الجمعة، 3 يونيو، 2011

صراع رجال الدين

وكان الصراع وسط رجال الدين يتطور بشكل مأساوي نهاية صيف وبداية خريف 1992، ففي 22 اغسطس اتخذ في الاجتماع الموسع الاستثنائي للادارة الدينية لمسلمي الشطر الاوروبي وسيبيريا المنعقد في نابريجني تشيلني قرارا بمناسبة المرض الطويل للمفتي طلعت تاج الدين، وحالة الطوارئ في الإدارة الدينية وتشوش عملها واستحالة أداء عملها بإبعاد رئيس الادارة مؤقتا وتشكيل لجنة مؤقتة من ممثلي رجال الدينِ
وأظهر خصوم تاج الدين عشية الانشقاق استعدادا لقبول حل وسط من خلال النداء الذي رفعه ممثلو الحركة الاجتماعية الاسلامية (رابطة الثقافة الاسلامية) الذي تضمن عبارات تشيد بطلعت تاج الدين وكذلك الرغبة بالتعاون.
وتأسس في عام 1992 مركز التنسيق الاعلى للادارات الدينية لمسلمي روسيا (سجل رسميا في وزارة العدل في عام 1994) والذي دخلت فيه ادارات تتارستان، بشكيريا، مناطق الفولغا، سيبيريا، تشوفاشيا، كومي، فبرطيا، بلغاريا، قرشاي شركسيا، ستافروبل، انغوشيتيا، القرم، بلدان البلطيق، اوسيتيا الشمالية، اديغيا، مقاطعة كراسنادار، اوكرانيا، بيلاروسيا، منطقة اوليانوفسك واوربيبوجيهِ واعلنت بعض المنظمات الاجتماعية والسياسية بما فيها المركز الثقافي الاسلامي الانشط من ناحية تعاونه مع مركز التنسيق الاعلى.
وكان مفتي تتارستان عبدالله غليولين ومفتي بشكيريانِ نعمة الله وإمام ساراتوف مِ بيبيرسوف ابرز الشخصيات في المجلس واصحاب الفرقة الاولى التي بادرت في انشائه والمتكونة من تسعة اشخاص. ورفض الكثير من الائمة تأييد مركز التنسيق، ونشير قبل كل شيء الى إمام جامع موسكو راوي عين الدين وإمام نيجني نوفغورد يوسف ادريسوف وآخرينِ وكان راوي عين الدين وانصاره يعترفون بفائدة اعادة بناء النظام السابق لحياة المسلمين الدينية ويرون في مركز التنسيق عاملا جديدا سيؤدي لزيادة الخلاف والانشقاقِ وتوطدت مواقف عبدالله غليولين بشكل ملحوظ بفضل انتخابه رئيسا للجنة التنفيذية لمركز التنسيقِ واختيرت قازان مقرا لهِ وادى ذلك الى انخفاض نفوذ زعماء الطوائف الاسلامية بعض الشيء مما اثار بلا شك على مواقف إمام موسكو الذي كان يشغل بشكل غير رسمي الموقع الثاني بعد طلعت تاج الدين في زعامة المسلمين في روسيا.
وقيل في النظام الداخلي لمركز التنسيق الاعلى بأن المركز 'يعتبر الحلقة الموحدة لادارات المسلمين وهو مستقل يهدف منه رص صفوف مراكز روسيا الاتحادية الاسلامية وتنسيق اعمالها ودعمها لخدمة نشر الدين الاسلامي والتوصل الى تفسير واحد لأحكام الشريعة واعداد المبادئ واتخاذ القرارات في القضايا المعاصرة المعقدة والمساعدة في تنظيم رحلات الحج وايفاد المبعوثين للدراسة في الخارج'ِ وجاء في النظام الداخلي ايضا بأن 'ادارات المسلمين الاخرى الواقعة في اراضي الدول المستقلة يحق لها الانضمام الى مركز التنسيق الاعلى.
وإن ظهرت الكثير من الاهداف المعلنة في النظام الداخلي المنشور يلفت نظرنا ظرفان: الاول، اعلن رجال الدين المنتمين لمركز التنسيق الاعلى عن ضرورة توحيد قوانين الشريعة في روسياِ وهذا يثبت وجود اختلاف في التفسيرات وقواعد السلوك والتقاليد وتسرب التفسيرات الراديكالية القادمة من الشرق الاوسط الى الطوائف الاسلامية في روسياِ الثاني، لم يطمح مركز التنسيق الاعلى الى توحيد الادارات الروحية في روسيا وشمال القوقاز فحسب، بل وضع في نصب عينيه الاقلية الاسلامية في البلدان السلافية والبلطيق ايضا. وعقد المجلس الخاص المكرس للتعاون بين المنظمات الاسلامية لروسيا والخارج القريب في اكتوبر 1993. وهذا يقودنا الي رؤية المحاولات الرامية لاعتبار مسلمي روسيا جزء من مسلمي اوروبا الذين لهم آفاق واسعة برأي الساسة المسلمين والعلماء الاوروبيين.

وكان القرار المتخذ في مؤتمر مسلمي تتارستان الموجه ضد الادارة الدينية لمسلمي الشطر الاوروبي من روسيا وسيبيريا وتاج الدين شخصيا احدى وثائق مركز التنسيق الاعلى الاولىِِ وكانت اعمال رئيس هذه الادارة توصف في القرار ك'معادية للاسلام' والموجهة ل 'تقويض الدين الاسلامي'ِ واعتبر القرار الأئمة الذين يؤيدون تاج الدين ب 'المنافقين'ِ وفي الوقت نفسه صدر بيان وجه الى رئيس تتارستان منتمير شامييف مليء بالهجوم على تاج الدين.
وكان رد فعل الادارة الدينية لمسلمي الشطر الاوروبي وسيبيريا على اعمال أئمة تتارستان وبشكيريا بالدرجة الاولى الانعزال التام، وفي اغسطس 1992 وبعد عقد مؤتمرات الادارات الدينية لهاتين الجمهوريتين عقدت الادارة الدينية للشطر الاوروبي وسيبيريا اجتماعها الموسع الذي اعلن فيه طلعت تاج الدين استنكاره 'لأعمال المرتدين الانفصالية والذين عبثوا باليمين وخالفوا اخلاق الدين'ِ وابعد تسعة أئمة بما فيهم مِ بيبرسوف وعضوا هيئة رئاسة الادارة نعمة الله وعشيروف من مناصبهم.
وعقد في مدينة اوفا في مطلع نوفمبر 1992 بمبادرة من تاج الدين المؤتمر الاستثنائي السادس لمسلمي الدول المستقلة والشطر الاوروبي من روسيا وسيبيريا واشترك في اعماله 738 مندوبا من اغلبية الطوائف الاسلامية بمن فيهم مؤيدو مركز التنسيق الاعلىِ وقيل فيه الكثير عن ضرورة وحدة وتراص المسلمين واتهم بالتطرف 'الائمة غير المطيعين والمنحرفين'.

واتخذ تاج الدين خطوة مغامرة في عام 1994 تمثلت في ابعاد عين الدين عن رئاسة جامع موسكو في لحظة خطبة الجمعة وفي الجامع مباشرةِ (رفض عين الدين ذلك وحاول تاج الدين ضربه كما يفعل مع من يعمل عنده وهرع المصلون لانقاذه امامهم وحدثت معركة بالايدي اشترك فيها نيازوف رئيس المركز الثقافي الاسلامي واعطت صورة بشعة للمسلمين استغلتها الصحف المحلية كما ينبغي )ِ ويعود سبب ذلك الى ان مفتية موسكو رفضت تأييد تاج الدين في مواجهته لخصومه في اوفاِ واعلنت الادارة الدينية لوسط روسيا ذلك بالاجماع مما ادى الى خروجها من الادارة المركزية وحدث ذلك اثناء واقعة 23 سبتمبر 1994 وفي صلاة الجمعة.
وبعدها تدهورت العلاقة بين رجلي الدين بشكل نهائيِ وكانت المفتيات الجديدة تقدم للرئاسة القديمة اتهامات شتى بما في ذلك اشاعتها التناقضات القومية بين التتار والبشكيرِ واتجهت ادارتا تتارستان وبشكيرا بطلبات كثيرة للسلطات لغرض نقل كل البنايات الدينية لتخضع تحت سيطرتهاِ لتجريد تاج الدين وانصاره من اهم قواعدهم الماديةِ وكان قرار المؤتمر الثالث لمسلمي جمهورية بشكيريا المنعقد في سبتمبر 1994 نموذجيا في هذا الصددِ واعتبر المؤتمر الادارة الدينية للجمهورية صاحبة الحق الوحيد لامتلاك هذه البنايات، وطالب السلطات المحلية باتخاذ القرارات اللازمة بهذا الخصوص.
وحاول رئيس الادارة الدينية للشطر الاوروبي وسيبيريا التخلص من منافسيه باللجوء الى السلطات المركزية مستفيدا من اعتقادها بضرورة وجود هيكل ديني مركزي واحد معتاد عليه من اجل السيطرة عليه بسهولة. غير ان لقاءات تاج الدين الكثيرة مع المسؤولين حيث كان يذود اثناءها عن موقفه الداعي لرص المسلمين (يدافع منافسوه عن ذلك ايضا) لم تؤثر بشكل من الاشكال على الحالة التي سادت الطوائف الاسلامية ،
واضطر تاج الدين الذي لا يعرف المرونة في اواسط التسعينات الى الاعتراف بأنه فقد زمام السيطرة على الامور الاسلامية في روسيا. وتشهد على ذلك اعادة التسمية التي تعرضت لها الادارة الدينية للشطر الاوروبي وسيبيريا في عام 1994 والتي اصبحت تسمى الادارة المركزية لمسلمي روسيا والبلدان الاوروبية لاسرة الدول المستقلةِ وكانت التسمية الجديدة مدعومة من جهة لاظهار ان القيادة القديمة مستعدة لاجراء بعض التغييرات، ومن جهة اخرى ثمة في التسمية نفسها 'المركزية' ادعاء بالمحافظة على الوضع القيادي للهيكل الجديد.
وبالرغم من النداءات التي تسمع من كل الأطراف لوحدة مسلمي روسيا، الا ان الانشقاق فيما بينهم هو الامر الواقعِ ويؤجل تحقيق الاتحاد الى اشعار مجهولِ وتزيد شدة المواجهة من جراء الوضع الناشئ من اتصالات طلعت تاج الدين والمؤسسات الدينية الاخرى المباشرة مع السلطات والهجوم على تصرفات رئيس الادارة الدينية الجديدة.