السبت، 4 يونيو، 2011

روسيا على خطى الحرب القوقازية الكبرى

الكونفدرالية العظمى (3)

قال شامل بساييف في احدى جلسات الشورى الأخيرة: 'الآن لسنا بحاجة الى استقلال الشيشانِ فنحن بحاجة الى استقلال كل شمال القوقازِ وستكون لنا كونفدرالية عظمى'ِ وصرح الزعيم الشيشاني الآخر مولادي اودوغوف جهارا بأن الحرب في داغستان لابد منها لاقامة الجمهورية الاسلامية هناك.
ولقد بدأت 'الثورة الاسلامية' في منطقة الحدود الشيشانية ـ الداغستانية منذ عام ونصف العامِ وكانت الحرب غير المعلنة بين القوات الروسية والاسلاميين مستمرة منذ ذلك الوقتِ وحسب معلوماتنا فان الفصائل المسلحة التي استولت على القرى الداغستانية مؤخرا تخطط لإثارة التمرد المسلح في العاصمة محج قلعة في الشهر المقبلِ وقد نقل من اجل تحقيق ذلك 600 اسلامي الى منطقة بوتليخسكي الداغستانية عبر القرية الشيشانية الجبلية كنخي وسينقلون فيما بعد الى محج قلعة فرادى وجماعاتِ وينوون قبل اعلان التمرد في العاصمة الداغستانية تنفيذ هجمات على مؤسسات الطاقة والوقود لغرض شلها وسيحاولون الاستيلاء على محطة ضخ النفط في ازبيراش لتموين الحملة بالطاقة اللازمة والسيطرة على الطريق الذي يربط محج قلعة وغروزني.
ويؤكد رئيس اتحاد مسلمي روسيا نادر خاتشلايف ان 30% من القرى الداغستانية تطبق الشريعة الاسلامية ويزداد عددها من يوم لآخرِ ولا تنتشر هذه القرى في المناطق المتاخمة للحدود الشيشانية فحسب، بل في مناطق في العمق الداغستاني ايضا مثل منطقتي كوشينسكي ويوينا سكيِ واعلنت القريتان الجبليتان قره ماخي وتشبامماخي نفسيهما جزءا من 'الجمهورية الاسلامية المستقلة'.
وقف الملاحقات
وتضطر السلطات الداغستانية لمماشاة هذه الظاهرة بحذر وقلق شديدينِ وحاولت تجنب المصادمة مع شيوخ وزعماء هذه القرىِ ووقع ممثلو الحكومة وادارات المناطق مع الجماعات الداغستانية اتفاقية في العام الماضي نصت على منح الناس حرية اختيار العقائد الدينية، وخرج بموجبها عشرات الاسلاميين من المعتقلات وشطب أكثر من 1500 شخص من قوائم التحري.
وجرت في يوليو بمبادرة من نادر خاتشلايف أول جلسة للمحكمة الشرعية، دعا اليها رئيس مجلس الدولة في داغستان محمد علي محمدوف ورئيس الحكومة حزري شيخ سعيدوف ونائب رئيس مجلس الشعب أرسين كامايف.
ولكن لم يحضر الجلسة أحد غير خاتشالايف واضطر الى تأجيلها الى سبتمبرِ وينوي اعلان مواد غرفة الرقابة العامة التي راجع اعضاؤها القضايا المالية للحكومة في السنوات الخمس الأخيرة.
جمهورية الفساد
هذه أمثلة على الاستهتار بالسلطة والفساد في داغستان والتي تعتبر اهم عامل في تخلف الجمهورية الاقتصادي والاجتماعي، وقد ادى بها لأن تصبح حقلا للتجارب السياسية والعسكرية ومرتعا للثوريين ورجال المخابرات والعصابات المسلحة وتجار المخدرات والبشر وغيرهم:
في عام 1995 حول الى المصرف الموسكوفي 'أوبو فينانس' 62 بليون روبل لتمويل ما أطلق عليه 'صندوق استقرار اقتصاد جمهورية داغستان'ِ لكن حكومة داغستان ادخلت 15 مليون روبل فقط الى حسابها الى مصرف 'أورو بنك'ِ وحتى هذا المبلغ لا يوجد في دفاتر حسابات الحكومة ما يدل على انفاقهِ وعلى النحو ذاته تم تحويل 334 مليون دولار في الأعوام 1994 ـ 1997 الى داغستان لكن المبلغ وجد في باريس بعد تحر طويل، وليس من المستبعد ان جزءا من هذه الأموال وقروض صندوق النقد وجه بعد 'تدويرها' الى الحملة الانتخابية.
وقبل سنتين تم تحويل 300 مليون روبل من وزارة المالية الروسية الى مصرف 'ليسبروم بنك' (البنك الموكل لحكومة داغستان والذي أسسه محمد سلام ابن الرئيس محمد علي محمدوف)، وكان على الحكومة الداغستانية ان تشتري مقابل هذه الأموال سيارات من مصنع 'غاز' وتبيعها لتوجه حصيلة العملية لتطوير المرافق الحيوية والبلدية والاجتماعية في الجمهوريةِ غير ان هذا المبلغ اختفى ولم يعثر موظفو غرفة الرقابة على أي أثر له في دفاتر حسابات الحكومة!.
أعلى معدلات الجريمة
وتعتبر نسبة الجريمة في داغستان هي الاعلى في روسيا الاتحاديةِ وهناك لا يقتل رجال الاعمال وحدهم كما يحصل في موسكو، بل الموظفون والنواب وحتى رجال الدين الذين انخرطوا في المافيا المحليةِ وارتكبت 10 محاولات لاغتيال عمدة محج قلعة أميروف وتحول في واحدة منها الى مقعدِ وأجرى فلاديمير كوليسنيكوف النائب الاول لوزير الداخلية الروسي في العام الماضي 'تطهيرات واسعة النطاق في الجمهورية وفتحت نتيجتها عشرات القضايا الجنائية'.
واقتصاد داغستان يرثى له: تبلغ نسبة البطالة 70% وتعيش 'الولاية الروسية' على المعونات الاتحادية بنسبة 85% لأن كل شيء هناك معطل: المصانع والمعامل وورش الانتاج والتصليح والحقول، كل شيء تماما!.
لكن السلطات المحلية تمني نفسها بالنفط في الماء، فقد اكتشفوا قبل سنتين في بحر قزوين أربعة أجرف قارية يقال انها غنية بالنفطِ وشاركت في هذا الاكتشاف الشركتان الروسيتان العملاقتان 'لوكويل' و'غازبروم' وبعض الشركات الأجنبية العريقة في هذا المجالِ ولكن بقدرة لا تصدق، فازت شركتان داغستانيتان على هذه الشركات التي لا تنافس بالرغم من عدم امتلاكها الأموال لاستثمار مشاريع ضخمة كهذه!.
ماذا قال لنا خاتشلايف
هذه الأمثلة عينات قليلة جدا مما يمكن ان يذكر في متابعة صحفية، ومن المؤكد ان نادر خاتشلايف يمتلك في ملفه اكثر منها بكثير سيعلنه في الشهر المقبل اذا رفضت السلطات الحضور الى محكمته الشرعيةِ وهذه لا تكون سوى البداية كما قال خاتشلايف ل'القبس' عبر هاتفه الجوال الذي كان يصرخ بألم عبره وهو السياسي المدرك للعواقب التي تنتظر داغستانِ فالاسلاميون يثقون به جيدا واحتضنوه في الشيشان منذ ستة اشهر بعد ان لاحقوه بشتى التهم (بعضها حقيقي) ورفعوا حصانته البرلمانية (نائب في الدوما) وشنوا ضده حربا اعلامية يتحول بعدها اي انسان الى ذئب جبلي.
ولا تريد السلطات الداغستانية (والروسية عموما) ان تفهم ان الزعيم الاسلامي محمد بهاء الدين الأكثر ثقافة وعمقا وحماسا مما يتصورون يحظى بتأييد منقطع النظير في الشيشان، واكتسب من الشعبية في داغستان ما لم يصل اليه أحد قبله بعد ان اقتحموا القرية التي يسكنها في مارس 1997 ونكلوا بشبابها وأهانوا شيوخها وساقوا من وقع تحت أيديهم الى المعتقلاتِ وتحول هروب بهاء الدين الاسطوري الى الشيشان بعد ان اخترق الطوق الأمني الكثيف حول القرية الى اسطورة يقارنها الناس هناك بهجرة المسلمين الأوائل.
لماذا بعد ان عانى الاسلاميون ما عانوه من فقر واضطهاد وفساد لا يحجبه الغربال، لا يرفعون شعار سقوط هذه السلطة (الموالية لموسكو) وتقديم شرعية جديدة؟.
لقد هيأت السلطات الداغستانية التربة الملائمة للبديلِ وكان الشيشانيون بانتظار ساعة الصفر ولحظة الحقيقة، وكانت أحداث قره شايغو شركسيا تنضج يوما بعد آخر.