الجمعة، 10 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت(20)

لنعد الى الإقامة في جدةِ تم لي في الصباح لقاءان مع وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل وبعده مع الملك فهدِ
وأظن بأني من الموظفين السوفيت الأوائل الذين استقبلهم الملك فهدِ وأضفى ذلك لوحده على لقائنا خصوصية معينة واهتماما متبادلا على ما يبدوِ
ترك عندي الملك فهد انطباعا لطيفا حيث كان محادثا ممتعاِ كان يتكلم بحرية وأبدى معرفة كاملة للوضع الدولي وتصورا بدا لي جيدا لخصائص الموقف السوفيتي إزاء أزمة الخليجِ ومع ذلك خلا حديثنا من الكلفةِ دار في البداية حول تطبيع العلاقات السوفيتية - السعودية الذي تم مؤخراِ لم تكن هذه العلاقات سيئة قبل ذلك، بل لم تكن موجودة على امتداد عشرات السنين لا علاقات سياسية ولا اقتصادية ولا أخرىِ والآن ينبغي أن تصل بعد أيام الى موسكو والرياض جماعات تنظم افتتاح السفارتينِ وخطط في أقرب وقت لزيارة وزير الخارجية السعودي لموسكوِ كنا نتكلم عن ذلك بارتياح وعن التغييرات التي حصلت وآفاقها في مختلف المجالات بما في ذلك الاقتصاديِ وأشار الملك فهد بالأخص الى أنه يشعر بالاحترام والعواطف الطيبة حيال الاتحاد السوفيتي وسياسته، وشدد على رغبة السعودية في تطوير علاقات الصداقة بين بلديناِ وأظهرت الأزمة في الخليج بوضوح أهمية التفاهم المتبادل والتعاون مع الاتحاد السوفيتي بالنسبة لبلده وقيمة التأييد السوفيتيِ وأبدى تقدير بلده للموقف الذي احتله الاتحاد السوفيتي إزاء العدوان العراقي وطلب الملك فهد نقل عواطفه هذه الى القيادة السوفيتية وأعرب عن أمله في أن دور الاتحاد السوفيتي سيكون في حقبة ما بعد الأزمة إيجابيا بالقدر نفسهِ
تفادى الملك بلطف مسألة عدم مشاركتنا في القوات متعددة الجنسية مدركا على ما يبدو، عدم واقعية التوصل الى تغيير لموقف الاتحاد السوفيتي في هذه المسألةِ لذا ركز اهتمامه على النواحي السياسية للقضيةِ واتفقنا على أن العمل السياسي يمكنه التغلب على الأزمة والتركيز كالسابق على مجلس الأمن ومطالباته بإنهاء العدوان بلا تأجيل وبلا شرط أو قيد وإعادة سيادة الكويت بالكاملِ
وعبر الملك فهد ومن قبله وزير الخارجية عن قلقه البالغ تجاه سياسة ضم الكويت وعامل الوقتِ لأن المماطلة في حل الأزمة وإبقاء نظام الاحتلال لا يزيدان آلام السكان الباقين في الكويت واللاجئين منها ( عددهم في السعودية 300 ألف ) فحسب، بل تمكن بغداد من الاستمرار في تفكيك الكويت كدولة ومجتمع في الكثير من الاتجاهات أيضاِ وكان مفهوما بلا كلمات، أن الأمر لا ينحصر في الكويت والكويتيين فحسب، بل في السعودية نفسها أيضاِ فعامل الوقت كانت لديه أهمية عظيمة بالنسبة لهاِ فقد قام الملك فهد بخطوة صعبة جدا بدعوة قوات الدول غير الإسلامية الى الأراضي السعودية وكان حتى الآن كخادم الحرمين الشريفين مقبوض النفس في مسائل الطقوس الدينية مثل رمضان والحج ( يبدأ رمضان في عام 1991 في 17 مارسِ وبالتالي كان مهما للسعودية وضع حد للأزمة قبل هذا التاريخ )ِ وكانت ثمة ظروف أخرى لم تسمح بالانتظار مدة أطولِ فقد أخذت السعودية على عاتقها جميع التكاليف الخاصة بإنزال القوات الأجنبية وتغذيتها وخدمتها وتأمينها في كل النواحي الأخرى ( زاد عدد أفراد هذه القوات لحظة وصولنا الى جدة على النصف مليون )ِ كان كل يوم يقيمون فيه يكلف السعودية مبلغا هائلا ولم يستبعد اصطدامها بصعوبات ماليةِ لذا كنت انتظر من القيادة السعودية بالذات طرح مسألة الإسراع لاتخاذ مجلس الأمن قراره بالمصادقة على استخدام القوةِ
وبالفعل طلبوا منا بإلحاح أن نؤيد هذا القرار في مجلس الأمنِ وأجبت بأن موسكو تدرس في الوقت الحاضر بدقة هذه الفكرة ويتلخص أحد الأهداف الرئيسية لرحلتي استيضاح رأي رؤساء البلدان العربية فيما يخص التصرف فيما بعدِ ورأى المتحدثون بأن تجارب الاشهر الثلاثة ونصف الشهر التي انصرمت من لحظة الاستيلاء على الكويت والتدابير المتخذة من قبل القوات العراقية لتوطيد بقائها والدفاع عن الأراضي التي استولت عليها تدل على شيء واحد فقط: لا تنوي بغداد ترك الكويت طوعاِ
واعترف الجانب السعودي مع ذلك بأن للتحالف احتياطيا للوقت لحد الآن، إلا أنه غير كبيرِ وأن الوقت قد حان لتعيين آفاق واضحة للعراق من قبل مجلس الأمن: إما أن ينصرف وإما تستخدم ضده القوةِ و في هذه الحالة ستلحق الخسارة الهائلة بالعراق قبل كل شيءِ
وأفهم الملك فهد بوضوح بأن التوصل الى حل مرض في الإطار العربي يستحيل عمليا ولذا يرجح أن تؤدي محاولات بعض الدول ( قصد المغرب ) في عقد قمة عربية أو حتى قمة مصغرة لزيادة المماطلة بالأزمة وليس التغلب عليهاِ وعبر الجانب السعودي عن موقفه السلبي من ربط انصراف العراق بتنازلات على حساب الكويت مهما سمي ذلك بمحاولة إنقاذ ماء الوجه أو المكافأةِ واعتبروا أن كل ذلك لصالح صدام حسين وسيجعل موقفه أكثر قسوة وقد تعد سابقة خطيرة لتسوية مشاكل الإقليم الأخرىِ
واتخذ حديثا عن تنظيم الأمور بعد الأزمة طابعا عاماِ ولكن السعوديين أكدوا أن القوات الأميركية والعربية الأخرى لن تبقى على أراضيهم بعد انتهاء الأزمةِ ورأوا بأن اتحاد ثلاثة بلدان: السعودية ومصر وسوريا وبطبيعة الحال بلدان مجلس التعاون الخليجي نواة للاستقرار في المنطقةِ وعندما تحدثوا عن كيفية خروج نظام البعث العراقي من الأزمة، فهمنا بأن الرياض تريد أن تحرم هذا النظام من أنيابه العسكرية حتى لا يكون بوسعه تهديد جيرانهِ وفي غضون ذلك فرقوا بدقة بين العراق كبلد عربي شقيق وقيادته التي سارت في طريق المغامرة العسكريةِ
وميزوا كذلك في السعودية بين مشكلة تحرير الأراضي الفلسطينية والموقف من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تظهر بصورة حسنة في مسألة ضم الكويتِ فقد كان الجانب السعودي يعارض قطعيا محاولات بغداد الرامية لربط أزمة الكويت بالتسوية في الشرق الأوسطِ
وأظهرت الأحاديث في جدة بشكل عام قرب موقفنا والموقف السعودي وخاصة عدم قبولنا للعدوان وعواقبه وشعرنا بالفرق: كنا نواصل التركيز على لاهتمام بالتسوية السياسية بواسطة الضغط السياسي والاقتصادي، في حين أن السعوديين يقرون أفضلية الحل السلمي، لكنهم ينطلقون من حتمية الحل بالقوة ويبذلون قصارى جهدهم بهدف إعداده ماديا وسياسيا بأفضل طريقةِ فقد كانت السعودية تخشى الخطر العسكري المباشر بالنسبة لها، فبعد الاستيلاء على الكويت سيخرج العراق الى مواقف لفرض سيطرته الإقليميةِ هذه المسألة لم تطرح بالنسبة لموسكو من مثل هذا الباب وكانت لها نواح أخرىِ
حملنا نقص الوقت، للأسف، الى مغادرة جدة حالا بعد إتمام حديثنا مع الملكِ وكان علينا الوصول الى دمشق حيث خطط للقائنا في اليوم التالي مع حافظ الأسدِ
في دمشق مع حافظ الأسد
وصلنا في منتصف اليوم الثاني في 18 نوفمبر الى دمشقِ وقضينا باقي اليوم والمساء في سفارتنا حيث ناقشنا المسائل السياسية والمالية والكادرِ
عين اللقاء مع الرئيس حافظ الأسد في اليوم التالي الساعة السادسة مساءِ
كان حافظ الأسد يرأس في هذا الوقت الدولة لعشرين سنة ويتمتع باستحقاق بسمعة كواحد من أكثر القادة العرب حصافة ومهارة، وكان يمسك في يده بصورة أكيدة كافة مقاليد الحكمِ وكانوا يعتبرونه في الاتحاد السوفيتي أحد أكثر أنصار التعاون العربي - السوفيتيِ لذلك كرهوه بصراحة في الغرب وبالأخص الأميركان الذين أبقوه لمدة طويلة في القائمة السوداء لداعمي الإرهابِ وبدأوا يراضونه بنشاط في الوقت الأخير فقط بصدد أزمة الخليجِ
استقبلنا حافظ الأسد مع السفير السوفيتي الكسندر زوتوف في مقرهِ
جرى الحديث لساعتين بصورة مشبعة وشيقة واقتنعت بأن الزعيم السوري يتقن التكنيك الدبلوماسيِ ترك انطباع واضح تماما بأن سوريا تؤيد أولا، الخطوات التي يتخذها مجلس الأمن عند تكاتفه للحد الأقصى وبالأخص بين الأعضاء الخمسة الدائمينِ ثانيا، لا تعارض سوريا بالمرة قرار مجلس الأمن الخاص بتحديد الموعد الأخيرِ لكنها لا تريد لأحد أن يشير الى موقفها الإيجابي فالحديث يدور حول استخدام القوة ضد بلد عربي، زد على ذلك من قبل تحالف تلعب فيه الولايات المتحدة دورا رئيسيا وكانت لدمشق لحد الآن علاقات باردة معهاِ
كان العداء القديم بين الرئيس السوري والعراقي والمستمر لعشرات السنين معروفا جيداِ ومن البديهي أن استيلاء العراق على الكويت أثار موقف دمشق القاسي من هذه الخطوةِ وأظهر حافظ الأسد هذا الموقف هذه المرة أيضاِ صرح بثبات بأن صدام حسين يتحمل كافة المسؤولية عما حصل وعن عواقبها السيئة على الأمة العربيةِ وقد حان الوقت لوضع حد للعدوان العراقي لخرقه القانون الدولي والتقاليد العربية ويتطلب منه تنفيذ قرارات مجلس الأمن وجامعة الدول العربية بصرامة بلا قبول لأية مساومة وصفقات ومكافآتِ ولا يمكن أن يكون هناك حل عربي للمشكلةِ ورأى الرئيس السوري بأن اليمن والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية تنتصر للعراق فعلا ومن الممكن أنها متلبسة بمقاصده بهذه الدرجة أو تلكِ يبقى الانشقاق في الصف العربي ومع ذلك نجرب فاعلية حل الأزمة سلميا في الإطار العربيِ
واعتبر حافظ الأسد ان مصر والسعودية تحملان مشاعر سوريا نفسها فيما يخص سلوك الرئيس العراقيِ وتشاركهما جميع بلدان الخليج في هذا الشعور بقدر كامل أيضاِ أما البلدان العربية التي تقع أبعد من الناحية الجغرافية فانها تشعر بالحالة بأقل حدة وتفصح أحيانا عن أفكار مناسبة قليلةِ واشار الرئيس السوري الى أنه كان يعتقد ان 'بغداد ستتمسك باقتراح المغرب الخاص بعقد قمة عربية عاجلة أو ستصمت على أقل تقدير، غير أنها عملت العكس بتقديمها شروطا جعلت عقدها غير مقبول'ِ
لم يخف الرئيس السوري بأن المستقبل يقلقه وخاصة كيفية تأثير هزيمة العراق في توزيع القوى في الشرق الأوسط وان ذلك سيؤدي الى تقوية إسرائيل وأن أميركا ستجهزها بأسلحة بقدر أكبرِ وعارضت سوريا حضور الغرب العسكري الى المنطقةِ ولم يشك الرئيس في ترك القوات البرية الأميركية السعودية، إلا أنه اعتبر ان المواقف الأميركية في الشرق الأوسط ستكون أقوى بعد النزاعِ ورأى حافظ الأسد أن ذلك أمر لابد منه ولم يكن هذا الظرف يسرهِ
ورفض الرئيس ربط أزمة الكويت بالتسوية الشرق أوسطيةِ فالكويت ليست أراضي إسرائيليةِ فهل يكون ثمة ربط ما ؟ ولأي سبب يجب إدخال إسرائيل عامة في المعادلة العربية الداخلية ! لم يكن الرئيس نصيرا أيضا للرأي الداعي الى الإقبال فورا بعد تحرير الكويت على تسوية قضية الشرق الأوسطِ وكان يظن بأن العرب يحتاجون في البداية الى ترتيب صفوفهم المختلفة نتيجة الأزمة الكويتية والانتقال بعد ذلك فقط الى التسوية في الشرق الأوسط من موقف أكثر متانةِ ونبه في غضون ذلك الى أن وسائل الإعلام وخاصة الأميركية تعادل تسوية قضية الشرق أوسطية والمشكلة الفلسطينية، الأمر الذي يخرج على ما يبدو خارج قوسين نواحي التسوية الهامة الأخرى (قصد بالطبع مسألة تحرير مرتفعات الجولان وإن لم يسمها مباشرة)ِ وكانت ملاحظة الرئيس ملائمة جدا لأن صحافتنا أيضا يمكن إذنابها بمثل هذا التبسيطِ
في سير رحلتي الى بلدان الشرق الأوسط نشأت عمليا في أحاديثي مع كل رئيس عربي مسألة الأوضاع في الاتحاد السوفيتيِ وشعرت بأن هذا يقلق العربِ ومهما كان الأمر، فكانوا على امتداد عشرات السنين يعتمدون علينا في نضالهم من أجل الاستقلال وتوطيدهِ لذلك من الطبيعي أن يراقبوا بقلق ظواهر الأزمة في الاقتصاد السوفيتي وعدم الاستقرار الداخلي وفقدان الكثير من المواقع الدوليةِ وتناول حافظ الأسد هذا الموضوع أيضا، ووجه الي بعض الأسئلةِ وأشار من جانبه الى أنهم لا يزالون في سوريا وبعض البلدان العربية الأخرى يرون في الاتحاد السوفيتي عاملا هاما لإبقاء الأمن في المنطقة ولذا يرغبون في أن يذلل الاتحاد السوفيتي الصعوبات الراهنة ويبقى دولة متكاتفة داخليا وقويةِ
انتهت محادثتي التذكارية مع حافظ الأسد بهذه الكلمات الوديةِ وفي الصباح سافرنا الى الخليج مباشرة الى قطرِ لكني أود التكلم في البداية عما جرى في باريسِ فقد صادف وجودي في سوريا مع لقاء باريس بين الرئيسين السوفيتي والأميركيِ
محادثاتي في قطر والإمارات والبحرين
كنت أخطط لزيارة قطر والإمارات العربية من بلدان الخليج العربية الى جانب السعودية وأضيفت البحرين الى هذه البلدان في سير هذه الرحلة بمبادرتها وبفضل معروف من حكومة الإمارات العربية التي قدمت من أجل ذلك طائرتها (وبالمناسبة هذا أحد الدلائل على اهتمام بلدان الخليج بشدة تجاه الاتحاد السوفيتي الذي رأت فيه حالا، وكان ذلك احدى نتائج الأزمة الكويتية، الشريك الثمين الذي لابد من إقامة العلاقات السياسية وغيرها معه)ِ أما عمان فلم أنو القيام بزيارة هذا البلد لأن الأكاديمي بو أوسيبيان عضو مجلس الرئيس سافر الى هناك في الوقت نفسه لأجل مناقشة شؤون أخرى وطلبنا منه أن يناقش كذلك المسائل التي نهتم بهاِ
تقع بلدان الخليج الثلاثة التي زرتها بالقرب من بعضها، ولها الكثير من الظروف المشتركة من الناحية التاريخية ووضعها المعاصر على السواءِ نالت جميعها الاستقلال عندما اضطرت بريطانيا تقليل حضورها في منطقة الخليج وأصبحت كلها ملكية من حيث نظام الحكم (بلا أحزاب سياسية وبرلمانات وانتخابات وغيرها من المؤسسات والخواص الديموقراطية المعاصرة)ِ وتعتمد رفاهية كل بلد على النفط (كانت البحرين أول بلد عربي اكتشف فيه النفط عام 1931، ولكن استثمار مواطن النفط والغاز بدأ في نهاية الأربعينات فقط)ِ وتمكنت هذه البلدان خلال أربعة عقود من رفع نفسها من التخلف الكبير الى درجة عالية جدا من التطور الاقتصادي والاجتماعيِ ولهذه البلدان مشاكل من نوع واحد تقريبا: ازدياد الهجرة السريع (حيث يشكل المهاجرون في الإمارات من إيران، الهند، باكستان والبلدان العربية الأخرى نسبة 80 % من السكان، ويشكلون في بلدان الخليج الأخرى أكثر من النصف بكثير) ونقص مياه الشرب (تضطر لتحلية ماء البحر) والتبعية الكبيرة لاستيراد المواد الغذائيةِ
وما رأيته في بلدان الخليج لم يستطع أن يترك لي انطباعا ابتداء من الدوحة التي وصلنا إليها في 19 نوفمبر بأن 75 % من سكان البلد تقريبا يسكنون في العاصمة، ولم تكن في المدينة بنايات أقدم من 15 سنة، وكان كل شيء يسطع بالنظافة والحداثة والتنوعِ ويمكنني قول الشيء نفسه تقريبا عن عاصمة البحرين المنامة وإن كان الدخل السنوي للسكان أقل مرتين عما هي عليه الحال في قطرِ أما أعلى مؤشر لدخل الفرد فكان في ذلك الوقت لصالح الإمارات ويبلغ 20 ألف دولارِ
وظهر لي أن رؤساء بلدان الخليج الذين اتفق ان التقيت بهم وتحدثت معهم أشخاص ملمون بالشؤون المعاصرة تماماِ
أردت أن أسمي الذين استقبلوني: في الدوحة الأمير الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وولي العهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ووزير الخارجية مبارك الخاطرِ في الإمارات العربية المتحدة: رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ونائب رئيس الوزراء الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ووزير الخارجية رشيد عبد الله، ووزير الدولة للشؤون الخارجية الشيخ حمدان بن زايد آل نهيانِ وفي البحرين: رئيس الدولة بالنيابة ولي العهد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ووزير الخارجية محمد بن مبارك آل خليفةِ
ربما حفظت في ذاكرتي أكثر من الجميع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأعزو ذلك الى التباين بين الظاهر والمضمونِ
يمكن للقارئ أن يعرف بأن أراضي الإمارات الراهنة سميت من قبل الأوروبيين في النصف الأول من القرن التاسع عشر بساحل القراصنةِ وكانت هذه التسمية مستحقة لأنهم كانوا يشتغلون هناك بالقرصنة البحرية بشكل محترف (كانت قرابة 800 سفينة تمارس حرفة لصوصية البحر ريثما أثبتت إنكلترا أواسط القرن أنها حاكمة البحار، مهما كان الأمر، وفرضت الرقابة على ساحل القراصنة الذي نال تسمية جديدة: ساحل التعاهدِ هكذا كان الشيخ زايد يذكر بفضل مظهره وقوامه ولباسه البدوي بصورة مقنعة شخصية من الأساطير العربية 'علي بابا والأربعين حرامي'ِ قال في بداية حديثه معي: 'أنا كما أصدقاؤنا السوفيت راض عن العلاقات الثنائية وعلى يقين بأنها ستتطور بنجاح في روح من الاحترام المتبادل والمساواةِ تمس مبادرات ميخائيل غورباتشوف مصائر ملايين الناس، وقد يقدر التاريخ مبادرات الدول العظمى بعد مرور سنوات تقدير كاملِ وننوي تأدية قسطنا من هذه الأفعال العظيمة عن طريق التعاون مع الاتحاد السوفيتيِ سأشجع رجال الأعمال في الإمارات على تطوير الصلات الواسعة مع الاتحاد السوفيتي، ونحن مستعدون للمشاركة مع الاتحاد السوفيتي في ضرائه وسرائه والمشاركة في نهضة البلد الاقتصادية'ِ
كان حديثنا طويلا وله طابع عملي حتى كلماتنا كانت ملموسة أيضا في كل النقاط الأخرىِ
وفي البحرين اتفقنا على تبادل السفارتين وبحثنا في إمكان البدء في الإمدادات العسكرية (دار الحديث عن عربات المشاة المدرعة)، وبقيت الأزمة الكويتية موضوعنا الرئيسي بالطبعِ
كانت بلدان الخليج العربية كافة تعارض إقناع صدام حسين بأي شيء أو تقديم تنازلات ما له، وتؤيد مراعاة قرارات مجلس الأمن بشكل حازم واتخاذ القرار الأخير مع الإنذار النهائيِ وكانت هذه البلدان تراهن على الحرب بالذات لأنها قبل كل شيء تخاف من انفراد العراق بها، إذا حافظ بعد انصرافه من الكويت على كامل قواه العسكريةِ
الموعد النهائي 15 يناير
نسق ادوارد شيفرنادزه وجيمس بيكر في باريس في 18 نوفمبر أساسا نص مشروع قرار مجلس الأمنِ وافق بيكر على 'توقف النوايا الحسنة' واقترحنا تبديل عبارة القوة ب 'كافة الوسائل الضرورية'ِ وبعد لقاء الوزيرين بقيت مسألة واحدة فقط قيد البحث وهي تحديد الموعد النهائيِ اقترح الطرف السوفيتي 31 يناير 1991 أن يكون هذا الموعدِ وكان الأميركان يتمسكون بهذا الموعد أيضاِ (تم حل هذه المسألة نهائيا في نيويورك قبل جلسة مجلس الأمن حيث وافق ميخائيل غورباتشوف وجورج بوش على أواسط يناير)ِ
وتم في 19 نوفمبر لقاء غورباتشوف مع بوش لإبرام الاتفاقات التي توصل إليها في اليوم السابق وزيرا الخارجية والخاصة بصيغة القرار، ولم يصاحب الأمر أي جدالِ وركز الرئيس السوفيتي كما كانت عليه الحال في موسكو، اهتمامه على الحل السياسي السلمي وكان الرئيس الأميركي يوافقه على ذلك عن طيب خاطرِ ويمكننا الاعتقاد بأن كلا الرئيسين تفهم أن الأمر اقترب من نهايتهِ وكما قيل في البيان الختامي عن لقاء الرئيسين بأنه 'يجب أن تحل المشكلة ولا ينبغي أن تبقى معلقةِ ويرى الرئيسان ان كل ما اتخذ حتى الآن في إطار هيئة الأمم المتحدة صحيح ويستجيب لنص قرارات مجلس الأمن وروحهاِ وقام جورج بوش وميخائيل غورباتشوف بتحليل الوضع في الخليج بصورة مفصلة في هذا الوقت على أساس المعلومات المتوفرة لديهما وتبينت خطورته الجدية على المجتمع الدولي ووافقا على ضرورة مناقشة الحالة في إطار هيئة الأمم المتحدة من جديد'ِ
وبحث ميخائيل غورباتشوف في باريس الحالة في الخليج مع ميتيران وتاتشر وكول وبعض القادة الآخرينِ وقال الرئيس السوفيتي في حديث للتلفزيون الفرنسي في 21 نوفمبر: 'لا نستطيع أن يبقى هذا الخرق الغليظ للقانون الدولي واستقلال الشعوب والحرية عندما تتعرض دولة بأكملها للعدوان وتتعرض للضم وأن يبقى العدوان بدون عقاب، إن هذا لا يقبل بالمرةِ وأثبتنا هذه الآراء مع الرئيس بوش وجميع المشاركين الآخرين معنا في تبادل الآراء'ِ
يكتب بوش أن غورباتشوف طلب منه انطلاقا من أسباب داخلية بحتة عدم إفشاء الاتفاقات المتوصلة بينهما لوقت معين والتي من بينها مضمون القرارِ ولهذا السبب لم يذكر أو يقل عنه شيئا لا في المؤتمرات الصحفية ولا في البيان الختامي الرسميِ وأثار ذلك فورا الكثير من الإشاعات عن الاختلافات السوفيتية ـ الأميركية وأجواء اللقاء الباردة بين غورباتشوف وبوشِِِالخِ وفي حقيقة الأمر، حسب تقدير بوش، كان هذا اللقاء أكثر حرارة بينهما من كافة اللقاءات التي تمت من قبل من الناحية الشخصية، ومن وجهة نظر وحدة المواقف في المسائل التي تمت مناقشتهاِ
ذهب بيكر من باريس، بغية تنسيق مشروع قرار مجلس الأمن، ليلتقي مع وزراء خارجية اليمن وكولومبيا وماليزيا وهي البلدان التي لم تكن محاطة بالاستشارات من جانب الولايات المتحدة بصفتها رئيس مجلس الأمنِ وسافر شيفرنادزه الى الصين حيث عقد في مدينة أورماتشي لقاء مع وزير الخارجية تسان تسي تشين، ودار الحديث هناك أيضا عن جلسة مجلس الأمن المقبلة وطرق تذليل الأزمة الكويتيةِ وكان شيفرنادزه قد قال لبيكر في موسكو انه يرجح أن تمتنع الصين عن التصويت على القرارِ وتوثق هذا الانطباع في أورماتشيِ
لم تنو بكين في كل الأحوال محاصرة القرار، بل كان من الممكن أن تصوت عليه لو وافقت واشنطن على رفع التحديدات والقرارات المفروضة على الصين في عام 1988 بعد أحداث ساحة تيان مينِ وثبت الوزيران على أن ثمة في مواقف البلدين من الأوضاع في منطقة الخليج الكثير من النقاط المشتركةِ