الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

موسم الهجرة الى الشيشان

حل ربيع الحرب في الشيشان ومعه يمكن القول ان كل المنظمات الدولية في مشرق الارض ومغربها ارسلت مبعوثيها 'لتقصي الحقائق' هناكِ بالاضافة الى ما يكتبه الصحافيون الروس والمراسلون الاجانب فان الصورة اكثر من واضحة عما يجري في هذه البقعة الملتهبةِ وزعماء بلدان العالم كلهم ادلوا بدلوهم حول هذه المأساة، وهكذا تكتب التقارير وتنشر ويتلقط المبعوثون الانسانيون صورا عامة وشخصية للوحة البشعةِ ومع ذلك تترك العملية برمتها انطباعا بان كل طرف يريد تأدية ما عليه من واجبات والصور ستحفظ في الارشيف العائلي لهذا المبعوث او ذاك لكي يعرضوها للحفيد: انظر هذا جدك عندما كان في ارض اطلقوا عليها جمهورية الشيشان!.
والنقاش الدائر في ستراسبورغ الان يدور حول قضايا شكلية ايضا، فالوفد الروسي الى المجلس الاوروبي، المتكون من 32 نائبا في الدوما سيمارس حقه في التصويت عدا القضية الخاصة بالشيشانِ والوفد سيمارس حقه في كذا، غير انه سيحرم من كذاِِ وتستمر اللعبة الانسانية - الدستورية كما رسمها مؤلفو الاتحاد الداخلية لمجلس اوروبا: البند الفلاني يشير الى ذلك والمادة التابعة للصفحة الانسانية المفقودة عند السكرتارية العامة التابعة للجنة الجيوبوليتيكا لا تلزم المجلس بفرض هذه او غيرها من العقوبات، لا، من قال عقوبات؟ التحذيرات، ربما توجد كلمة اخف: لفت النظر، لا يهم!.
فلابد من الخروج من هذا المأزق، فلينبش الخبراء في دستور المجلس عن فقرة انسانية تعاقب الوفد الروسي بغسل صحون العشاء هذه الليلة، او لا فمن الافضل حرمانهم من العشاء حتى تصل اكياس الطحين التي ارسلها المجلس الى انغوشيا، ولكن ينبغي ان يسافر وفد اخر ليحصيها قبل ان تباع عند بوابات معسكرات اللاجئين لقاء طفل شيشانيِ نعم، كيس الطحين او الرز مقابل طفل شيشاني! ولا تنسوا البطاقة الصحية فالمطلوب طفل معافى الى ارامل وعوانس ميسورات الحال، وبنوك التبني قدمت طلباتها ومستعدة لتمويل الرحلة.
لتأكل نارهم نفطهم!
هذه معايير 'انسانية' جدا، وهم بكل الاحوال افضل من وفد منظمة المؤتمر الاسلامي الذي تنزه في انغوشيا ولم يستطع اعضاؤه رؤية خيمة واحدةِ الروس يعرفون من اين تؤكل الكتف، هكذا تعاملوا معهم بحجم بياناتهمِ لا تهم قرارات اوبك فأسعار النفط ارتفعت او انخفضت فالامر ليس له علاقة بالميزانية الحكومية/ الحربية، ألم يقل ذلك ممثل الرئيس الروسي لدى المنظمات المالية الدولية: الذي سيتأثر بقرار اوبك هي الشركات النفطية فقط ولتأكل نارهم نفطهم!
منعوا السيدة روبنسون من زيارات معسكرات الاعتقالِ طبعا يمنعونها، كيف يمكن حماية هذه الارستقراطية المهذبة من هجمات لم تسلم منها حتى قوات 'الآمون' المحترفة؟ قواتنا الذهبية الخاصة لم تستطع حماية نفسها فكيف نترك السيدة الاوروبية تتجول بحريتها هناك؟ يكفيها ساعتان في غروزني ويومان في الطائرة فالضباب لا يسمح بتحليق غراب في هذه المنطقة.
ولما تصر ماري روبنسون على رؤية معسكرات اللاجئين؟ يكفيها الجلوس امام شاشة صغيرة محترقة لتطل نافذتها عما يجري هناك او تطلع على اي تقرير صحفي، الا تلعب وسائل الاعلام دور المراقب في مثل هذه الاحوال؟
معسكرات للرعب
هناك في الشيشان وما حولها ستة معسكرات للاعتقال (أو للتصفية) يمكن اضافتها الى تقرير المبعوثة الانسانية وهي حسب درجة رعبها: تشيرنو كوزوفو، تولستوي يورت، عروس مرتان، موزدوك، ستافروبل وبياتيفورسكِ والمصادر الرسمية الروسية تشمئز من تسمية 'معسكرات الاعتقال' لانه ليس ثمة حرب ولم تعلن حالة الطوارئ بعد في الشيشان: بالرغم من اصرار اللجنة الحقوقية في الدوما على فرضها غير ان الكرملين مصر على تسمية ما يجري 'بعملية محدودة النطاق هدفها القضاء على الارهابيين'، فلماذا فرض الطوارئ طالما توجد بعض البنايات سليمة في الشيشان يمكن استغلالها كمقرات للحاكمية الروسية؟ وكيف يمكن فرض حالة الطوارئ على اراض روسية، فذلك يعني الغاء نتائج الانتخابات طالما توجد حرب على اراضي البلاد!
لكن فرض حالات الطوارئ يجيز توقيف اي مشتبه على ان يحاكمه النائب العام فيما بعد ولكن المشكلة ان روسيا لا يوجد فيها حتى هذا النائب العام!
'غربلة' وتصفية
ولماذا المحاكمات طالما توجد معسكرات التصفية؟ ألم يقل الرئيس فلاديمير بوتين 'سنمسكهم في المراحيض ونقتلهم'؟، لم تتضمن عبارته الخالدة اشارة لمحاكمتهم، وجوهرها يعني سنمسكهم ونقتلهم في الحال، اي في المكان مباشرة! لا مجال للبذخ الديموقراطي فالحرب تستعر وافراد العصابات ينسلون مع اللاجئين ويجب 'غربلتهم'ِِ وكيف تجري هذه الغربلة؟
كل الرجال مشبوهون من عمر 14 او 12 لا احد يعرف، فأغلبهم لا يحملون اوراقا ثبوتية! يخرجونهم من حشود اللاجئين وينقلونهم الى المعسكرات الرهيبة ولا يهم اذا كان احد منهم بحاجة الى مساعدة طبية عاجلة، ينقلونهم ومن يرد الذهاب معهم فأهلا وسهلا، فالاقبية هناك كثيرةِ وهكذا يتكومون في الاقبية، هناك من فقد رجله وثمة رضيع فقد امه وعجائز وانين وصرخات وتأوهاتِِوحال وصولهم الى معسكرات التصفية يكون بانتظارهم 15 - 20 جنديا يضربونهم كما يجب بالعصي والهراوات بعد ان يعروهم تماما لفحص ملابسهم واجسادهم 'وعلى الماشي' يسلبونهم كل شيء: الساعات، النقود، القبعة الشتوية وخواتمهم الذهبية وكل ما يعجبهم.
قفص القردة!
والحراس هناك يمارسون عملية اغتصاب منظم وليس للنساء فقط!!
وغير معسكرات الاعتقال الستة الشهيرة هذه توجد في كل نقطة حراسة روسية وهي بالمئات الان، مراكز للتوقيفِ فمثلا في نقطة كالينوفسكيا التوقيف هناك عبارة عن حفرة عميقة يغطيها سقف حديديِ ويطلق الجنود على هذه الحفرة 'قفص القردة'!! ومن المستحيل ان تزور هذا القفص بدون ان يغسلوك بدمائك! واذا كان قفص القردة يتسع لشخصين يحشرون فيه حتى عشرةِ ويعطونهم في اليوم نصف رغيف خبز.
وحسب معلومات مؤكدة 'يبيع' الحراس المعتقلين الى اقربائهم في حالة عثورهم عليهم، بسعر من 40 - 160 دولارا.
وفي خضم ذلك، يدور نقاش حام في ستراسبورغ حول دعوة الوفد الروسي لعشاء هذه الليلة او معاقبتهم بغسل صحون السهرة!!