الأيام للانشغال كثيرا في مجلس الأمن الذي انتقل إليه العمل السياسي بقدر كبير وقت الحربِ وانعقدت بمبادرتنا ليلة 25 - 26 فبراير جلسة مجلس الأمن السرية الرسمية وأخبر فيها ممثلنا فورنتسوف أعضاء مجلس الأمن بمحتوى نداء صدام حسين الى رئيس الاتحاد السوفيتي واقترح ممثلنا اتخاذ قرار وقف إطلاق النارِ غير أن هذا الاقتراح لم يحظ بالتأييد المطلوبِ لذا استمر النظر في هذه المسألة في الجلسة غير الرسمية حيث اتضح نهائيا أن نداء صدام حسين الى القيادة السوفيتية يعتبر غير كاف لأنه يجب أن يكون هناك نداء مباشر الى مجلس الأمن، زد على ذلك تتطلب موافقة العراق الرسمية على 12 قرارا للمجلس وليس أولها فقطِ ولم يكن هذا رأي الولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا فحسب، بل تمسك به أكثرية أعضاء مجلس الأمن، والمشاركون العرب الرئيسيون في قوات التحالفِ
وكما حصل في الماضي أفسد الجانب العراقي نفسه هذه المرة أيضا الأوضاع في مجلس الأمن، حيث أصر ممثله في المجلس الأنباري واستمر بعناده على رفض سيادة الكويت ملحا على أن هذا لا يعد أكثر من 'مفهوم جغرافي' فحسبِ وعندما تحدث عن موقف حكومته من تسوية النزاع لم يذهب أبعد من النقاط الثلاث المعروفة المعلنة من قبل طارق عزيز في موسكو على الرغم من ان الأحداث الحربية ألغت أساسها في حقيقة الأمر: انسحاب القوات العراقية الطوعي من الكويتِ
غير أن الأمر لم ينحصر حتى في موقف ممثل العراق لدى الأمم المتحدة المتأخر عن الحياة، بل جهودنا لوقف إطلاق النار التي كانت تسقط على الأرض من أساسهاِ وكانت كلمة صدام حسين نفسه المعلنة من إذاعة بغداد في 26 فبراير عقبة رئيسية في هذا الطريقِ وصف جورج بوش هذه الكلمة بالفضيحةِ وإليكم مقتطف واحد من كلمة الزعيم العراقي للتوضيح: 'أن الكويت جزء من بلدكم سلخ منه في الماضيِ وأمرت الظروف اليوم أن الكويت ستبقى في تلك الحالة التي ستبقى فيها بعد سحب قواتنا المقاتلة منها ِِ وسيتذكر العراقيون ولن ينسوا أن الكويت أصبحت في 8 أغسطس 1990 جزءا شرعيا ودستوريا وفعليا من العراق ِِِ ويجب أن يتذكر كل إنسان أن بوابة القسطنطينية لم تفتح أمام المقتحمين المسلمين من المحاولة الأولى.