الجمعة، 3 يونيو، 2011

المواجهة بين الأديان

ومن جهة اخرى من المستحيل تجاهل وجود المواجهة بين الأديان في النزاع الشيشاني بالكاملِ حيث اشار رئيس انغوشيتيا روسلان عايشوف مثلا الى خطر 'تصادم المسيحية والإسلام في القوقاز'ِ واعترف عايشوف
بوجود امكانية هذا التصادم في النزاع الانغوشي ـ الأوسيتيِ ويرى الاختصاصي في شؤون القوقاز أن الصبيان الشيشان الآن يكبرون في جو المواجهة بين الاسلام والمسيحية وايديولوجية الحرب ضد الكفار.
ويعتقد المؤرخ الروسي والانغوشي الاصل ابراهيم بيلي بأن الحرب الروسية ـ الشيشانية اكتسبت طابع النزاع بين الاديان.
ويرى الباحث الفرنسي الجورجي الاصل جورج شاراشدزيه ان الحرب الشيشانية 'تنعش التناقضات الدينية'.
ويعبر رجال الدين المسلمون والارثوذكس اكثر من غيرهم عن مخاوفهم من اشتداد النزعات الدينية في سير الأزمة. وثمة تصريحات كثيرة في هذا الصدد.
وشارك رجال الدين بنشاط في محاولات صنع السلام باستخدام الحجج المرتبطة بالدين لايقاف الاعمال العسكريةِ قدم مثلا المفتي طلعت تاج الدين خدماته لصنع السلام لادارة الرئيس الروسيِ وسلم مفتي الشيشان محمد حسين ألسابيكوف ورئيس مجلس علماء الجمهورية علي حاجي تتاروف في فبراير 1995 الى رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشيرنومردين طلبا من مؤتمر مسلمي الشيشان بوقف الاعمال الحربية قبل انتهاء رمضانِ ويلاحظ ان رجال الدين يتجنبون مصطلح 'الجهاد' في وصفهم للمقاومة الشيشانيةِ وفي المقابل كانوا يشيرون الى ان الشيشانيين لا يحاربون المسيحيين واشترك رجال الدين بشكل مباشر بعمليات تبادل الاسرى.
وصاحبت اعمال صنع السلام خطورة كبيرة على المشاركين فيها. فقد اختطف في عام 1995 القس سيرجي جيغولين من قبل العصابات الشيشانية وبقي رهينة لعدة اشهر رغم كونه احد المشاركين في الحوار المسيحي ـ الإسلامي ومعروف بولائه للشيشانِ وقتل القس الروسي اناتولي لاتهامه بالعمل لصالح المخابرات الروسية.
ويعتبر التأكيد على وجود متطوعين مسلمين من الخارج حاربوا الى جانب الشيشان احدى الحجج التي يستند اليها الذين يرون في هذه الحرب مواجهة ذات طابع دينيِ ووردت ارقام مختلفة من عدة عشرات الى الوف
المتطوعين.
وحسب وسائل الاعلام وصل في عام 1994 وحده من افغانستان الى غروزني 8 مدربين و12 شخصا من باكستان و4 بوسنيينِ وبناء على احدى الروايات اصر الايرانيون في اثناء لقاء ممثلي المنظمات الإسلامية من اليمن والصومال والسودان واثيوبيا المنعقد عام 1994 في العاصمة الصومالية مقديشو على تهيئة 700 مرتزق تقريبا وارسالهم للشيشانِ ولا توجد معلومات رسمية عن عدد المجاهدين الذين وصلوا من الخارجِ ولا يعتبر النفر القليل من الذين وقعوا في الأسر شاهدا مقنعا على التضامن الإسلامي مع الشيشانِ ولا يذكر الافغان والباكستانيون والعرب اكثر من القوميين الاوكرانيين والهاربين الروس من الجندية وحكايات عن النساء القناصات الشبه اسطورية من بلدان البلطيقِ وبمرور الوقت ازداد عدد المدربين والمقاتلينِ وكان حضور الشباب من الاردن ملحوظا حيث يعيش اكثر من 150 الف شيشاني وصلوا الى الاردن في القرن التاسع عشرِ وكان هؤلاء اردنيون من اصل شيشاني وليسوا عربا.


الاعتراف بالاستقلال

وكان تضامن المجتمع الدولي الاسلامي يتحدد على المستويين الرسمي والسياسي من خلال التصريحات الحادة تجاه روسيا أدلت بها افغانستان، ايران، باكستان، تركيا وبعض الدول العربية والحركات الدينية السياسية
الكثيرةِ وتوجهت المملكة العربية السعودية حتى الى هيئة الأمم المتحدة بطلب التدخل لحل هذا النزاع. وحاولت السعودية واذربيجان التي كان يحكمها خصم روسيا ابو الفضل التشيبي باصدار قرار يقبل الشيشان
بمنظمة المؤتمر الإسلاميِ ورفض طلب جوهر دوداييف للانضمام الى المؤتمر الإسلامي في الوقت نفسه وايد الشيشان بفعالية رئيس الوزراء التركي نجم الدين أرباكانِ وفشلت محاولات اصلان مسخادوف للحصول على اعتراف باستقلال الشيشان خلال لقاءاته بالزعماء المسلمين اثناء تأديته فريضة الحج في عام 1997.

فشل فكرة التضامن

وتفسر استحالة التحقيق العملي لفكرة التضامن الإسلامي بعدة اسباب:

اولا، عدم رغبة الدول الإسلامية تعقيد علاقاتها بشكل علني مع روسيا التي ترى فيها كالسابق حليفة محتملةِ وهذا مهم خاصة في الظروف الراهنة للعالم الحادي القطب الذي وجد المسلمون انفسهم فيه وجها لوجه مع الغرب.
ثانيا، تعطي الدول الاسلامية في حالة تعاطفها مع الانفصاليين في داخل روسيا حجة لاشعالها داخل اراضيها ولذلك عواقب وخيمة لتركيا بالأخص حيث تنشط الحركة الوطنية الكردية وفي افغانستان وباكستان بدرجة ما.
وليس من المصادفة ظهور مواد تدعم الثوار الاكراد في وسائل الإعلام الروسية عندما حاولت القيادة التركية تقديم جميل عطفها للشيشان.
ثالثا، يلاحظ في السنتين الاخيرتين اعادة بناء العلاقات الاقتصادية ولو بشكل بطيء بين روسيا والدول الاسلامية التي فتحت سوقها للأسلحة الروسية.
وكانت هذه الاسباب هي التي حددت خيار الأمة الاسلامية وطريقة تضامنها الشكلي مع الشيشان والموافقة العملية على اعتبار النزاع الشيشاني شأنا داخليا روسيا.
ولا نستطيع وضع النقاط على الحروف في هذا الفصل لأن النزاع الشيشاني لم يختتم بعدِ ولم توقع معاهدة شاملة بين موسكو وغروزني التي مازالت مصرة على السيادة الكاملة.
وعلى الرغم من ان النزاع الشيشاني لم ولن يكن صراعا بين الأديان، الا ان توجه الشيشان نحو الإسلام لعب دوره بلا شكِ هناك اعلان الإسلام دينا رسميا للشيشان وتطبيق الشريعة الإسلامية التي تعتبر عوامل
خروج الشيشان من الفضاء الحقوقي لروسيا حيث نشأت في قوام روسيا الاتحادية هياكل حكومية ذات ايديولوجية رسمية مؤسسة على الإسلام.
وأدى النزاع الشيشاني الى طرح مسألة الخروج من الفدرالية الروسية امام الكثير من الأقاليم وبين الثمن لهذا الخروجِ ونشأت امام الأوساط الحاكمة الروسية (فرضية حتى الآن على الارجح) الاسئلة حول جدوى بقاء الاقاليم الاسلامية في الاتحاد الروسي والضرورة في ابقاء جزء ما في حالة سيره على الطريقة الشيشانية.
وعلى الرغم من ان النزاع الشيشاني لم يوقظ شعور التضامن الإسلامي، الا انه دفع المسلمين للتفكير بأن الجيش الروسي يحارب الاخوة بالدينِ ولم تشعر روسيا حتى على مستوى النخبة السياسية والوعي الجماهيري بأنها بلد متعدد القومياتِ بل أحست بوجود أقلية اسلامية في تكوينها قادرة على التكتل (على المستوى الاقليمي حتى الآن) ولم تفقد الأمل في تضامن المؤمنين في الخارج معها.
وعلى الاوساط الحاكمة الروسية ان تتأمل في مخاطر استخدام اوراق اللعب الدينية في النزاعات لأن 'العامل الإسلامي' بالذات قد يصبح احد احجار العثرة في طريق تسوية الأزمة الشيشانية نهائيا.