السبت، 4 يونيو، 2011

متى يلجأ الاطلسي الى روسيا؟ (2)


في ضوء ما تقدم، تسنى لزعماء حلف الاطلسي تأمين تأييد البلدان الاوروبية الاخرى، وفي اسوأ الاحوال حيادهاِ كانت سبع دول محاذية ل 'جبهة الحرب' (البانيا، مقدونيا، بلغاريا، كرواتيا، البوسنة، سلوفينيا ورومانيا) تؤيد الاطلسي وتم تأمين الدفاع عنها في حالة قيام ميلوسيفيتش بتوسيع نطاق الحرب خارج الحدود اليوغسلافيةِ وعلاوة على ذلك، وعد اعضاء الناتو هذه الدول بمساعدات اقتصادية كبيرة من خلال الاتحاد الاوروبي ل 'اعادة اعمارها'ِ ويبدو ان الرئيس البلغاري بشكل خاص يأمل في تطوير اقتصاد بلده الذي يعاني من ازمات عميقة رغم المصائب التي تسقط على رأس بلده دوريا من جراء العمليات الحربية.
ويستثمر اعضاء الاطلسي بنجاح وعلى نطاق واسع سعي بلدان اوروبا الشرقية والوسطى الى دخول الحلف في اقرب وقت ممكنِ وقد صادقوا في لقاء قمة واشنطن على وثيقة تطالب مباشرة كل المرشحين بتطوير اسلحتهم كي تطابق مواصفات الناتو، وعليهم تقديم المساعدة الى الحلف خلال تنفيذه العمليات بكافة الوسائل المتاحة لديهم.
وكان رد فعل هذه البلدان على نداء الناتو سريعا جدا: وقد سمحت رومانيا وبلغاريا وسلوفينيا وسلوفاكيا لطائرات الاطلسي باستخدام مجالها الجويِ واراح هذا الاجراء طياري الحلف، كما صرح المتحدث جيمي شيا، لشن غاراتهم من الجهة التي تناسبهم.
وحاول زعماء جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الاستفادة مما يحدث ايضا، وبدأ الرئيس ادوارد شيفاردنادزة الذي ايد عمليات الحلف بالكامل، ومطالبة الناتو بالعمل على حل قضية ابخازيا بالطريقة نفسهاِ ولا تحيره في هذه الحالة ان يكون نصيبه في الازمة الجورجية الداخلية ان يحتل دور ميلوسيفيتش ويترك للأبخاز حالة البان كوسوفو.
منظمة الاربع
وقدمت اوكرانيا اقتراحاتها السلمية الخاصة التي لا تختلف عن تلك التي قدمتها روسيا والمانيا.
وكان مشروع كييف السلمي القاضي بتشكيل قوات لم تشترك بلدانها بالضربة الجوية، فكرة فريدة كانت الاولى من نوعها في ذلك الوقت وتشبث ميلوسيفيتش بها منذ ذلك الحينِ ولكن اعضاء الناتو تجاهلوا هذا الاقتراح رغم انهم نوهوا بارتياح لسعي كييف 'للتكامل في الهياكل الاوروبية ـ الاطلسية'ِ وينبغي ان يكون تقديم كييف لميدان تجاربها لاسلحة الناتو في اوكرانيا دليلا على ذلك.
ومن المميز انه خلال قمة الناتو في واشنطن عقد زعماء جورجيا واوكرانيا واذربيجان ومولدوفيا لقاءهم ايضا، واسسوا منظمتهم الخاصة (منظمة الاربع التي انضمت اليها اوزبكستان فيما بعد) والتي كانت عبارة عن منظمة بديلة لرابطة الدول المستقلة اريد منها الخروج من تبعية موسكو وتشفيا بهاِ واعلنت هذه المنظمة في البداية كتجمع اقتصادي صرف، غير ان زعماءها يصرون الان على القيام بعمليات 'حفظ السلام' بصورة مشتركةِ وعلينا ان نأخذ بعين الاعتبار ان اوكرانيا ومولدوفيا لم تنضما ابدا الى معاهدة الامن الجماعي لبلدان الكومنولث.
واعلنت اذربيجان وجورجيا واوزبكستان مؤخرا خروجها من هذه المعاهدةِ وليس من المستبعد ان يظهر بسرعة في الفضاء السوفيتي السابق حلف عسكري موال للولايات المتحدة والاطلسي
اجهزة الهاتف المعطلة
لا يحدث كل ذلك نتيجة سعي اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي السابقين لكي يروقوا للولايات المتحدة فحسب، بل تشكل انطباع بان موسكو كانت تندفع بمبادرة منها الى عزل نفسهاِ فقد كلفها غاليا قرار رفض المشاركة باعمال مجلس روسيا ـ الناتو، الذي كان ينبغي ان تعقد جلساته في واشنطن، وكان الجميع يتحدثون عن روسيا ومواقفها عدا ممثلي روسيا واذا كان السفير الاميركي ستيفن سيستانوفيتش، مثلا، يقول ان فيكتور تشيرنومردين يخبر الاميركيين دائما بجهوده الرامية الى حفظ السلام، فان الامين العام للناتو خافيير سولانا امتع الجمهور بحكاية الجهود التي بذلها لكي يعطي تشيرنومردين رقم هاتفه الخاص ويحصل منه على رقمه، لكن تشيرنومرين لم يتصل ولم يعط رقمه الخاص لسولانا.
كان ذلك امرا هاما، بالاخص عندما احتاج الناتو مساعدة موسكو (التي كانوا يتجاهلون بالامس رأيها)ِ وكان اليأس يدفع الاطلسي الى روسيا مشبعا بالامل في الخروج من الازمة اليوغسلافيةِ ونعطي مثالا واحدا على ذلكِ فقد قال ل 'القبس' مصدر موثوق به في وزارة الخارجية الروسية ان مسؤولا رفيعا في الناتو اخبره في لحظة صراحة، انه ستنقذنا الان المعجزةِِ او روسيا' وتفسر هذه العبارة الدقيقة والصريحة اسباب تحول موسكو الى قبلة الراغبين بالسلام منذ مطلع مايو وحتى الان.
ساعي بريدِِ فقط!
وتنحصر المصيبة في ان لروسيا القليل من الامكانيات في المساهمة بقدر عملي لانهاء الحربِ قال احد العلماء السياسيين الروس ل 'القبس' ان الغرب لا يريد رؤية ممثل روسي كوسيط بقدر ما يرغب في رؤيته كساعي بريد، واكدت زيارات نائب وزيرة الخارجية الاميركية ستروب تالبوت المتكررة لموسكو انهم لا يعطون لتشيرنومردين الفرص لان يدفع الازمة نحو السلامِ وفي كل مرة تغادر طائرة المبعوث الروسي سماء بلغراد يكرر اعضاء الناتو بعناد على ضرورة ان ينفذ ميلوسيفيتش شروطهم بلا محادثاتِ وما قرار المحكمة الدولية باعتبار الرئيس اليوغسلافي مجرم حرب والدعوة الى محاكمته عشية زيارة تشيرنومردين الى بلغراد سوى مشهد اضافي قد يعرقل جهود السلام الروسية.
الا ان الاتفاق الذي اعلن عنه امس حول القوة الدولية المختلطة لاقليم كوسوفو ربما يكون منطلقا لحل يضع جانبا، ولو بشكل مؤقت بعض الحساسيات حول الدور الروسي.
ولا ينبغي ايضا المبالغة في تقدير امكانيات موسكو في التأثير على ميلوسيفيتشِ ومن الواضح انه يستخدمها بهذه الصورة او تلك في معركته الرئيسية، وهي ابقاء كل القضايا المعلقة عند حافة الازمةِ ويعتبر هذا هدفه التكتيكي الذي يمكنه ان يعلن الانتصار بعده ويطمئن لسلامة عرشهِ لذلك لا يخفي اعضاء الناتو موقفهم في انه لا يمكن احلال السلام في البلقان بوجود ميلوسيفيتش.
وبلا شك فان وضع موسكو الآن افضل منه في الاوقات الاولى من بداية الضربات الجوية.
ولكن من المشكوك فيه انها ستمني نفسها لتقوية سمعتها الدولية اكثر مما عليه الان، فالغرب يبحث عن اية قشة يخرج بها من المستنقع اليوغسلافي.