السبت، 4 يونيو، 2011

أحاديث عن المافيا الروسية (4)


ليس ثمة فرق كبير بين المافيا الروسية والمافيا في كل العالمِ غير ان الاشكال والاساليب تختلف والفرق يكمن في ان روسيا بلد متعدد القومياتِ ولذلك تكون الجريمة المنظمة الروسية متعددة القوميات ايضاِ فتتكون مثلا منظمة 'كوزا نوسترا' الايطالية في الاغلب من الايطاليين فقط واليابانية 'ياكودزا' من اليابانيين فقط، بينما توجد في روسيا الان 200 تشكيلة مافيا مقسمة على اساس اثنيِ وتكون مجموعة 'اسهم' معينة ملكا لاثنية ما، بينما تترك الاسهم البقية للاثنيات الاخرى.
وهناك خاصية اخرى للمافيا الروسية تكمن في بنائها الهيكليِ فتواجد منظمة من نوع 'كوزا نوسترا' مثلا، مع ادارتها الحكومية امر مستحيل في روسياِ فهيكل المافيا في روسيا 'زاحف' ويتدفق كالسائل ويتخذ شكل الاناء الذي يحويه او الفراغ المتشكلِ ومع ذلك للكثير من التشكيلات هيكل تقليدي يتكون من الزعيم والمساهمين ومجلس الشيوخِ ووحداتها التي تشتغل بالبيزنس العلني لها بنوكها وشركاتها الخاصة وصناديقها الخيرية.
وفي البيزنس توجد ميزة مبدئية، فمثلا مجال بيزنس المافيا في الغرب محدود الى درجة كبيرة، كالسيطرة على مراكز الدعارة ونوادي القماروتجارة المخدرات والاسلحة واحيانا في العقاراتِ ويضاف الى ذلك في روسيا التجارة في الموارد الطبيعية والمواد الاستراتيجية والتهريب.
وتعمل المافيا الروسية بتلك الوظائف التي ينبغي ان تؤديها الدوائر الحكوميةِ ولا يخفى على احد الان بان رجال الشرطة والامن يقولون بأنفسهم للمجني عليهم: توجهوا للمافيا فهي التي تسترد حقوقكمِ وهذا يعني بأنه لم يبق ثمة امل في الحكومةِ والان تعمل المافيا الروسية ليس بتلك الطريقة التي نشأت بها قبل خمس سنوات عندما كان يمكن استئجار اعضاء المافيا ليستردوا مبلغا او يعيدوا ديونك بالقوة، فاليوم لديهم جميعات خيرية تطالبك بتقديم وثائقك لكي تدرس من قبل حقوقيين متمرسين يتقاضون رواتبهم من المافياِ وبعد ان تثبت ادانة شخص ما يقررون العقوبات التي تفرض عليهِ وليس ثمة شك في قدرتهم على متابعة الامر الى نهايته المرجوةِ بمعنى ان المافيا في روسيا اخذت تؤدي دور الهيئات الرسمية ولكن بدون تطبيق الوثائق التشريعية تماما.
وكان مثل هذا الشيء يحصل حتى في الحقبة السوفيتية عندما كان يتوجه الناس الى مجرمين 'ذوي سمعة' غير ان شيئا مما يحصل الان لم يكن له ان يحدث في الماضي، فالحالة الان اسوأ بكثيرِ لان الاجرام المنظم بدأ يتغلغل اعمق فأعمق في السياسةِ وتتميز المافيا الروسية هنا عن المافيا الخارجية ايضاِ في روسيا يمارس رجل المافيا السياسة بشكل مباشر وثمة في روسيا الان مدن ومقاطعات بأكملها تسيطر عليها المافيا وتحكمها ابتداء من المحافظ.
وتسنى للمافيا الروسية الاستيلاء بسهولة على الساحة التي ترغب بها لكي تعمل في الظروف الملائمة لهاِ ولم تصل المافيا الاميركية مثلا، الى هذا المستوى ولم تتوفر لها مثل هذه الظروف ابدا.
دولة داخل دولة
فما هي الحدود الشفافة التي لا يستطيع احد تلمسها في عمل المافيا الروسية؟
انها الظروف المثالية لتزانزيت المخدرات والاسلحة وغسل الاموال، وسيستمر هذا الظرف طالما ظلت الحدود الروسية هشة.
وترتكب في موسكو وحدها يوميا 300 جريمةِ والعدد قليل لمدينة كبيرة تستوعب 15 مليونا مع من يصلهاِ والعدد الحقيقي اكبر بكثير لان معظم الجرائم قد لا تسجل وتخفيها الاحصائيات الرسمية احيانا، ووفقا للاحصائيات المعلنة ترتكب في روسيا الان 3 ملايين جريمة في السنة، بينما تشير الاحصائيات الدقيقة لدى وزارة الداخلية الروسية الى ارتكاب 8 ـ 12 مليون جريمة.
ويشترك افراد الميليشيا الحكومية في نشاط المافيا، الا يرتكب الموظفون الحكوميون الجرائم بمشاركتهم اليومية بنقل المواد الاستراتيجية الى الخارج؟ الا يعتبر الموظف المرتشي عضوا غير مرئي للمافيا؟ وبعد ان فاحت رائحة مشاركة قوى الامن مع المافيا في كل عملياتها اضطر وزير الداخلية الروسية الاسبق اناتولي كوليكوف الى انشاء هيكل امني في وزارته اطلق عليه جهاز الامن الداخلي لمكافحة المجرمين وسط قوى الامن، وكان تأسيس هذا الجهاز عملية اريد منها التخويف وبالكاد يمكن الثقة بأنها توصلت الى هدفها.
فالمافيا كما هو معروف دولة داخل الدولة، فقد كانت في ثلاث دول: ايطاليا والولايات المتحدة واليابان والان في روسياِ ولا يمكن اعتبار الجريمة المنظمة في البلدان الأخرى سببا لوجود مافيا مشابهة لما لدى البلدان الاربعة، لان مستواها يبقى متوسطاِ وتدل التجارب والممارسات على ان المافيا في البلدان المذكورة خالدة رغم ان اساليبها تتغير فقد انتقلت من الاساليب الوحشية الى 'المتمدنة' واصبحت جزءا من الآلة الرسمية وتساعد بقدر ما في ازدهار الدولة! ففي الولايات المتحدة تصل عوائد تجارة المخدرات الى 100 بليون دولارِ وهذه الاموال 'مغسولة' وتعمل لصالح الدولةِ ولكن في روسيا الصورة مغايرة تماما، فالاموال تغسل فيها لتذهب الى الخارجِ ومن الممكن ان تتغير المافيا الروسية مع الزمن ومع تطورات الحالة السياسية والاقتصادية.
ولا يوجد امل ان تستبدل نفسها بوزارة الداخلية او التجارة او الاقتصادِ وستدخل في 'المربط الاجرامي'، لذلك لا مناص من السعي لاستقرار الجريمة وتخفيف موجة الاجرام العاليةِ ولا يمكن التوصل الى ذلك الا بتغيير الاسباب التي ولدتها البطالة وعدم دفع الاجور وعدم تخصيص الاموال للبرامج الاجتماعيةِ واذا نجحت السلطة الروسية في تحقيق ذلك يمكنها عندئذ الحديث عن ادخال المافيا الى 'المربط الاجرامي'، وليس اكثر.
المافيا الروسية موجودة ومتراصة ولها اموال كافية (تتداول بعض التشكيلات حوالي 4 ـ 5 بلايين دولار)، واخيرا دخلت المافيا في كل فروع السلطة، ومن المرجح ان تعقد السلطة اتفاقا ما مع المافيا، تبقي لها الارباح مقابل التخلي عن العنف تمهيدا لعمل اموال المافيا لصالح الدولة.
والدعوة هذه اكدها مسؤولون امنيون بعد ان فشلوا في اغماض اعينهم عما يحدث.
وفي هذا الصدد قال احد كبار رجال المافيا في موسكو انه مستعد لطرد التشكيلات التي تقوم باعمال دموية حتى لو تطلب الامر القيام باعمال مشتركة مع قوى الامن!
واذا وافقت الدولة على بلوغ اتفاق ما مع المافيا فان السؤال المطروح هو: من سيجري المباحثات معها؟ رئيس الوزراء ام الوزراء؟ ام من؟
يقال انه في الولايات المتحدة تم التوصل الى اتفاق مشابه، حيث وضع البوليس والمافيا قانونا للسلوك، غير مدون ولكنه لا يخرق، وهذا القانون يظهر شيئا فشيئا في روسيا ايضا.