الأربعاء، 8 يونيو، 2011

مذكرات يفغيني بريماكوف- العائلة والرئيس وأنا

يصدر في موسكو قريبا كتاب 'ثمانية أشهر+' ليفغيني بريماكوف، يروي فيه تفاصيل هذه الأشهر التي أصبح فيها رئيسا للحكومة بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت بروسيا في 17 أغسطس 1998 وما تلا ذلك من أحداث حتى إقالتهِ
تنشر 'القبس ' أدناه فصلا من هذا الكتاب بعنوان: 'العائلة والرئيس وأنا'ِ
اقترحت وزارة الداخلية تأسيس هيئة بإشراف رئيس الحكومة تهتم بمعالجة ومكافحة الجريمة الاقتصادية التي كانت في ذلك الوقت مستفحلة وألحقت خسائر جسيمة بالدولةِ
وكنت أظن بأنه ينبغي إعداد تقرير شامل من قبل رئيس الحكومة عن الجريمة الاقتصادية والفساد في البلاد قبل إنشاء هذه الهيئة ، وبدون ذلك ستسير الأمور بصعوبةِ واعتقدت بأنه من الضروري اتخاذ إجراءات عملية لمكافحة الجريمة الاقتصادية وبدون هذه الإجراءات لن نتوصل الى شيء يحسن من صورة روسيا أمام الرأي العام العالميِ
تم إعداد هذا التقرير وحول الى كافة الوزارات والمؤسسات المعنية ، حدد فيه مهمات كل منها لمواجهة الأخطار، وكذلك مواعيد تنفيذ المهام والإجراءات المختلفة بشكل تحريريِ وأخذ العاملون في وزارة الداخلية على عاتقهم الاستعداد لاتخاذ خطوات عملية في هذا الشأن للبدء بحملة مكافحة الجريمة الاقتصاديةِ
وبشكل باهر فهموا أن الإجراءات المضادة للفساد ستوجه الى أولئك الذين تمادوا في دس أيديهم في جيوب الدولةِ وفي الوقت نفسه فهؤلاء كانوا يعلنون عن أنفسهم كرجال أعمال وملاكينِ وكنت لا أفضل أسلوب الهجوم الشامل عليهم، بل اخترت بدلا عن ذلك اتخاذ خطوات حازمة ومدروسة اعتمادا على القانونِ
والعلانية هنا يمكنها خلق حالة من البلبلة في المجتمع ، وفي الوقت نفسه بدون عملية واسعة النطاق تقوم بها أجهزة الدولة لا يمكن التوصل الى نجاح حقيقيِ في هذه اللحظات أدركت بأننا لم نكن مستعدين تماما لمواجهة الجريمة الاقتصادية والفسادِ غير أن الإشارة لبدء الصراع لابد من إعطائها، مثلا، بمحاكمة مقترفي الجرائم الصغيرةِ وحسنا ذكرت في وقتها بأننا سنفرغ لتناول مرتكبي الجرائم الاقتصادية الكبرىِ وأعدت ذكر ذلك في دافوس (الملتقى الاقتصادي الدولي)ِ
ما الذي حصل بعد ذلك ؟ قاد فالوشين ( الكسندر فالوشين نائب رئيس ديوان الكرملين وقتذاك ورئيسه الآن - ج ) الهجوم الأيديولوجي المضاد لإجراءاتنا ، حيث قال في أحد اللقاءات الصحفية معه إن 'الانتقال الى اقتصاد السوق لا يعني وجود جريمة اقتصادية ، المهم الاستمرار بهذا النهج وكل شيء سيستقر وحده'ِ
أما بوريس بيريزوفسكي فكان أكثر براغماتية ، وحاول استبدال مفردة 'المجرمون الاقتصاديون'، بالتجار ورجال الأعمال والملاك واصفا إجراءاتنا بإعادة 'منظومة الكي جي بي القديمة' مستغلا كل وسائل الإعلام التي يمتلكها للتهويل بعودة الإجراءات القديمةِ
كان ذلك مقززا ، وليس من السهولة إعادة كل ما جرى الآنِ ولكني مضطر لاسترجاع حالة واحدة لها طابع خاصِ
في 17 ديسمبر 1998 في البيت الأبيض ( مقر الحكومة الروسية - ج) زارني وزير الداخلية سيرغي ستيباشين ووضع على مكتبي ملفا جاء فيه أن مبالغ ضخمة تهرب خارج روسيا الى بنوك أجنبيةِ واقترح لوقف هذه الكارثة فتح قضايا جنائيةِ واحتوى الملف أسماء عديدة مرشحة لفتح قضايا ضدها، وبالمناسبة لم يكن بيريزوفسكي أحدهاِ كان رد فعلي كالتالي: أرجو أن تناقشوا الأمر مع النائب العامِ ولا تؤجلوا فتح القضايا الجنائية فالخسارة التي ألحقت بالدولة جسيمةِ أي شيء يمكننا استرجاعهِ
اعتقدت وما زلت على هذا الاعتقاد بأن ما أراده وزير الداخلية يمثل الرد المناسب والعادلِ أعطيت ردي لستيباشين بيده ولم أسمح للرد عليه عبر القنوات الحكومية المعروفة وهذا نص قراري الذي دعمت به قرار ستيباشين :
روشايلو فِ ب كوجيفنيكو يِن
يرجى وبالتعاون مع النيابة العامة القيام فورا بعمليات واسعة للبحث والتحري في كل المسائل الخاصة بالاعتمادات والقضايا المالية للهيئات والمؤسسات المشكوك في تجاوزها للقوانين، والاستعانة بقنوات الإنتربول لوضع اليد على كل الثروات المنهوبةِ
وإعلامنا تفصيليا وتحريريا بنتائج عملكم
يفغيني بريماكوف
5/1/1999
الهجوم المضاد
هذه الوثيقة أطلع عليها بالكامل بوريس بيريزوفسكي وبدأ باتخاذ إجراءات مضادة عندها بدأ بالزعيق: أي رمال متحركة وقع بها بريماكوف ! أمر بفتح قضية جنائية ضدي، وليس فقط ضدي - هذه ليست من صلاحيات رئيس الحكومة - أين القانون؟ أين العدل؟ وانضم إليه حبيبه بوريس أبراموفيتشِ
كان يرمي إلى تحريض الرئيس والمجتمع ضدي مبتكرا ما أطلق عليه: قائمة بريماكوفِ وأدعى بأنني كلفت الأجهزة الخاصة بجمع مواد للتشهير ضد مئات من الشخصياتِ ووصل الأمر الى نشر أسماء هذه القائمة المزعومة في صحيفة 'إيزفيستيا الجديدة ' لإرهابهم ورص صفوفهم ضدي وادعوا بأن لديهم كافة الأدلة التي تثبت صحتهاِ والمؤسف نشروا في هذه القائمة أسماء لأشخاص معروفين بنزاهتهم وآخرين من المشاهير الذين يؤثرون في الرأي العام حقا في أي رمال وقع بريماكوف !
قررت بأنه من غير اللجوء الى المحاكم لا تنتهي هذه القضيةِ وبالفعل ربحت القضية التي لا يمكن وصفها بغير الابتزاز من أول جلسةِ واستدعت المحكمة ممثلين من الحكومة ووزارة الداخلية والنيابة العامة والمخابرات، وبالطبع لم تكشف الصحيفة أية وثيقة أو دليل يثبت صحة وجود القائمةِ وهكذا قررت المحكمة فرض غرامة على الصحيفة قدرها 200 ألف روبل خصصتها لدار رعاية الأطفال رقم 5ِ
وهكذا بعد أن اختار طريقا غير شرعي مستخدما أسلوب التهديد والابتزاز ولم يفلح فيه ، تيقن بيريزوفسكي بان عملية مطاردته وشيكةِ
أمام القانون
لا أريد أن أبرهن على صحة التحقيقات التي كانت تجري على القضايا الموجهة ضد شركات بيريزوفسكي 'فيماكو' و'مابتيكس ' و 'إيروفلوت'، إلا أن قرار القبض على بيريزوفسكي سمعته من أخبار التلفزيونِ لم استطع وقتها إصدار أوامر باعتقاله كرئيس للحكومة ، ومع ذلك كان صحافيو بيريزوفسكي يرمون نحوي كل القاذوراتِ
وضعوا المجتمع تحت سطوة عودة أساليب البلاد في عام 1937 (أوج حملة التعسف الستالينية - ج)ِ وبالمناسبة كانت الكثير من المواد المنشورة في صحف محترمة تتحدث حول هذا الأمر بشكل مباشر ، مستخدمة اللكنة المعروفة بأني قدت أجهزة المخابرات ووصفوني ب 'الكيجيبيشني' (رجل الكي جي بي - ج )ِ هذا الأسلوب كان الأفضل لهم : أولا ، لإزاحتي عن الحكومة وثانيا للترهيبِ وواضح أن الهدف الثاني لم يحققوه ، لأننا في الحكومة لم نؤجل إجراءاتنا للقضاء على الجريمة الاقتصاديةِ واستخدمنا كل شيء بقوة القانون ، وبالذات هذا الذي أثار مخاوف من قادوا الحملة ضدي وجعلهم يعيشون حالة الرعبِ
نص معد
أمام الرئيس
لم أكن أعرف فالوشين لا شخصيا ولا بالمراسلة ، حتى لقائي ببوريس يلتسين في يناير 1999 لأعرض عليه التقرير الخاص بالسياسة الاقتصادية للحكومةِ ومن الملاحظات التي سمعتها أننا مقبلون على العام الجديد والميزانية موضوعة على أساس أن التضخم 30 % وليس 100 - 120 % وأجبت بأن التضخم 100 - 120 % يعني عدم وجود أي تأثير للحكومة وبنك روسيا على ما يحصل في سياسة الاعتمادات النقدية وأن التحكم بالتضخم يسرع من زيادتهِ وكذلك حديثه عن عدم وجود فعالية في جني الضرائب وقلت له بأن زيادة جني الضرائب أصبحت واقعيةِ وزعم بأن الحكومة لا تفعل شيئا لتسديد الديون الخارجية وقلت له بأن من المستحيل تسديد 5،17 بليون دولار للديون الخارجية في وقت يعادل هذا المبلغ 80 % من ميزانية البلادِ
لا يمكن إيراد كل الملاحظات لأنها كانت كثيرة جدا وتقود الى شيء واحد : الحكومة تسير بشكل يتناقض مع رسالة الرئيس للمجلس الفدرالي لروسيا الاتحادية في عام 1999ِ
كان يلتسين يستمع الى اعتراضاتي ومداخلاتي بصمت ولكنه علق أخيرا معتمدا على النص المعد أمامه أيضا وما كان مني إلا الرد عليه :
- بوريس نيكولايفيتش، مؤلف هذه الانتقادات أما يجهل الوضع الحقيقي أو يريد إلقاء اللوم على الحكومة فحسبِ لا أريد حتى معرفة أسمه، أعطني هذا النص المكتوب من فضلك وسأجيبك تحريريا على كل ملاحظة ونقد فيهِ
- نعم، افعل ذلك تحريرياِ هكذا قال يلتسينِِ وأضاف: بالنسبة للمؤلف لا يوجد سر في ذلك فهو نائب رئيس الديوان للشؤون الاقتصادية فالوشينِ
وهكذا وضعوا على طاولة الرئيس كل هذه الملاحظات والانتقادات بدون أن يتصلوا أو يلتقوا بأي عضو في الحكومة أو رئيسهاِ وأرادوا بذلك البرهنة ليلتسين، بأي أسلوب، على أن الحكومة لا تقوم بواجباتهاِ قام بعدها نائب رئيس الحكومة زادورنوف بإعداد الأجوبة المناسبة لأسئلة الرئيس الذي لم يكررها أبداِ
هل كانت إدارة الرئيس متورطة برسم خيوط الصراع مع الحكومة ؟
الذي ترأس إدارة الرئيس لغاية 7 ديسمبر 1998 كان فالنتين يوماشيف ، ولا أعتقد بأنه لعب دورا ما في التصادم ودعم أعداء الحكومة وضدي شخصياِ من الممكن أنه وجد نفسه في ساحة هذا الصراع وخاصة بعد إقالته من رئاسة الديوان وعمله كمستشار للرئيسِ ولكن بعد 20 يوما من إقالتي من رئاسة الحكومة وصلني منه خطاب جاء فيه :
أقدم لكم شكري الجزيل ، لرجولتكم وصبركم الطويل وفهمكمِ لقد نجحتم في فعل الشيء الذي لم يستطع أي حزب أو حركة، لا الرئيس ولا البرلمان ، ولا أحد استطاع تهدئة الناس وبعث الأمل فيهمِ وأريد أن أؤكد لكم أني حاولت أن أساعدكم قدر استطاعتي عندما كنت بمنصب رئيس إدارة الرئاسة وبذلت كل جهد لكي يعمل كل فرد فيها معكم كفريق واحدِ
حاولِِ
تمكن؟ هذا هو السؤالِ
عندما ينشط الرئيس
حل بمنصب يوماشيف كرئيس للديوان نيكولاي باردوجاِ وهو شخص صريح ومستقيم ولا يوجد أي شك في صفاء علاقتناِ وفي 24 ديسمبر بدأ نشاطه كرئيس للديوان الرئاسي بلقاء مع ممثلي الرئيس في الأقاليمِ باردوجا قال: 'إيقاد الأمل لدى الناس كان بدرجة كبيرة بفضل بريماكوف بالذات، فهو براغماتي ورجل قضية'ِ بلا شك وقع هذا التصريح على رؤوس حاشية يلتسين كالصاعقةِ لأن وسائل الإعلام وصفته بصاحب الشخصية القوية والثقل الموازن ليِ
من الممكن أن 'العائلة' لم تكن على علم بأنه قبل تعيين باردوجا في الكرملين كنا نرتبط بعلاقة طيبة ورفاقيةِ ومن المحتمل أنهم لم يوزنوا ويقدروا الرجل حق تقديره وخاصة طبعه الحازمِ وقد يكون تعيينه بسبب نظرة يلتسين الإيجابية تجاهه ، الذي كان في الفترة التي ينشط فيها يتخذ قرارات صحيحة حتى لو جوبهت بمقاومة شديدة من العائلةِ وللأسف كانت محصورة في فترة قصيرة ومتقطعةِ وبشكل عام كانت إجراءاته لصالح مجموعة محددة من المحيطين بهِ
بعد أن علم باردوجا بأني أكتب مذكراتي حول الأشهر الثمانية التي قضيتها رئيسا للحكومة، أعطاني لغرض نشرها في هذا الكتاب نص مكالمة هاتفية جرت بينه وبين يلتسين، عندما قرر الرئيس تعيين فالوشين رئيسا للديوان بدلا عنه مقابل احتفاظ باردوجا بمنصب أمين مجلس الأمن القوميِ هذه المكالمة التي جرت في 19 مارس 1999 في الساعة الثالثة عصرا بين يلتسين الموجود في منتجع 'روس' وباردوجا الراقد في المستشفى المركزي توضح الكثير :
يلتسين: مرحبا نيكولاي نيكولايفيتش كيف صحتكم؟ عندما قررت دمج منصبي أمين مجلس الأمن القومي ورئيس الديوان اعتقد بأني ارتكبت خطأِ في منصب رئيس الديوان عينت فالوشين وستبقون بمنصب أمين مجلس الأمن القوميِ كيف تنظرون لذلك؟
باردوجا: شكرا بوريس نيكولايفيتش لهذا العرضِ لكنني أرفضه ولو تسمح لي أجد نفسي مجبرا لتوضيح الأسبابِ أولا، هذا ليس قراركم، بل القرار الذي فرضته عليك ابنتكم دياتشينكو بنصيحة مجموعة من الوجوهِ الخطأ ليس بدمج منصبين، بل في محاولات طرد بيريزوفسكي من منصب سكرتير رابطة الدول المستقلة ورفضي الانضمام للحملة الموجهة ضد بريماكوف وحكومتهِ هذه الحملة التي نظمتها دياتشينكو، أبراموفيتش ، يوماشيف، فالوشين، ماموت بمباركة بيريزوفسكيِ
ثانيا، العمل في الكرملين يعني تنفيذ تلك القرارات التي تفرضها عليكم ابنتكم دياتشينكو، يوماشيف، أبراموفيتش ، بيريزوفسكي، فالوشين وغيرهم من الذين ينخرون جسد الدولة ومصالحهاِ لذلك لا أريد المشاركة في هذا الأمرِ ثالثا، أنا جنرال حرب وعشت في الكثير من المناطق الساخنة، خاطرت بحياتي ولمدة طويلة لم أر عائلتي، وكنت واثقا دائما بأني أفعل ذلك لخدمة روسيا وليس رئيس روسياِ وخلال عملي في الكرملين أدركت بأن البلاد لا يقودها الرئيس، بل زمرة من عديمي الضمير لخدمة أغراضهم ومصالحهم الخاصة وليس مصالح الدولةِ لذلك لا أستطيع البقاء والعمل مع هذه المجموعة ولا أريدِ
يلتسين : وإذا أمرتك ألا تنفذ ؟
باردوجا: سأنفذِ ولكن أرجو ألا تأمرونيِ
يلتسين: أتمنى أن تعمل بالقرب مني، ولأنك توصلت الى نتائج غير سيئةِ لم أتوقع بأنهم ( العائلة - ج ) يمتلكون كل هذه القوةِ سأطردهم جميعا ! حسنا ! ألغيت قراري وستبقى رئيسا للديوان وسنعمل معاِ كيف تنظر الى الأمر؟
باردوجا: بوريس نيكولايفيتش، أنا مستعد ولكن لدي شرط واحد وهو: تطرد اليوم من الكرملين ابنتكم دياتشينكو ويطرد معها يوماشيف ، فالوشينِ ومنع دخول الكرملين بحرية من قبل أبراموفيتش ، ماموت، بيريزوفسكيِ تحت هذه الأجواء يمكنني العملِ
يلتسين: حسنا ، سأفكرِ سنلتقي مجددا وسنتباحثِ
في الساعة الثامنة مساء اليوم نفسه وقع الرئيس مرسوما بإعفاء باردوجا من منصبه كرئيس للديوان وكأمين لمجلس الأمن القوميِ
شخص آخر بعد العملية
يلتسين كان مختلفا ، فهو قبل انتخابات 1996 وخاصة عندما كان يسير بتردد نحو الجولة الثانية للانتخابات، حيث كان يحيط به كورجاكوف ( الكسندر كورجاكوف رئيس دائرة الأمن الرئاسية - ج ) و بورسوكوف ( ميخائيل بورسوكوف رئيس المخابرات - ج ) و سوسكوفيتس ( أوليغ سوسكوفيتس النائب الأول لرئيس الوزراء - ج ) وهؤلاء عملوا المستحيل لتقوية مواقف الرئيس وحاولوا فرض صيغة 'القيصر بوريس ' التي كانوا يستخدمونها بشكل غير رسمي ، غير أنهم لم يحاولوا قيصرة البلادِ
أما الحاشية الجديدة فاختلفت عن القديمة من حيث النوعيةِ فقد راهنت على يلتسين لكي تتقدم بشكل بطيء لتستلم القيادةِ وساعدهم في ذلك مرض يلتسين الذي تحول الى شخص آخر بعد عملية القلبِ ولم يستطع جسده مقاومة ضغوط الحاشية الجديدةِ العائلة استغلت ذلك جداِ
في الحقيقة عندما كان يلتسين يعمل، استطاع في وقت ما العودة الى يلتسين السابق كما حصل في مكالمته مع باردوجاِ ولكنه كان ينقلب لتستلم العائلة عرش القيصرِ
أكثر من شن حملة ضدي ولم يخف ذلك كان بوريس بيريزوفسكيِ ولا أريد في هذا الكتاب عرض ما كانت صحفه ووسائل إعلامه تكتبه عنيِ ولكن الواقع يبقى واقعا وهو أن بيريزوفسكي أحد الذين أثروا بسرعة وبشكل هائل مع توجه روسيا لاقتصاد السوق، زد على ذلك وقوع الكثير من وسائل الإعلام في قبضتهِ µ
عندما كنت وزيرا للخارجية، زارني بيريزوفسكي عددا من المرات وكنا نتحدث عن قضايا نظرية في البداية (يبدو أن هذا أسلوبه) وكان يتحدث عن أمور لا يفقه عنها شيئا أو يدركها بشكل سطحيِ مثلا ، كان يريد لروسيا الانضمام الى حلف شمال الأطلسي ويقلقه موقفي الرافض لذلكِ
وهذه كانت مجرد أحاديث نظريةِ وقبل سفرته الى جورجيا طلب استشارتي حول النزاع الجورجي - الأبخازي (لم يكن في هذا الوقت سكرتير رابطة الدول المستقلة)ِ وطلب مني قراءة بعض الوثائق المتعلقة بخطط الوساطة الروسية لحل الأزمة بين الطرفين بعد أن علم بوجودهاِ وعندما عرضتها عليه ليقرأها بوجودي ، طمع أكثر طالبا استنساخهاِ عندها بينت له بأن هذه المسائل لا يمكن لأحد الإطلاع عليها وأنني قمت بذلك لكي يميز بين الأمور في هذه الأزمة قبل مباحثاته في تبليسيِ لكنه عندما وصل الى العاصمتين أظهر الأمر وكأنه يقوم بدور الوساطة بين الجانبينِ
وبعد عودته من تبليسي وسوخومي اتصل بي هاتفيا وطلب موعدا للقاءِ وكان موقفي منه صارما وبعد أن شعر بذلك بدأ يبرر: 'أنتم أطلعتموني على الوثائق وسمحتم لي بالعمل في هذا الاتجاه ولم أذكر أي تقييد فرضتموه في هذا الشأن'ِ وعندما نفيت أي دور لبيريزوفسكي في عملية الوساطة صرح للفيغارو بأنه يمتلك كل الوثائق اللازمة ( ! ) الموقعة من بريماكوفِ
وعندما عين بيريزوفسكي سكرتير رابطة الدول المستقلة ساعدته كثيرا في تنظيم السكرتارية بالرغم من اعتراضي على تعيينه في هذا المنصبِ
بيريزوفسكي بلا شك شخص متمكن في خلق منظومة احتيال متكاملة ، غير أن هذا لا يعني أبدا بأنه نجح في إضفاء شخصية 'الكاردينال' على نفسهِ والأسطورة التي ظهرت بأن بيريزوفسكي يستطيع عمل أي شيء في روسيا ، إنما خلقها مستغلا ضعف مجتمعنا وخاصة على مستوى الموظفين والصحافيين الذين أهدى لهم 'صداقته الثمينة'ِ مثل مخططه الذي نفذه دورينكو (سيرغي دورينكو صحافي تلفزيوني كان يقدم برنامجا للتحليل السياسي عبر القناة الروسية الأولى التي يمتلك بيريزوفسكي حصة الأسد فيها - ج) في الحملة المعروفة المضادة لبريماكوفِ
وفي 17 يناير 2000 صرح بافلوفسكي ( غليب بافلوفسكي صاحب صندوق السياسة الفعالة وأهم من رسموا السياسة الداخلية ليلتسين والعائلة والعمود الفقري لأركان يلتسين الانتخابية - ج ) بأنه يرى من الأفضل لي لو أبرم صفقة مع ما أطلق عليهم النخبة اليلتسينية والتي يعتقد أنها لصالح البلادِ
وبافلوفسكي شخص ذكي بلا أدنى شك ، ولكن من غير الممكن اعتقاده بأني أستطيع إبرام صفقة مع العائلة لكي أحافظ على وضعي السياسي الراهن أو المسقبليِ هذا شيء استبعدته تماما ، ولهذا السبب بدأ الهجوم العنيف ضديِ