السبت، 18 يونيو، 2011

الكرملين وأزمةالكويت (5)

تابعنا في وزارة الخارجية بصورة دقيقة ردود الفعل العالمية على العدوان العراقي ضد الكويتِ واعتمدنا في هذا الصدد على تصريحات المسؤولين الكبار والمعلومات والأخبار الواردة من سفاراتنا ووكالات الأنباء وآراء ممثلي البعثات الدبلوماسية العاملة في موسكو ومصادر أخرىِ وكان من الواضح فورا أن الغرب أجمع على ادانة وعدم قبول الفعل العراقي قطعياِ وفي غضون ذلك لم تعط الحكومات الغربية تقديرها السياسي والحقوقي بذلك الحزم فحسب، بل كانت تتخذ اجراءات عملية موجهة الى حماية مصالح الكويت الاقتصادية والمالية والضغط على العراقِ وفرضت بعض البلدان العقوبات دون أن تنتظر قرارات الأمم المتحدة ومن طرف واحدِ واتخذت بلدان الاتحاد الأوروبي قرارا جماعيا في هذا الشأن وأخبرنا به سفير ايطاليا كونه ممثل البلد الذي يترأس الاتحاد في دورته الحاليةِ
وتطورت الأحداث في الولايات المتحدة على النحو التالي: في صباح 2 أغسطس سافر الرئيس بوش الى ولاية كولورادو لحضور مراسم منح جائزة معهد أسبين لرئيسة وزراء بريطانيا مرغريت تاتشرِ واتفق جميع الباحثين الغربيين على أن لقاءات بوش وتاتشر في أسبين وأحاديثهما الطويلة لعبت دورا كبيرا جدا في تحديد موقف الرئيس الأميركي من أزمة الكويت وطرق التغلب عليهاِ
كان بوسع العربية السعودية وحدها، كونها البلد الوحيد الذي يجاور الكويت وفي الوقت نفسه لها حدود خاصة مع العراق، في أن تكون مجالا طبيعيا وأكثر ملاءمة لتركيز ونشر القواتِ وركز الرئيس الأميركي بعد اعطائه أوامره بمرابطة حاملات الطائرات الأميركية في منطقة الخليج جل اهتمامه على السعودية وغيرها من البلدان العربية الرئيسية التي كانت الكثير من الأمور تتعلق بمواقفهاِ
وكان العالم العربي، أو بعبارة أخرى، مجموعة البلدان التي يجمعها الدين واللغة والتقاليد والثقافة المشتركة في تسعينات القرن العشرين مختلفة عن بعضها بشكل ملموس، ليس بمقدار ما تمتلكه من أراض وسكان فحسب، بل بطراز الدولة والأنظمة السياسية ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي وتوجه السياسة الخارجية وبعض المقاييس الأخرى أيضاِ وكانت العلاقات تتشكل بتباين فيما بينها، ونقصد في المقام الأول عواطف النخب الحاكمة وتنافرهاِ وفي خلفية حدث غير عادي كاستيلاء العراق على الكويت، لم تكن ردود أفعالها ذات مدلول واحد وتغيرت بناء على سير الأحداث ونتيجة لتأثير القوى الخارجية العربية وغير العربية على السواءِ
وأصبح الاستيلاء على الكويت بالنسبة للكثيرين، وخاصة الأكثرية في بلدان الخليج، صدمة مروعةِ ولم يعلنوا في بلدان الخليج لا في الصحافة ولا في التلفزيون أو الاذاعة أي شيء عما حصل خلال عدة أيامِ ولكن هذا الصمت عوضته المكالمات الهاتفية بين رؤساء الدول والوزراء في محاولة لاستيضاح ما يحدث والبحث عن وسائل للتصرف لاحقاِ وكانت بغداد بطبيعة الحال، في غضون ذلك، مركزا لجذب الاهتمام العام حيث توقف عليها كل شيءِ
غير أن بغداد اتخذت أسلوب العجرفة والتحدي كأنها تفهم الجميع موقعها في العالم العربيِ
وكما حدثني الأمير السعودي بندر، حاول الملك فهد بلا جدوى في تلك الليلة عندما شن العدوان الاتصال هاتفيا بصدام حسينِ وتسنى له ذلك في اليوم التالي فقطِ طلب الملك منه أن يسحب القوات بلا تأجيل وحاول اقناعه بضرورة حل المشاكل بين الدول العربية بالوسائل السلميةِ غير أن الرئيس العراقي، حسب قول بندر، رد بسخرية وحول مجرى الحديث الى مواضيع أخرىِ
وكما حدثني السفير الجزائري في موسكو عن محاولة أخرى قام بها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في اليوم التاليِ وحسب أقوال السفير، طالب بن جديد في مكالمة هاتفية صدام حسين بسحب القوات فورا من الأراضي الكويتيةِ ولم يتلق جوابا مرضياِ وبعدها أجرى اتصالاته كونه رئيس اتحاد المغرب العربي مع رؤساء هذه الدول لغرض تنسيق المواقفِ
وكان حديث الرئيس العراقي مع ملك الأردن في صباح 2 أغسطس مميزا جدا أيضاِ وحسب قول الملك الأردني أنذره صدام بأن الحديث لن يدور حول سحب القوات العراقية من الكويت اذا حاول العرب ادانة بغداد بسبب تدخلها في الكويتِ
وصل الملك حسين الى الاسكندرية، حيث كان فيها الرئيس المصري حسني مبارك في ذلك الوقت ليحيل اليه الانذارِ وكان حسني مبارك غاضبا من الزعيم العراقي لأنه يظن بأنه خدعه عندما وعده بعدم استخدام القوة ضد الكويتِ ومع ذلك رأى الرئيس المصري حل مشكلة الكويت بسرعة، لاسيما ان وزراء الخارجية العرب أخذوا بالتوافد على القاهرةِ وطلب من الملك حسين أن يذهب بلا ابطاء الى بغداد ويتفق على عقد لقاء قمة عربي مصغر بمشاركة صدام حسين ورؤساء دول الخليج العربية ومصر والأردنِ واقترح مبارك أن تتم تسوية الأزمة التي هي هدف لقاء القمة الرئيسي بالشكل التالي: تترك القوات العراقية الكويت ويعود آل الصباح الى هناك وبعد ذلك تجرى المحادثات العراقية الكويتية بتلميح مسبق بأنها سترضي العراقِ
وبينما كان مبارك والملك حسين يتحادثان في الأسكندرية اتصل الرئيس الأميركي جورج بوش هاتفيا بالرئيس مبارك، الأمر الذي مكنه التحدث مع الزعيمين العربيين في آن واحدِ وكتب الرئيس الأميركي فيما بعد حول هذا الحديث ما يلي:
'أخبرني الملك حسين بأنه ينوي زيارة السعودية والعراق فوراِ وقال لي: أبتهل اليكم يا سيدي أن تحافظوا على اطمئنانكمِ نود العمل لحل الأزمة في الاطار العربي وايجاد السبل التي من شأنها وضع الأسس لمستقبل أحسن'ِ
قلت للملك ان العالم لن يقبل الوضع الراهن وأنه غير مقبول للولايات المتحدةِ وقلت له: انني على يقين بأن صدام حسين يعرف هذا ولكن تستطيعون ابلاغه به باسميِ
أجاب الملك قائلا ان العراق مليئة عزما على مغادرة الكويت بأسرع وقت ممكن وربما خلال عدة أيامِ ووعد بالتوصل لتحقيق ذلكِ وأوضح مبارك انهم سيحاولون اتخاذ قرار بسحب القوات ولا يغفل حكومة الكويتِ وطلب مني: جورج أعطنا يومين لأجل بحث هذا القرارِ
تحدثت عن الاجراءات الاقتصادية المتخذة من قبلنا وقلت: قد ينشأ استثناء واحد بالطبع، اذا برز خطر ما بالنسبة للأميركان حيث سيكون كل شيء على نحو آخرِ
أيد حسني مبارك العقوبات ـ وان لم أطرح هذه المسألة خصيصا ـ وقال: سأتكلم مع صدام حسين وسأبقي اتصالاتي مع السعوديينِ قلت: هذا مهم جداِ قولوا من فضلكم لصدام حسين إن الولايات المتحدة مهمومة جدا جراء تصرفاته وكذلك الدول الأخرى ستسعى في هذا الشأنِ وتعرفون يا صديقي ماذا يعني هذاِ قولوا ذلك لصدام اذا شئتمِ وأجاب حسني مبارك بأنه سيقوم بذلكِ
يتضح الآن أن خطة حسني مبارك افترضت حل الأزمة عن طريق ايجاد حلول وسطِ وأخذ الملك حسين وان كان ذلك بلا حماس، على عاتقه نقل الرسالة المقترحة عليهِ لكنه كف عن مناقشة خطة مبارك كما قال ذلك بنفسه فيما بعد واحتار في مسألة طرح فكرة عقد لقاء القمة المصغرِ
بقي أمامنا أن نظن بأن الملك حسين اما كان يعرف نوايا صدام حسين أو توقعها أو انطلق من استحالة التوصل الى اتفاق معه حول اعادة الحكم الشرعي الى الكويتِ
هكذا فشلت المحاولة الأولى الرامية إلى ايجاد 'الحل العربي' لمشكلة تحرير الكويتِ وأكد بيان لمجلس قيادة الثورة العراقي المذاع من راديو بغداد في 3 أغسطس على أن بغداد لا تنوي البحث عن حلول وسطِ واستبعد هذا البيان امكان عودة عائلة الصباح الحاكمة الى وطنها الكويتِ ووعد في البدء بسحب القوات العرقية في 5 أغسطسِ
قوض رفض بغداد النظر في اعادة السلطة الشرعية الى الكويت في جوهر الأمر، فرصة البحث الناجح عن حل وسط في الاطار العربي أو الشامل على السواءِ
وفي هذه الأثناء، اتخذ مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في 2 أغسطس بطلب من الكويت بعد جدال طويل قرارا استنكر فيه 'العدوان العراقي' على دولة الكويت و'سفك الدماء وتدمير الممتلكات' ودعا العراق الى 'سحب قواته فورا وبلا قيد أو شرط الى المواقع التي كانت تحتلها في 1 أغسطس'ِ
صوت العراق واليمن وموريتانيا والسودان ضد القرار وامتنعت منظمة التحرير الفلسطينية والأردن عن التصويت وغابت ليبيا عن حضور الجلسةِ وأثرت عوامل كثيرة على توزيع الأصوات: البعد الجغرافي عن مركز الأحداث، طبيعة العلاقات مع العراق (كان العراق يقدم مساعدات مالية وعسكرية لبعض البلدان العربية وخاصة موريتانيا والسودان) وخصائص الموقف من النظام القائم في الكويتِِِالخِ
ومن الهام أن مجلس جامعة الدول العربية اتخذ القرار نفسه الذي اتخذه قبل ساعات مجلس الأمن الدوليِ وبذلك أرسيت البداية لتشكيل موقف موحد بين الأمم المتحدة كمنظمة دولية وجامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية لغرض إيجاد الطرق والوسائل لإعادة السلام والأمن اللذين خرقا بالعدوان العراقيِ
وبدأت الدول العربية تعرب عن موقفها السلبي مما حدث على انفراد أيضاِ وكانت سوريا في مقدمة الدول التي استنكرت أفعال بغداد بحزم وطالبت بمغادرتها فورا من الكويتِ وأعربت عن موقفها في نهاية الأمر، علنا باقي الدول العربية، بل عملت ذلك في مختلف المجالاتِ ولكنه من المميز أن أيا من الحكومات العربية، حتى تلك التي تتعاطف مع بغداد لم تؤيد علنا العدوان العراقيِ
وجدت المملكة العربية السعودية نفسها، بطبيعة الحال، في حالة معقدة للغاية والأكثر حساسيةِ فقد كانت تشعر بالأمان النسبي وترى أن الخطر الخارجي الرئيسي ضدها مصدره إيران ويشوب علاقاتها مع اليمن بعض النفور وكانت تخشى الطائرات الإسرائيليةِ وكانت ترى في العراق على الدوام الصديق والحليف تقريبا، لاسيما ان الرياض قدمت للعراق خلال حربها ضد إيران مبالغ بلا مقابل و قروضا تقدر بنحو 16 مليار دولارِ وسمح كل ذلك للملكة العربية السعودية وهي بلد سكانه 11 مليون نسمة وغني جدا أن تكتفي بقوات مسلحة مرصوصة جدا: 40 ألف شخص في القوات البرية و 250 دبابة و140 طائرة و 35 ألف شخص في الحرس الوطني (وهو عبارة عن فصائل بدوية مزودة بالأسلحة الخفيفة أساسا)ِ
لا يمكن حتى الحديث على أن هذه القوات تستطيع مواجهة قوة العراق العسكرية إذا أرادت بغداد مواصلة القفز نحو الجنوب، حيث تناسب القوات البرية السعودية والعراقية 1 الى 17ِ وكانوا في الرياض يدركون ذلك جيداِ
وفي 3 أغسطس تسربت إحدى الوحدات العسكرية العراقية الى الأراضي السعودية بحدود 10 كيلومترات تقريبا، الأمر الذي دفع رئيس هيئة الأركان السعودية الى الاتصال على عجل عبر الخط الساخن مع نظيره العراقيِ واعتذر الجانب العراقي وحتى وجه 'فاكس' أكد فيه بأنه 'إذا أدخل جندي عراقي واحد أصبعه عبر الحدود فسيقطعون يده كلها'ِ
غير أن التدخل تكرر في مكان آخر بعد 6 ساعات ولم يرغب أحد من المسؤولين العراقيين هذه المرة، الإجابة على تلفون الجنرال السعوديِ وبعد 6 ساعات أخرى حصل تدخل آخر وفي هذه المرة قطع الخط الساخن تماماِ
من المفهوم أن مظاهر استعراض القوة هذه (مهما كانت بواعثها) تثير الشك في متانة معاهدة عدم الاعتداء الموقعة بين البلدين عام 1989 وتأكيدات نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة إبراهيم الذي زار السعودية في 3 أغسطس بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها الملك فهد وصدام حسين، حيث دل تصريحه القاطع باسم صدام حسين بأن التغييرات الجارية في الكويت لا رجعة فيها وأن السعودية ستضطر للعيش من الآن فصاعدا تحت سيف ديموقليس التوسع العراقي وبالأخص أن الطريق الى الإمارات العربية المتحدة التي كانت بغداد تتهمها الى جانب الكويت بالمشاركة في المؤامرة المعادية للعراق، يمر عبر السعوديةِ
أجرى الرئيس جورج بوش أول حديث هاتفي (بعد الاستيلاء على الكويت) مع الملك فهد من أسبين في 2 أغسطسِ ويتذكر بوش قائلا: 'كان الملك مستعجلا وكان المترجم يلحقه بصعوبةِ تحدث فهد انه حاول قبل الضربة العراقية حل التناقضات العراقية ـ الكويتية وكان كلا الطرفين يعربان في سير المحادثات عن استعدادهما لذلكِ وحتى أن صدام أكد للسعوديين انه لا توجد لديه اهتمامات بالاعتداء على الكويتِ ونوه الملك بغضب بأن صدام تصرف على العكس من ذلك تماما، لأنه مغرور ولا يدرك عواقب أعماله التي أخلت بالنظام الدولي ويفكر فقط بمصالحه الشخصيةِ وقال الملك: آمل في حل القضية بوسائل سلميةِ وإذا لم يحدث ذلك فيجب تلقينه درسا قاسيا لكي يحفظه مدى الحياة إذا بقي حيا'ِ
اقترح بوش في سير الحديث على الملك بإرسال سرب من طائرات 'أف 15' الى السعودية واستغرب من أن الملك لم يستعجل في قول: نعمِ بل اقترح العودة الى هذه المسألة فيما بعدِ
درس لا ينساه
كان الملك فهد مترددا وليس في الأمر ما يدعو الى الاستغرابِ فقد كانوا في السعودية يفضلون دائما أن تكون القوات الأميركية قريبة بما فيه الكفاية، ولكن أن تكون 'وراء الأفق'ِ وكان حضور القوات الأجنبية ولاسيما غير الإسلامية يحرج الملك السعودي بصفته خادم الحرمين الشريفينِ ولم يتناسب وجود الأجانب مع التقاليد المحافظة ونمط حياة السعوديين أنفسهمِ زد على ذلك، كان من الواضح أن نشر القوات الأميركية في السعودية سيجر وراءه تلقائيا حالة عداء حاد ومواجهة مع بغداد طالما يوجد هناك صدام حسينِ وكانت هناك مخاوف وشكوك أخرى: هل كانت الولايات المتحدة مستعدة لإرسال قوات كبيرة بما فيه الكفاية وإبقائها في الجزيرة العربية حتى حل النزاع؟ ألا يحصل كما جرى في لبنان عندما فجروا الثكنة الأميركية الأمر الذي أدى الى سحب القوات الأميركية بسرعة؟ هل سيغادر الأميركان السعودية بعد حل الأزمة؟ِ
هذه المسائل وقضايا أخرى كانت موضوع بعض المكالمات الهاتفية بين بوش وفهد في فترة 2 ـ 5 أغسطسِ ووافقت السعودية في نهاية الأمر بعد أن شعرت بجدية المعلومات حول تركيز القوات العراقية قرب الحدود معها، على زيارة وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني وقائد القوات المسلحة الأميركية الجنرال شفارتزكوف لجدة حيث كان الملك فهدِ
جعلت معطيات الاستطلاع الفضائي عن الوحدات العراقية من الدبابات والأخرى الآلية وصواريخ 'أرض ـ أرض' عند الحدود مقرونة بالإيضاحات والتأكيدات الأميركية، الملك فهد يميل الى صالح الطلب الرسمي الى الولايات المتحدة بإرسال قواتها المسلحة من أجل الدفاع عن أمن السعوديةِ وفي غضون ذلك طلبت القيادة السعودية عدم إعلان إرسال القوات حتى وصول الوحدات الأمامية الى أراضي البلد بالفعلِ ووقعت معاهدة التزمت الولايات المتحدة بموجبها سحب قواتها بطلب من السعوديةِ
هكذا أعطي 'الضوء الأخضر' لما سيسمى فيما بعد بعملية 'عاصفة الصحراء'ِ
جرى كل هذا سرا لمدة ماِ وأطلعوا موسكو عليه قبل يوم واحد من كلمة جورج بوش التي أعلن فيها عن إرسال القوات الى السعوديةِ
أيدت دول الخليج العربية الأخرى دعوة القوات المسلحة الأميركية بالإجماع لشعورها بالتهديد وأصبحت فيما بعد رأس الجسر لنشرهاِ
في المراحل الأولى للأزمة كان يلفت النظر بالأخص الموقف الموالي للعراق لعدد من أعضاء جامعة الدول العربيةِ وإذ لم تكن موريتانيا والسودان في هذه الناحية نشطين سياسيا (صوتا لصالح العراق ربما امتنانا له)، فلا يمكننا قول الأمر نفسه عن الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمنِ
سعى الملك حسين لحل المشكلة بطريقة عائلية وبين الدوائر العربية ورأى الحل العربي بسحب بغداد قواتها من الكويت مع بقاء الحكومة المؤقتة الموالية للعراقِ وكان لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات طريقته للحل العربي المتلخصة في انسحاب العراق من الكويت لقاء مبلغ لا بأس به والحصول على جزيرتي وربة وبوبيان وتجري في الكويت انتخابات تحدد شكل نظام الحكم الجديدِ
بالتالي لم تقض الطريقة الأولى ولا الثانية على وجوب عودة النظام السابقِ
كيف كنا نفسر هذا السلوك غير المقاس آخذين في الاعتبار نعومة الرجلين السياسيين المعروفين؟ِ
كان الملك حسين في عام 1990 بعمر 54 سنة يجلس على العرش 38 سنة ويعتبر بحق أكثر رجال السياسة حصافة في الشرق الأوسطِ فلماذا أظهر هذا الميلان الواضح الى جانب بغداد؟ِ
كنا نرى السبب الرئيسي في الارتباط الاقتصادي الكبير للأردن مع العراقِ حيث تحصل على 95 % من النفط الضروري لها من العراق وبسعر منخفض للغاية يصل أحيانا الى دولارين للبرميل الواحدِ بالإضافة الى الإعانة المجانية السنوية من بغداد البالغة 50 مليون دولار وقرابة 800 مليون دولار كانت العمالة الأردنية تحولها سنويا الى عائلاتها (الأردنيين والفلسطينيين) والدخل الناتج من ميناء العقبة الذي كان 45 % من الواردات العراقية تمر منهِ بالتالي إذا ولت بغداد ظهرها لعمان فإن متاعب كبيرة ستلحق بالأردنِ ولم يكن في وسع الملك حسين ألا يأخذ في الاعتبار خاصية بلده الذي يعتبر أكثر من نصف سكانه من الفلسطينيين الذين يكنون عواطف حسنة تجاه بغدادِ وأصل هذه العواطف أملهم في أن العراق القوي عسكريا سيسترجع يوما ما أراضيهم المغتصبة من إسرائيلِ ولعل ثمة شيئا آخر حدد ولاء الملك حسين الى بغداد وهو موقفه الشخصي من صدام حسين وربما كان هناك شيء آخرِ
أما ياسر عرفات فمن المرجح أنه كان يرى في قوة العراق فائدة للقضية الفلسطينية وفي تغيير النظام السياسي في الكويت فائدة لتعديل الوضع الحقوقي والاجتماعي للفلسطينيين فيها وتحويلهم الى قوة سياسية ذات نفوذ (بلغ عدد الفلسطينيين في الكويت حسب مختلف التقديرات 300 ـ 400 ألف نسمة وهم أكبر جالية أجنبية)ِ
وحسب 'واشنطن بوست' وجه ياسر عرفات في 7 أغسطس الى صدام حسين برقية تهنئة بصدد أحداث الكويتِ ويمكننا الاعتقاد بأن ياسر عرفات لم يدرك وقتها أنه ارتكب خطأ كبيرا عندما عانق الرئيس العراقي أمام الكاميرات في اليوم التالي من الاستيلاء على الكويت وكان يدفع فيما بعد بحلوله للأزمة الموالية للعراقِ
أدار أغلبية الزعماء العرب وجوههم عن عرفاتِ وفقدت الجالية الفلسطينية في الكويت العمل بسبب الشلل الكامل في الحياة الاقتصادية الذي أصاب البلاد، وسيظهر إفلاس رهان عرفات على العراق أكثر فأكثر (جراء عزل بغداد من قبل المجتمع الدولي)ِ وستمضي شهور عديدة قبل أن يبدأ عرفات بتغيير نهجه خلسة وبالتدريج آخذا في الاعتبار مواقف الفلسطينيين العاديين الساكنين في العراقِ
وكانت اليمن تتمسك بموقف خاص طوال الأزمةِ زار الرئيس صالح بغداد في 4 أغسطس حيث صور معانقا صدام حسينِ وأعلنت وكالة الأنباء العراقية بأن الرئيس اليمني استحسن أعمال العراقِ ويصعب القول إن كان الأمر على هذا النحوِ وبدأت القيادة اليمنية تصرح لاحقا بأن مواقفها حيادية من النزاع وتسعى للعب دور الوسيطِ غير أن عواطفها الموالية للعراق والمعادية للسعودية لم تكن خافية على أحدِ
غير أن الجو السياسي في العالم العربي في ذلك الوقت حددته بقدر أكبر شخصيات أخرى بالمقام الأول: مبارك والأسد وفهدِ
ومع اتفاق الدوائر الرسمية وغالبية النخب العربية في الرأي على أن العراق خرق بقسوة النظام الدولي وقواعد العلاقات بين الدول العربية، فإن المجتمع العربي نفسه حمل عقليات مختلفة (توجد بشكل جزئي لحد الآن)ِ ومن المرح أن عواطف 'الشارع العربي' في البلدان الفقيرة كانت الى جانب صدام حسين بفضل شعاراته التي كان يوجهها من أجل الحصول على الشعبية وخاصة تلك المتعلقة بإعادة توزيع الثروة النفطيةِ وتقوت هذه العواطف بعدما انتقلت المواجهة بين العراق والولايات المتحدةِ
ومع ذلك، قدر ما كانت الأزمة تطول، ازدادت عزلة العراق الدوليةِ فقد استنكر العدوان العراقي عدا مجلس الأمن وجامعة الدول العربية، الجمعية العامة للأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الدول الأميركية والاتحاد الأوروبي وبعض المنظمات الدولية والإقليمية الأخرىِ
واتخذت اللجنة الأولمبية الآسيوية بالإجماع في 8 سبتمبر قرارا حظر مشاركة العراق في الألعاب الآسيوية التي كان مقررا إجراؤها في بكين خريف 1990. ولن نبالغ في القول في أن بغداد وقعت في مرحلة الأزمة الكويتية في عزلة دولية شاملة تقريبا لم تستطع التغلب على عواقبها حتى مرور سنوات كثيرةِ

موقف تاتشر الحاسم

كانت تاتشر تترأس الى غاية هذه اللحظة الحكومة البريطانية وحجزت لها بشكل ثابت لقب 'السيدة الحديدية'، ممتلكة سمعة السياسي الصارم والحاسم المستعد لاتخاذ أكثر المواقف حزما والاجراءات من أجل الدفاع عن المصالح البريطانيةِ وأصبحت الحرب في سبيل الدفاع عن جزر الفوكلاند البعيدة التي حاولت الأرجنتين استردادها من بريطانيا رمزا لعقيدة تاتشر السياسيةِ وتجلى وفاؤها لهذه العقيدة الآن أيضا عندما ولد العدوان العراقي على الكويت الخطر بتقويض مواقف انكلترا في منطقة الخليجِ تلك المواقف الآخذة بالضعف بعد الحرب العالمية الثانيةِ وكانت وصفتها قطعية: ينبغي مواجهة القوة بالقوة وحمل العراق على سحب قواته من الكويت، ان اقتضى الأمر، بقوة السلاحِ واقترحت تاتشر بلا تردد على بوش مشاركة القوات الانكليزية في تحالف ضد صدام حسينِ وقالت في خطابها في أسبين ان الاحتلال 'تحد صارخ لمبادئ الأمم المتحدة ولو سمحنا بتحقيقه فلن يشعر بلد صغير بالأمان حيث ستسود شريعة الغاب'ِ
من غير الواضح فيما اذا كان الرئيس بوش قد اتخذ قراره النهائي والمصيري في أسبين أو بعد يومين بادراج مسألة الضغط العسكري المكثف على بغداد اضافة الى الضغط السياسي والاقتصاديِ والمهم أن نهج مواجهة العراق العسكرية قد أقر، غير أن تجسيده عمليا اصطدم حالا بمشكلة رأس الجسرِ