الأربعاء، 8 يونيو، 2011

كيف حددت روسيا استراتيجيتها لمرحلة ما بعد صدام؟

لا تنظر روسيا الى منطقة الخليج والشرق الاوسط عموما كساحة لتصارع الدول الكبرى على مناطق النفوذ كما كان عليه الوضع اوقات الحرب الباردةِِ وللدقة يعتبر الاقليم بالنسبة لموسكو وواشنطن منطقة تنافس اقتصادي وتقني والبحث عن اسواق جديدة ضمن شروط لم يتفق عليها بعد خاصة ان لروسيا شروطها الخاصة للعولمة بعد ان رأت نفسها خارج منظماتها ومؤسساتها ولا تزال تئن من عقوبات مرئية وغير مرئىة هي واحدة من افرازات الحرب الباردةا لتي يؤكد دبلوماسيو الطرفين على طي ملفاتهاِ ويمكن الاستنتاج فقط بعد اكثر من عقد من توديع المرحلة السابقة الى استبدال مصطلح الصراع الى التنافس وهما في كل الاحوال لا يختلفان كثيرا فعمليات الضرب تحت الحزام يمارسها الطرفان في كل موقعةِ
وتكاد ازمة الشرق الاوسط الوحيدة التي تتفق في شأنها موسكو وواشنطن الى حد بعيد ومع ذلك يقول وزير الخارجية ايغور ايفانوف في حديث اكثر من صريح مع وفد مجلس الامة الكويتي: 'اننا لا نختلف بخصوص عملية السلام، لكننا في حيرة مما يحمله المستقبلِ نحن نعرف ما هو المطلوب ولكننا لا نمتلك الآليات الكافية لتحقيق ذلك'ِ
في الوقت نفسه، تحاول موسكو تقوية علاقاتها مع كل الخصوم في لاقليم وتعتقد ان هذه السياسة تسهل مهمة الوساطة الروسية سواء على مستوى الصراع العربي - الاسرائيلي او العربي - العربي واذ تؤكد روسيا على ان تكون هذه السياسة متوازنة: 'لا نريد ان تكون علاقاتنا مع طرف على حساب طرف آخر' حسب ايفانوف، فليس كل ما يشتهيه الدبلوماسيون يحلو لحسابات جنرالات النفط والسلاح والجيوبوليتكا ومكافحو الارهاب!ِ
فما زال الكثيرون في موسكو يرون في نظام بغداد الجدار الواقي لهم من هجمات الاصوليين ويكاد يكون البلد العربي والاسلامي الوحيد الذي وقف الى جانب روسيا في 'محنتها' القوقازية بشكل كامل دون مايعرف بسياسة ال 'لكن'ِ
وبالنسبة للموقف الروسي من الكويت، فان كل الفرص كانت سانحة ل 'القبس' للاطلاع على هذا الموقف من افواه صانعي القرار في روسيا الذين لم يبخلوا على ممثلي الشعب الكويتي الزائر لروسيا بكل العبارات الدافئة والعميقة التي عبرت بما لا يقبل الشك عن تضامن روسيا الكامل مع جميع المطالب الكويتية التي يمكن حصرها:
- اعتراف العراق بسيادة وامن دولة الكويت حول هذه النقطة اكد الرئيس فلاديمير بوتين في اكثر من مناسبة بأن روسيا تبذل كل جهودها لضمان امن وسيادة دولة الكويتِ واعاد وزير الخارجية ايغور ايفانوف هذه العبارات امام وفدين كويتيين على الاقل وصلا الى موسكو في ابريلِ واكد المبعوث الروسي الخاص للشرق الاوسط فاسيلي سيريدين ذلك امام رئيس واعضاء لجنة الشؤون الخارجية لمجلس الامة وكرر القول: 'روسيا لن تخذل الكويت تحت اي ظرف'ِ
الافراج عن الاسرى واعادة الممتلكات الكويتيةِ وهذه القضية لن يختلف عليها اثنان ايضا في روسيا سواء في السلطة التنفيذية او التشريعية (مع مراعاة منافقة بعض ممثلي الاخيرة الذين ترتبط جيوبهم مع النظام العراقي)ِ
وتقترب اقتراحات موسكو لحل هذه القضية مما تسعى اليه بغداد وهو عدم تدويل هذه القضية واخراجها من مجلس الامن (خرق القرار 1284 هنا بين) وبدء العمل حسب الصيغة: العراق - الصليب الاحمر - الكويتِ اي تحويلها من قضية الكويت الاولى الى مشكلة يمكن حلها بلجنة ثلاثية تتوسط فيها هيئات الصليب الاحمر بدلا من مراقبة مجلس الامنِ
وفي الوقت نفسه لا تعارض موسكو الموقف الكويتي بهذا الشأن الملخص بعبارتين هامتين: لا نثق بالنظام العراقي، لا تضعونا معه في قفص واحدِ اي ان الكويت، اولا، تريد ضمانات دولية وربما تقبل بضمانات روسية فرنسية صينيةِ ثانيا، لا تريد تمييع القضية واغراقها بمساجلات وسجلات ممثلي الصليب الاحمر، اي ان تدخل روسيا (والافضل مع فرنسا والصين) في الحوار الثلاثي المزعوم، وبذلك تحقق تدويل القضية وتكسب ضمانات الدول الكبرىِ
واصبح واضحا بعد التجارب الكويتية المريرة مع النظام العراقي نمو ادراك كويتي متأخر بان موسكو تمتلك مفاتيح النظام العراقي، وهو الوحيدة التي تستطيع اجبار النظام العراقي لتحقيق هذا المطلب او ذاكِ ولم تخرج بالصدفة صرخة رئيس لجنة الشؤون الخارجية محمد الصقر في داخل الخارجية الروسية 'روسيا الوحيدة في العالم التي تستطيع استرجاع حقوق الكويت'ِ
ولا ينبغي في الوقت نفسه النظر الى بعض حلقات الصراع من اجل استرجاع ابناء الكويت الى وطنهم من زاوية واحدةِ فروسيا ترى نفسها ملزمة في بعض المحافل الدولية لاتخاذ موقف ما تراه الكويت متناقضا مع مواقفها السابقة كالتصويت في اجتماعات لجنة حقوق الإنسان في جنيف حول الأسرى الذي لم يأت كما تطمح إليه الكويت، وقد يتكرر في لقاءات 'إنسانية' أخرىِ ويعود السبب في 'مشاكسة' روسيا للجان حقوق الإنسان، لأمور في نفسها وليس للكويت علاقة فيها، فروسيا ترى ان هذه اللجنة تستغل من بعض الجهات لممارسة الضغط السياسي عليها وخاصة ما يتعلق بالوضع في الشيشان والبلقان وغيرها، ونتيجة لذلك تراها دائما على النقيض من أي قرار تصدره هذه اللجنة، غير انها تتمسك بالموقف العام والأساسي بشأن الافراج عن الأسرىِ
ويجدر التأكيد هنا على الرغم من ان هذا التأكيد قد يجد من لا يصدقه بسرعة وهو ان روسيا بقيادتها وأجهزتها الأمنية العريقة وحتى حلفاء النظام العراقي فيها لا يعرفون فعلا مصير الأسرى الكويتيين ولا يمتلكون حقا معلومات عنهمِ ولو كانوا يمتلكون خيطا مهما كان باهتا يوصلهم للأسرى لتعقبوهِ وليس أقرب من الرئيس فلاديمير بوتين لمعرفة أسرار روسيا والكون بحكم عمله الطويل كرئيس للمخابرات وفي الحكومة والكرملين فقد كان اول شروطه لقبول دعوة صدام لزيارة العراق هو سؤاله لحامل الدعوة طارق عزيز: هل تحقق زيارتنا التطبيع الكامل للوضع في منطقة الخليج؟ وعندما تواصلت عليه عبارات الانشاء السياسي من ممثل العراق اعاد صيغة السؤال اختصارا للوقت: هل انتم مستعدون لحل كل القضايا المعلقة مع مجلس الأمن والكويت خلال زيارتنا؟ِ وبعد ان وضع طارق عزيز في زاوية لا يمكنه الخروج منها سالما إلا بتفادي الاجابات بعبارات عشوائية تصلح لأي حديث ومقام، قال بوتين: عندما تكونون مستعدين للإجابة على هذه الأسئلة سنكون بالقرب منكمِ
وكان هذا الحوار كافيا لأن يغادر عزيز موسكو ولم يعد إليهاِ وهو الذي قال مرة لنائب رئيس حزب الوطن كل روسيا قسطنطين كوساتشوف في حفلة عشاء اقيمت في بغداد بأنه: 'طالما فورنتسوف رئيسا للجنة الأسرى لن يسمح لها بدخول العراق'ِ
وستواجه طارق عزيز بصفته وزيرا للخارجية بالوكالة الكثير من المتاعب في حالة وصوله الى موسكو، خاصة لو تحققت بعض التوقعات حول إعفاء إيغور ايفانوف وتعيين أحد الدبلوماسيين الروس من ذوي الميول الديموقراطية الليبرالية والذي يمقت النظام العراقي وزيرا للخارجية الروسيةِ وسيفقد ممثل بغداد دفء القبلات التي تعود عليها في السنوات الخمس الأخيرة والتي سيعوض عنها وزير الطاقة والوقود الروسي الذي سيعين في نهاية الربيع الذي يعد واحدا من اهم اصدقاء صدام حسين في روسيا!! ولا توجد ثمة غرابة في هذا التناقض الظاهر: تعيين وزير الخارجية يكره النظام العراقي ووزير الطاقة يعد أقرب أصدقائه، فهذه التعيينات هي صورة شاملة ومكعبة للسياسة الروسية المعاصرة (مثال على ذلك الشأن العراقي): وزير الخارجية يقوي الجسور مع الغرب والولايات المتحدة، ويذود عن مصالح روسيا في المحافل الدولية 'المحترمة'، وفي الوقت نفسه وزير للطاقة يمتلك شخصيا اكثر الحصص في النفط العراقي 'سواء في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء او النفط المتسرب في مياه الخليج'ِ
وزير للخارجية يستطيع إفهام الغرب والولايات المتحدة توجهات وزير الدفاع سيرغي ايفانوف وأحقيته بمناصرة فتح المخازن للجيش الإيراني وبناء الصواريخ الحديثة لمواجهة شبكة الدفاع الصاروخي الجديدةِ
ان روسيا لا تختلف مع الولايات المتحدة بشأن العراق فحسب، بل تختلف ايضا مع القيادة العراقيةِ لهذا السبب لم تمثل زيارة نائب رئيس العراق طه ياسين رمضان فتحا جديدا للعلاقات بين الطرفين كما توقعت بغداد بل وضعها الروس في الاطار الذي يناسبهم: في مجال العلاقات الثنائية فهي قوية وروسيا مهتمة بتطويرها اليوم في ظل الحصار الذي تتمنى ان يرفعِ وهذه المعادلة مواتية لموسكو الى حد بعيد، فهي مع تطوير العلاقات مع وجود سلاسل الحصار لأقصى حد رابحة جراء ذلك اكثر من 80 في المائة من عقود النفط مقابل الغذاء، هوالنفط نفسه الذي سيصدره العراق بعد رفع الحصار او قد يزيد بنصف مليون برميل تبقى نسبة روسيا فيه ثابتة ايضا ولمن يستطيع التعاون مع العراق من شركات ومؤسسات وهيئات فليفعل دون أن يمس الخارجية بسوء، أو يفرض عليها المطالبة بالافراج عن طاقم هذه السفينة او تلكِ فالعراق امامكم ولكن من شماله الى جنوبه ولديكم الحدود كلها مفتوحة مع شركائنا الايرانيين والسوريين وها هي الإمارات العربية تفتح فنادقها وموانئها لكم، بيدكم الآن خليج 'البيزنس' اعملوا أي شيء شرط ألا تورطونا في شر أعمالكمِ
وهكذا فان 5،1 بليون دولار هو حجم التبادل التجاري الرسمي (الشرعي) بين روسيا والعراق يمكن مضاعفته بكل جرأة ليصل الى نحو 3 بلايين دولار في السنة وفي ظل الحصار، لذلك قال الجانب الروسي المقابل للجانب الكويتي قبل اسبوع بان حجم التبادل التجاري بين روسيا والكويت هو 8 ملايين دولار (!!) في السنة وهو 'رقم ين ِِ ين' (بادر أحد نواب مجلس الامة لمساعدة المترجم الذي لم يستحضر الوصف وأكمل بدلا عنه: يندى له الجبين)!
وربما سيظهر اكثر من معارض لمجرد طرح السؤال الحتمي التالي: من قال بأن روسيا تريد رفع الحصار عن العراق؟ ولكن هل هذه المعارضة تتغير لو عرفت الحجة؟ وفي حالة ضعف الحجة ألا ينبغي دراسة هذا السؤال كمجرد احتمال؟
الحجج التي نسوقها لدعم الرأي القائل ان روسيا لا تريد رفع الحصار هي:
ليس لمصلحة روسيا اقتصاديا رفع الحصار للاسباب التالية: اولا، تبادلها التجاري والاقتصادي مع العراق في ظل الحصار كاف جداِ ثانيا، في حالة رفع الحصار سيتجه العراق الى اصدقائه التقليديين الاخرين وستتراجع روسيا الى المركز الرابعِ ثالثا، ان الحصار سيرفع عن العراق اقتصاديا فقط حتى لو جاء للحكم فيه عتاة الليبراليين الديموقراطيين وستبقى مراقبة التسلح كما هي، بمعنى ان روسيا تدرك ان رفع الحظر لا يعني فتح اسواق الاسلحة العراقية حتى التقليدية منهاِ رابعا، ان اللجنة التي شكلت خلال زيارة رمضان لموسكو لبحث موضوع الديون العراقية توصلت مبدئيا لان يدفع العراق ديونه نفطا لشركات النفط الروسية ولا احد في روسيا يضمن التزام العراق بهذا الشرط في حالة رفع الحصار عنهِ خامسا، طالما يفرض الحصار على العراق فسيبقى بحاجة الى التكنولوجيا الروسية الرخيصة والمتاحة في مجالات النفط والزراعة والري والطاقة الكهربائية والمواصلات وغيرها ويعلم الروس جيدا بسياسة العراق القائمة على فكر القائد بتنويع مصادر التكنولوجيا التي ستبقى مؤجلة الى يوم يبعثونِ سادسا، ليس من مصلحة الحكومة الروسية ولا مصدري النفط الروس زيادة العراق انتاج النفط الذي سيغرق السوق العالمية ويهدد بانخفاض اسعار النفطِ
رفع الحصار قد يجلب معه نظاما يتجه للتطبيع مع الولايات المتحدة واصدقائها في المنطقة أو اسلاميين تعاني موسكو منهم الآن الامرين، وفي الحالتين ستخسر روسيا العراقِ
وقد تكون هذه الاسباب مقدمة لفهم الاختلاف الروسي ـ العراقي في المحور الآخر والهام في العلاقات بين البلدين والمتعلق بتسوية 'الحالة' والمختصون الروس بالشأن العراقي ادركوا منذ فترة طويلة ان العراق يحتاج في كل مرة الى زمن ما لكي يوافق على هذا القرار أو ذاك مما يصدره مجلس الامن لذلك يأتي الاصرار الروسي لكي ينفذ العراق 'كافة قرارات مجلس الامن' فهذه المطالبة هي التي تحقق لهم النظرية السابقة بان روسيا لا تريد رفع الحصار فهم يجمعون كل التفاحات بيد واحدة: لا يخالفون قرارات المجتمع الدولي، اصدقاء الاعداء والاصدقاء، اصدقاء العراقِ
وعندما يسألون لماذا تضغطون على العراق تكون اجابتهم: نتفق على المبادئ ولكننا نختلف في طريقة نقلها الى المواقعِ
الوساطة الروسية
قبلت روسيا لعب دور الوساطة التي انكرت وجودها لعام كامل خوفا من التأثير عليها من قبل وسائل الاعلام وما تفعله في توجيه الرأي العام، لاسباب عديدة وهي في الاغلب كما تراها موسكو:
ان ذلك يعطيها وضع الدول الكبرى التي تسعى لحل اهم الازمات على النطاق الدولي واحياء للدور القديم للسياسة الخارجية الروسيةِ
نجاح زيارة بوتين الى كوريا الشمالية وحمله مقترحات للغرب الذي قبل هذه الوساطة، لتطبيع العلاقات مع هذا البلد، اعطى موسكو زخما اضافيا لاعادة اللعبة مع العراقِ
تحسين سمعة روسيا في نظر العالم العربي والاسلامي بعد فشلها في لعب اي دور يذكر في تسوية الشرق الاوسط والحرب في الشيشانِ
- تقوية نفوذها في منطقة الخليج بعد تثبيت مواقعها في العراقِ
وانحصرت الشروط العراقية لقبول الوساطة الروسية:
لعب روسيا دور الوساطة الكاملة بين العراق من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة اخرى بشأن ايجاد صيغة يستطيع فيها العراق تنفيذ قرار مجلس الامن الدولي 1284 بما يكفل منح بغداد ضمانات كافية لغلق جميع ملفات اسلحة الدمار الشامل العراقيةِ وعندها ستسمح بغداد ل'موفدي' وليس 'مفتشي' الامم المتحدة بالقيام بمهمة 'الرقابة' وليس 'التفتيش' على 'المنشآت المعنية' وليس 'اي موقع يختارونه' كما كان عليه الحال في اللجنة السابقةِ
الغاء مناطق حظر الطيران والكف عن التحليق فوق الاراضي العراقية من قبل طيران الولايات المتحدة وبريطانياِ
يتعهد العراق بتنفيذ كافة الاجراءات التي تتوصل اليها روسيا في وساطتها مع الغرب بشكل يضمن له رفع الحصارِ
تدخل 'الوسيط الروسي' وهو في هذه الحالة الرئيس فلاديمير بوتين لغرض ايجاد 'حل ما' للاسرى و'المفقودين' الكويتيين وعدم السماح للدبلوماسي الروسي يولي فورنتسوف بابداء تصريحات 'معادية' طالما ان القضية احيلت الى الرئىس بوتين شخصياِ
دعوة الرئيس فلاديمير بوتين الى بغداد لتعذر زيارة الرئيس صدام حسين الى موسكو لاسباب معروفة لغرض مناقشة كافة القضايا مع القيادة العراقية لغرض دفع عملية الوساطة الروسية الى الامام وتوفير كافة السبل لانجاحهاِ
يتعهد العراق بدعم عملية التسوية في الشرق الاوسط في حالة رفع الحصارِ
كسر الحظر الجوي
وتحاول موسكو اللعب بمسألة الحظر الجوي بما يخدم مصالحها، فقد اكد وزير الخارجية ايغور ايفانوف اكثر من مرة بانه 'لا يوجد اي قرار دولي يحظر تحليق الطائرات المدنية الى العراق'ِ وكانت الخارجية الروسية قد اعلنت في هذا الصدد في بيانات عديدة جاء فيها ان 'من الضروري التأكيد على ثبات الموقف الروسي من امكانية استئناف الرحلات الجوية مع العراق'، و'ان قرارات مجلس الامن لا تفرض اي حظر على القيام برحلات ركاب منتظمة الى بغداد وسنكون مستعدين لاستئنافها حالما تصبح ممكنة'ِ
وتعيق شركة 'ايروفلوت' لكي تسير رحلاتها الى العراق مشاكل فنية وليست سياسية (يبدو ان القرار السياسي اتخذته القيادة الروسية بالموافقة)ِ اذ ان ذلك يتطلب الحصول على رخصة مرور في اجواء البلدان التي يمر بها الخط الجويِ وتستطيع الطائرات الروسية التحليق عبر خط سوتشي ـ البحر الاسود ولا يواجهها غير الاجواء التركية في طريقها الى العراقِ
وتحاول موسكو من خلال استئناف رحلاتها الى بغداد القضاء على جوهر العقوبات مع ابقائهاِ
النفط مقابل الغذاء
لا تزال روسيا ترى ان برنامج النفط مقابل الغذاء اجراء مؤقت لا اكثر، وليس 'البديل للتطور الاقتصادي والاجتماعي للعراق'ِ
وتؤيد موسكو القرار 1330 الذي ساهمت في دفعه لمجلس الامن لان 'معدي القرار اخذوا في نظر الاعتبار عددا من البنود الرئيسية لروسيا والعمل على جعل البرنامج انسانيا وفعالا' حسب بيان للخارجية الروسية بهذا الصدد، علما بأن اهم 'البنود الرئيسية' التي كانت روسيا تطالب بها في السنة الاخيرة هي تقليص نسبة الخصم الذي يصب في صندوق التعويضات من تسويق النفط العراقي من 30% الى 25% لكي يتيح ذلك للعراق تخصيص اموال اضافية للمشتريات 'ذات الطابع الانساني'ِ
وثمة عنصر ساعدت روسيا في دعمه لانه يصب بالدرجة الاولى لصالح شركاتها النفطية العاملة في العراق وهو تخصيص 600 مليون دولار 'لحاجات القطاع النفطي العراقي'ِ
الموقف من قمة عمان
لا تتوقف روسيا عند محطات معينة للازمة العراقية، بل تتعامل معها وفق نظرتها ومصالحها وما حصل في قمة عمان من احداث معروفة بخصوص أن العراق لم يفاجئ احدا من راسمي السياسية الروسية تجاه العراق، بل كان متوقعا لاغلبهمِ ولاول مرة يلاحظ اقتراب الموقف الروسي الى حد التطابق مع الموقف القائل بان النظام هو الذي يريد اطالة امد الحصار بتصريح مثير والاول من نوعه للوزير ايفانوف عند لقائه رئيس واعضاء مجلس الامة عندما قال ان: 'هناك في العراق من لا يريد رفع الحصار لكي يستمر بقمع الحريات وفرض حالة الطوارئ في البلاد'!!
ماذا بعد صدام؟
يعتقد بعض الخبراء الروس بان رحيل صدام في هذا الوقت والخلافة لم تحسم بعد بين ولديه عدي وقصي، سيدخل العراق في حرب اهلية اشرس مما جرى ليوغسلافيا وستكون نتائجها كارثية اكثر من تكفكك يوغسلافيا الاتحاديةِ فيما يرى التكنوقراطيون الروس الذين يحكمون البلاد عمليا بان علاقاتهم مع العراق لا تحكمها الاعتبارات الجيوبوليتيكية الديماغوجية، بل ما ترسمه اسس علاقاتهم مع الدائنين الغربيين والمنظمات المالية الدولية وعدم السماح بهبوط اسعار النفطِ والنظام الروسي الحالي حقق استقراره الداخلي بسبب العامل الاخير، ومهما آلت اليه الامور في العراق بعد صدام فان ثبات آلية تصدير النفط العراقي اكثر ما يقلق مصدري النفط الروس الذين يعيلون البلاد، وهؤلاء ينظرون الى رحيل صدام بهدوء وهو الذي كان دائما يقض مضاجعهم وآبارهم بقراراته المفاجئة التي تنسف كل ما يخططون له لسنواتِ وبشكل عام فان ظهور سلطة جديدة في العراق تمتلك ولو الحد الادنى من حالة استقرار اتخاذ القرار، مفيد لمصدري النفط الروس وبالتالي للحكومة الروسية التي لم تحصل في العام الفائت ولا الحالي على اي قرض غربي ومطالبة بتدبير 6.5 بلايين دولار للخزينة من عوائد النفطِ بالاضافة الى ان القسم المتنفذ في المؤسسة الحاكمة الروسية مرتبط بقطاع الوقود والطاقة وهؤلاء رتبوا انفسهم للتعامل مع الخليفة القادم في بغداد من خلال ارتباطهم معه طوال سنوات الحصار بعمليات تهريب النفط والسلاح وكل انواع 'البيزنس' غير الشرعي، الامر الذي لا يستطيع فيه الحاكم الجديد (في حالة ظهوره من رحم النظام) الانقلاب عليهمِ
وفي غضون ذلك اثبتت السنوات الاخيرة قابلية موسكو على التكييف لاي تطور مهما كان حادا في الدول الشريكةِ وبينت ان روسيا لها مفاتيح احتياطية تستخدمها لحل اي مأزق يتركه رحيل الاشخاص، وليس من المصادفة ان تطرح موسكو مشروع منظومة امنية اقليمية للخليج بمشاركة العراق وايران بالرغم من علمها ان صداقتها مع صدام ليست ابديةِ