الجمعة، 3 يونيو، 2011

السلطة والصحوة

أكد اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي موقفهما من تأييد يلتسين في اجتماع ضم زعماء المنظمات الاسلامية ونخبة المجتمع الاسلامي ورؤساء الجمهوريات والاقاليم ذاتية الحكم لشمال القوقاز وبشكيريا وتتارستانِ واجرى اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي في مايو ـ يونيو 1996 حوالي عشرة اجتماعات اقليمية (في اقليم الاورال، بشكيريا، مدينة سارانسك، شمال القوقاز)ِ ونظما كذلك عدة رحلات قاموا فيها بنشاط دعائي لصالح بوريس يلتسينِ وتمحورت النداءات حول المواضيع الرئيسية التالية:
اولا، ان الشيوعيين اضطهدوا الدين. ثانيا، ان الصحوة الاسلامية حققت النجاح في فترة رئاسة بوريس يلتسين. وثالثا، السعي لاقناع المسلمين بأن السلطة الحالية تبذل جهودها لتيسير حالة الاقليات غير المحمية. و اطلق على الشيوعيين مثلا في النداءات الموجهة لمسلمي الاورال بـ 'الاشخاص الذين لا يعرفون الدين وينكرونه' وقيل انه خلال الحكم السوفيتي 'دمرت الآلاف من المقدسات الاسلاميةِِ وعلى مسلمي روسيا عدم السماح للعودة الى الماضي' وجاء في النداء الموجه لمسلمي فولغوفياتسكي بأن 'ثلاثة ارباع مسلمي روسيا قد اضطهدوا بسبب دينهمِ وكانت تدمر مقدساتنا ولوحق الائمة والمفتون والملالة وتمت تصفيتهم.

ولكن السلطة الروسية الجديدة مهما كانت سياستها متناقضة قد ايدت بحزم عملية الصحوة الدينية'. وبرز النزاع الشيشاني في جميع النداءات ولم تطرح مسألة استقلال الشيشان بالطبعِ ولكن الحديث جرى عن ضرورة بلوغ السلام في اقرب وقت. وبلغت الحالة اوجها في التجمعات الاسلامية في لقاء مسلمي مدينة ياروسلاف بالرئيس يلتسين في مايو 1996ِ وعشية هذا اللقاء في اجتماع الاوساط الاجتماعية الاسلامية للاقاليم الوسطى والشمالية والشمالية الغربية من روسياِ وقال احد الخطباء موجها حديثه للرئيس: 'ساعدوا يا بوريس نيكولايفتش الشعب الشيشاني ولن نعطيك للشيوعيين'ِ وقال يلتسين ردا على ذلك لرئيس المركز الثقافي دوسليك في ياروسلاف عضو قيادة اتحاد مسلمي روسيا قلم الله خيرولين: 'ايدوني في الانتخابات ولن اعطيكم للشيوعيين'.
ولم يجد اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي صعوبة في الاتصال مع المقر العام لحملة الرئيس الانتخابيةِ ويبدو ان موقف العاملين في اركان يلتسين الانتخابية من التأييد المحتمل للناخبين المسلمين كان لا مباليا بما فيه الكفايةِ وكانت المساعدات المالية اقل مما كانوا ينتظرونهِ
وقلت اهمية الاجراءات المتخذة من الاتحاد والمركز من جراء التمثيل المناسب في محيط يلتسينِ وعدا ذلك طرح خبراء الكرملين الفكرة القائلة بأن تأييد المسلمين المباشر قد يؤثر سلبا على الناخبين الارثوذكس
المتدينين وعلى موقف رجال الدينِ ومن الواضح ان الظرف الاخير لعب الدور الكبير لأن الرئيس حرص على تأييد الكنيسة الارثوذكسية والبطريرك.
واشار فيتشيسلاف بولوسين مستشار لجنة الدوما لشؤون الاتحادات الاجتماعية والمنظمات الدينية بعد الانتخابات الى ان السلطة اعطت الاولوية للكنيسة الارثوذكسية واثر ذلك على مواقف المسلمينِ وقال: 'عندما عرض التلفزيون قبلات الرئيس الظاهرية مع البطريرك أليكسي في الكرملين شطبت كل الحملة الاسلامية وفقد الرئيس ليس اقل من 3% من اصوات الجمهوريات'.
وعلى الرغم من كل شيء خاطر رجال الدين بسمعتهم وايدوا بوريس يلتسينِ وكان جميع المفتين تقريبا يزورون القرى ويقومون بالدعاية له. واختلفت حملة الانتخابات الرئاسية عن انتخابات الدوما في عام 1995 في هذه الناحية لأنها تجنبت رجال الدين المسلمينِ وفي سير الحملة الانتخابية الرئاسية وبعد اختتامها كانت وسائل الاعلام تشير الى المبالغ التي طلبها
المسلمون من اركان الرئيس الانتخابية مقابل تأييدهِ نشرت جريدة 'موسكوفسكي كومسومولست' مقالة جاء فيها ان رئيس المركز الثقافي الاسلامي نيازوف طالب لنفسه ب3ِ2 مليون دولار كما زعمت.
ان التأمين المالي للحملة الانتخابية امر حساس كما معروف، ولن يستطيع احد تسمية المبالغ الحقيقية المنفقة للدعاية والتي تبقى في جيوب الدعاة (المسلمين وممثلي الديانات الاخرى والملحدين على السواء). غير انه من الواضح ان اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي فضلا عن المنظمات الاخرى، لم تكن لديها في تلك اللحظات اموال كافية للمشاركة الفعالة في الحملة الانتخابية للرئيس يلتسينِ وكان طلب
المساعدة امرا طبيعيا تماما.

طلب المساعدات

والمهم ان اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي بوعدهما مساعدة يلتسين طلبا ايضا منه حل مشاكلهما فيما بعدِ نذكر بالاخص طلبهما بأن يأخذ تحت رعايته الشخصية مسألة بناء مركز الآداب الشرقية
في موسكو والجامعة الاسلامية الروسية وجامع وملجأ للأيتامِ وطلب المسلمون من الرئيس ايضا 3 ملايين او تقديم قرض طويل الاجل بلا فائدةِ وطلبوا من الرئيس بناء سبعة مشاريع اخرى في اراضي روسياِ وطالب زعماء المسلمين، عدا المساعدة في تنفيذ المشاريع طويلة الاجل بالمساعدة في حل الشؤون اليومية بما في ذلك المرتبطة بمشاكل الحجِ
انتهت الحملة الانتخابية لاتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي باجتماع المسلمين من عموم روسيا الذي ايد بالطبع ترشيح بوريس يلتسينِ واكد الاجتماع أن ممثلي 63 اقليما روسيا حضروا، غير ان التمثيل كان اقل في الحقيقة.
وكان توجه زعماء اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي الى الرئيس يلتسين يعني رفضهم للشيوعيين.
وكان النضال ضدهم بمثابة عامل مشترك قربهم من هدف واحدِ الشيوعيون ومحاولات الجذب اما الشيوعيون، فلم يبذلوا جهودا تنظيمية ملحوظة لجذب المسلمينِ وجه زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف نداء الى المسلمين في يونيو اخافهم فيه من غرس 'الروح الغربية والاميركية'. و " فقدان نمطنا (الشيوعي؟ ) التقليدي للحياة". وتضمن اقوالا عادية عن الحضارة الاوروبية ـ الآسيوية التي نشأت 'نتيجة تفاعل الشعوب المسيحية والاسلامية'. وقال: 'ان مثل الاسلام العليا الانسانية قريبة لناِِ ويمكنكم التيقن بأنكم ستتمكنون من تنظيم حياتكم بحرية حسب عادات الاسلاف'.
وكان نشاط الشيوعيين بين المسلمين كطائفة دينية منخفضا جدا. وهناك بعض الاستثناءاتِ فمثلا، تسنى للحزب الشيوعي في عاصمة جمهورية اديغيا مايكوب تحويل مظاهرة ضد الحرب الشيشانية الى تأييد لزيوغانوف.
وفي مدينة اورينورغ القى رئيس فرع اتحاد مسلمي روسيا رِ زيغنشين كلمة لصالح الشيوعيين وقال: ان 'اغلب المسلمين سيصوتون مع زيوغانوف'ِ وفصل زيغنشين بعد ذلك من اتحاد المسلمين.
وراهن المحللون الشيوعيون بتجاهلهم خصائص الناخبين المسلمين على حقيقة ان اغلبية المسلمين يسكنون في المحافظات خاصة الواقعة في الاقاليم التي عانت من الاصلاحات وكذلك في مناطق النزاعاتِ وحافظت دعايتهم على ابراز المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بشكل استثنائي وخاصة تلك التي اصابت الغالبية العظمى من المسلمينِ واثرت هذه الحالة على كبار بشكل خاص وحتى الذين كان يحضر منهم لفعاليات اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي يصر بعد خروجه على أنه 'في كل الاحوال سأصوت مع الشيوعيين'.

عداء جيرينوفسكي

اما الحزب الليبرالي الديموقراطي لفلاديمير جيرينوفسكي فلم يترك للمسلمين في سير حملته الانتخابية مجالا لتأييده. فقد كان زعيمه يناصر على المكشوف قمع الانفصالية الشيشانية بشكل قاس ويعارض منح
الحقوق الواسعة للاقاليم ذاتية الحكمِ وقال ذات مرة: 'الاسلام اسفل، الى آسيا الوسطىِ ولن يكون اعلى. وستكون تتارستان بلدا ارثوذكسيا مسيحياِ هم لا يريدون ان يكونوا مسلمين ونحن نغرس الاسلام فيهم بالقوة'.
وكان الصراع من اجل اصوات الناخبين يجري بين يلتسين وزيوغانوف ومن المستحيل القول بدقة من فاز بهذا السباقِ يمكننا التخمين فحسبِ كان رؤساء نور يعتقدون عشية الانتخابات بأن 45-55% من المسلمين سيصوتون لصالح زيوغانوف و15-20% منهم فقط سيصوتون مع يلتسينِ واعتبرت وسائل الاعلام بعد الجولة الاولى أن 80% من الناخبين الناطقين بالتركية سيصوتون في الجولة الثانية مع يلتسينِ واكد رئيس المركز الثقافي الاسلامي بعد اختتام الانتخابات أن 58% من المسلمين صوتوا مع يلتسين في الجولة الثانيةِ وفي خلفية هذه الارقام تكون مؤشرات حملة يلتسين في داغستان طريفةِ صوت مع الرئيس في الجولة الاولى 52ِ28% وفي الجولة الثانية 07ِ53% من الناخبين.
وينبغي تقدير مشاركة المسلمين في الانتخابات من ناحيتين: اولا، من وجهة نظر مساهمتهم بفوز يلتسين، فإن المجتمع الاسلامي تعامل مع الرئيس كضامن لعملية الصحوة الدينيةِ وجاءت له هذه الناحية بمئات الآلاف ومن المحتمل ملايين الاصوات الاضافية. ثانيا، وهذا الامر الاهم، أن المحاولة الجدية الاولى لتوحيد المسلمين على اساس ديني اتخذت في لحظة تفاقم الوضع السياسيِ وكانت عملية تسييس الاسلام تسير بشكل مطردِ بالاضافة الى ذلك انضم الكثير من الساسة العلمانيين وكذلك المسؤولين الكبار الى الحركات الدينية مثل اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي وبدأ القسم الاكبر منهم يدرك بأن تأييد اتباع الدين نفسه قد يؤثر على شعبيتهم وسمعتهم امام السلطات والبرلمان بدرجة كبيرة. وبعد انتخاب خاتشالايف رئيس اتحاد مسلمي روسيا نائبا في مجلس الدوما نهاية عام 1996، بدأت تناقش من جديد فكرة تشكيل 'الجماعة الاسلامية' المستقلة في البرلمانِ وليس من المستبعد ان تتشكل مثل هذه الجماعة في نهاية الامر وإذا حدث ذلك قبل الانتخابات البرلمانية الدورية فسيدخل فيها على الارجح ممثلو حركة 'بيتنا روسيا' وبعض النواب المستقلين (لم يحصل ذلك وحتى خاتشلايف فقد حصانته البرلمانية في عام 1998 ).