الجمعة، 3 يونيو، 2011

المعارضة الروسية من الإسلام

صاغ الشاعر والمترجم المعروف سيميون ليبكين موقف الليبراليين عن غرابة الإسلام على روسيا في حديث أدلى به في عام 1992 : " الامبراطورية الإسلامية الجديدة غريبة على روسيا. أما البلدان الإسلامية
فمصيرها خاص وتاريخها ايضا. وأدرك ذلك شخص واحد هو ستالين. كان ستالين قاتلا. وكان يدرك انه من المستحيل توحيد هذا البلد عن طريق الخير والعدل والنظامِِ وقال للجبليين: ستعيشون حسب قوانين الشريعة. لأنه ادرك استحالة جذبهم الى صفه بدون ذلك "
ويلاحظ موقف ستالين المزدوج وموقف البلاشفة بشكل عام في الموقف الراهن من الاسلام الذي تتخذه المعارضة الشيوعية والقومية ويتلخص في: سلخ (رد) الإسلام واعتباره دين آخر يميز الأقوام غير الروسية. و الخوف من تكامل الشعوب الإسلامية داخل روسيا الاتحادية ومع الدول الاسلامية في حدودها الجنوبية. و الرغبة في الاشارة الى اساس روسيا متعددة الأديان للحصول على ولاء المسلمين 'الخاضعين للقانون' باعتبار وجودهم ضمان لشرعية روسيا 'كإمبراطورية اوروبية ـ آسيوية'. و قبول الإسلام كحليف في النضال ضد مساعي الغرب التوسعية.
تتواجد كل هذه العناصر الاربعة ويمكنها ان تتصادم في الحدود الايدلوجية لمنظمة او موقف سياسي واحد.
ومع ذلك لا بد لأحدها ان يكون سائدا بلا شك في كل حالة ملموسة. ولنستشهد بالذين يتفوق في ارائهم سلخ الاسلام والذي يحتل مقدمتهم زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي فلاديمير جيرنوفسكي والكاتب الكسندر
سولجنيتسين ولاكاديمي نيكولاي مويسييف. ويحاول هؤلاء وامثالهم اخراج الاسلام من الاطار الاساسي الثقافي للمدنية الروسية. وصاغ سولجنيتسين هذا الموقف بشكل دقيق وصريح في عمل اطلق عليه 'كيف علينا تنظيم روسيا؟' دعا فيه الى فصل الجمهوريات غير السلافية عن روسيا. وحسب منطقه يجب ان تتعايش روسيا مع الإسلام 'بصورة متوازية' آخذة المصالح المتبادلة بنظر الاعتبار لكن بدون الامتزاج بدولة واحدة. ونشير الى ان سولجنيتسين اصبح في عيون المسلمين 'مكروه الاسلام' رغم انه لم يقل او يكتب عن الإسلام بكراهية.
ويعتقد الاكاديمي مويسييف بأن روسيا 'ليست اوروبا وليست آسيا ايضا التي تعتبر غريبة علينا عضويا. اما جيرينوفسكي فإنه يؤيد 'الطلاق' بين روسيا والإسلام ويدعو في الوقت نفسه الى استخدامه لبلوغ اهداف
جيوسياسيةِ ويتحدث جيرينوفسكي من جهة عن 'الخطر الإسلامي' وان 'الإسلام يتسبب بحروب دينية' وعن 'جرس الكنيسة الارثوذكسية على سواحل المحيط الهادىء والبحر الابيض المتوسط' ويشير من جهة اخرى الى ان الاصولية الاسلامية احسن من الإسلام التركيِ ويعترف جيرينوفسكي بأن الاصولية ظاهرة طبيعية للعالم الإسلامي ويجب اخذها بنظر الاعتبار ويمكن استخدامها كورقة في اللعب السياسي غير انه لا ينوي الدخول في تحالف مع الأصوليينِ.

ويحترم سولجنيتسين وجيرينوفسكي أصالة الإسلام وبالأخص اتجاهه القوي لنبذ القيم الغربيةِ ان كره الغرب اهم شيء يقرب بين القوميين الروس وبين الاصوليين الإسلاميينِ ويعارض جيرينوفسكي تطوير العالم
الإسلامي وتحديثه ويرى بأن لذلك عواقب وخيمة على روسياِ يقول:
'
فلتكن هناك أنظمة اسلامية من كابول الى طشقند. ولكن يجب ان يبنى عدد اكبر من المساجد في طشقند واخلاء مصنع الطائرات وسحبه لروسيا'. ويشير خبير الجريدة القومية الشيوعية 'زافترا' بارداختشيين برضا الى 'تصحيح سياسة اوزبكستان الخارجية بتقاربها مع ايران الاصولية'ِ ويرى في تمجيد تيمورلنك في اوزبكستان في الوقت الحاضر 'تقديس لأب الدولة الإسلامية'.
وهكذا ، لا يخشى سولجنيتسين ولا جيرينوفسكي جدا من التوسع الإسلامي الذي لا يشكل خطرا الا في سياق الاستراتيجية الغربية المعادية لروسيا التي تريد اصطدام روسيا بالعالم الإسلاميِ وفي النهاية بعبران
عن ثقتهما وانصارهما بتفوق روسيا على العالم الإسلامي والارثوذكسية على الإسلام.
ولا يخاف القوميون الراديكاليون ايضا من الإسلامِ فلا يذكر في برنامج حركة 'الوحدة القومية الروسية' ( كثيرا ما يصفونها بالفاشية) برئاسة باركاشوف الإسلام مطلقا ولا تهتم به المنظمة الأخرى 'جبهة العمل
الوطني الثوري'.
وتركز الحركات القومية ومن يحمل هذه النزعة على مقاومة الإسلام الذي يهدد نشاطه المتزايد في المستقبل برأيها على الاصالة الدينية والثقافية لروسيا والذي قد يؤدي الى تغيير تكوينها القوميِ ونستشهد برأي رئيس مذيعي قناة تلفزيون روسيا الذي قال ان 'هناك خطرا من تحول روسيا الى دولة إسلامية نتيجة الصحوة الإسلامية الكبيرة'.
ويفسر رفض الإسلام من قبل القوميين بدرجة كبيرة لكونهم متحمسين للارثوذكسية متبعين بذلك تعليمات مرشدهم الروحي مطران بطرسبيرغ إوان الداعية الى اندماج 'الروسية' و'الارثوذكسية' وتطابق الانتساب الى
الارثوذكسية مع الانتساب الى الأمة الروسية ويصاحب ذلك التأكيد على دور الكنيسة' الخاص في الدولة
يقول المطران إيوان ان 'من غير الطبيعي التفريق بين الدولة والكنيسة'ِ ودعا رئيس أخويات بطرسبورغ قسطنطين دوشينوف الى زيادة رعاية الكنيسة' وكان يشير بالاخص الى ان هذا 'لا يعني جعل الدولة تيوقراطية مما يميز الأصولية الإسلامية'.
وتشكلت في التسعينات في وعي القوميين الروس المتطرفين صورة الارثوذكسية المجاهدة في سبيل منع 'تآكل' الشعب الروسي نتيجة التأثيرات الخارجية وأهم شيء تحويلها لتصبح القاعدة الايديولوجية للدولة الروسية.
ويعتبرون الأديان الأخرى بما فيها الإسلام في روسيا هامشية مما يعني ضرورة تحديد نطاق نشاطها في المجتمع بشكل مباشر وغير مباشرِ واذا يطور المطران إوان الموضوع عن موسكو بصفتها 'روما الثالثة' يثبت
بأن 'روما الثانية' 'أعطت للفار أتباع ديانة محمد'ِ وفسر حتى النضال ضد (أورطة التتار المغول) كنضال ديني وان عرف جيدا بأن خانات 'الاورطة الذهبية' لم يظهروا اي تعصب ديني وشملوا برعايتهم القساوسة
الارثوذكس.
ويؤدي كل ذلك الى شدة حرص المسلمين ويولد عندهم أوجاع معينةِ وكالعادة لا يظهرون قلقهم في هذا الصدد بشكل علنيِ غير ان هذا الموضوع طالما يتكرر في الأحاديث الشخصية لرجال الدين والسياسة المسلمين. ويعارض الأوروبيون ـ الآسيويون الجدد مواقف القوميين المتطرفين لأنهم يدعون الى تعايش الارثوذكسية والإسلام في اطار دولة عامة تقع في ملتقى الحضارتين في الاراضي الروسية وكإثبات لموضوعهم الرئيسي بوجود 'حضارة روسية خاصةِ يصر مثلا نصير الأورو ـ آسيوية الكاتب الاجتماعي بروخانوف المتمسك بالمذهب
الشيوعي على ضرورة اتحاد الأرثوذكسية مع الإسلام والسلافية مع التركيةِ غير ان الاتحادين لم يكونوا لبروخانوف الا تعليلا لضرورة اعادة انشاء الاتحاد السوفيتيِ ويوضح الايديولوجي الآخر للشيوعية القومية بلوتينوف هذا الموقف بصراحة بإشارته الى ان 'روسيا الاتحادية هي ليست بروسيا ولكن الاتحاد السوفيتي كان روسيا العظمى'.

بالتالي توضع فكرة تعايش الدينين الكونيين في دولة واحدة لخدمة الغطرسة السياسية.
ويعود ايديولوجيو القومية الروسية والشيوعية القومية بعناد الى فكرة وجود العدو المشترك للأرثوذكسية والإسلام وهو الغرب الذي يسعى لتدمير المجتمعين الإسلامي والارثوذكسي ويعمل بكل الوسائل على
تصادمهماِ قال المطران إوان ان 'الإبادة المتبادلة للأرثوذكس والمسلمين هي افضل طريقة لتدمير روسيا من الداخل'ِ ورئيس الحزب القومي البلشفي ليمونوف على يقين من ان 'ِِِ مستقبل روسيا يكمن في التحالف
مع الإسلام حيث تتعرض الارثوذكسية والإسلام على السواء للعدوان الغربي ونكون لهذا السبب حلفاء طبيعيين'ِ وسمى الاصوليين الاسلاميين في جريدته 'ليمونيكا' ب 'الشركاء الأوفياء للقوميين البلاشفة الروس في نضالهم المشترك ضد الغرب'ِ ويرى الجنرال المتقاعد فيلاتوف احد مفكري الحزب الليبرالي الديموقراطي بان الوطنية الروسية والاصولية الإسلامية تشكلان 'الاراضي التي لم تطأها الصهيونية' وهما عبارة عن الحصن الأخير بوجه التوسع الغربي.
ويفكر زعيم هذا الحزب جيرينوفسكي على هذا المنوال ايضا ويرى ان الحرب في افغانستان سببها الغرب الذي كان يخطط لجر الحرب الى آسيا الوسطىِ ويوضح فويستروتشينكو في جريدة 'كراسنيا زفيدا' ان 'الكرملين
يدفع طاجيكستان الى حرب أهلية جديدة تعتبر تواصلا للحرب الأفغانية وستلعب تركيا وتنسيق الأمم المتحدة الناعم لتحقيق الاستراتيجية الأميركية الحكيمة ". ويمكن ايراد عشرات الاستشهادات المثيرة التي تؤيد
الفكرة القائلة ان كتلة إسلامية معادية لروسيا تتشكل بشكل غير علني برعاية العرب على طول حدودها الجنوبية.
وازداد الخوف من التوسع الإسلامي الفرضي بالأخص في عامي 1996 ـ 1997 بسبب نشاط المتطرفين الإسلاميين من حركة طالبان في افغانستانِ ونوقشت في الصحافة القومية في خريف 1996 مسألة قدرة طالبان للتوغل في روسيا بعد مرورهم عبر آسيا الوسطى واذا كانت قواهم تكفي لبلوغ قازان.
وطرحت مسألة خطر الإسلام الذي يهدد روسيا كثيرا بعد بداية الحرب في الشيشان التي فسرت كمجابهة بين روسيا والعالم الإسلامي وكحرب بين الإسلام والأرثوذكسية.
ومع ذلك وعلى الرغم من الخوف من 'العدوان الإسلامي' يشعر الكثير من الساسة والكتاب الاجتماعيين الميالين للنزعة القومية باحترام الإسلام. ويمكن تفسير هذا بدرجة كبيرة بالهمة التي تنتقد بها الأنظمة الإسلامية الراديكالية من قبل الغرب وحتى محاولات مجابهتها عملياِ ويحظى العراق وليبيا وايران والمنظمات الإسلامية الفلسطينية بحظوة كبيرة لديهمِ وتستخدم النخبة الحاكمة لهذه البلدان ( عدا العراق) الارشادات الاصولية الأساسية لتعليل نهجها السياسي باسم الإسلام، بالرغم من ان صدام حسين قبل خلعه ، التفت لأسباب براغماتية ، إعلاميا منذ أواسط التسعينات في سياسته الى الإسلام اكثر فأكثر!
ويقارن أنصار النزعة القومية الشيوعية أحيانا وضعهم بالمعارضين الإسلاميينِ وفي سير حملة الانتخابات الرئاسية الروسية في عام 1996، مثلا، كانت صحف المعارضة تبدي مخاوفها من تكرار السيناريو الجزائري
الذي رسمته السلطات هناك في عام 1992ضد جبهة الانقاذ الاسلامية التي فازت في الدور الأول للانتخابات البرلمانية وقيام الجيش بانقلاب لمنع اجراء الجولة الثانية من الانتخابات التي كان فوز جبهة الانقاذ فيها مضمونا.
ويهتم الشيوعيون القوميون بآية الله الخميني ويرون واحدة من أهم فضائله هي ربط التقاليد الإسلامية بمبادىء العدالة الاجتماعية. وكتبت جريدة 'سوفيتسكيا روسيا' ان 'الإمام الخميني اعطى ذلك التفسير للإسلام الذي استجاب لآمال الجماهير والاخلاقيات وناضل من اجل الاستقلال ضد المستعمرين'ِ ويرى مؤلف هذه المقالة إبفانوف انه من المناسب
مقارنة آية الله الخميني بالمطران إوان الذي يعتبرونه كمرشد روحي 'للمعارضة الارثوذكسية الأصولية والمعارضة القومية في آن واحد. ويتمسك شيخ الحركة السلبية الروسية أوسيبوف بهذا الرأي أيضا.
ويمثل الخميني في نفوس القوميين 'كمنقذ' تحتاج روسيا جدا الى مماثل ارثوذكسي لهِ واقترحوا للعب هذا الدور الكاتب سولجنيتسين في وقت حصل فيه على لقب 'آية الله الروسي'.
وتفسر هذه المواقف المتناقضة للمعارضة الروسية من الإسلام: أولا، بتنوعها الخاص ومذاهبها الايدلوجية متعددة الاتجاهات وتوجد فيها المبادىء القومية والسلالية والوطنية والتصورات الالحادية الباقية
والنزعة الأوروبية ـ الآسيوية الجديدة وغيرهاِ وثانيا، بادراك الإسلام الذي يعتبر في المستوى السياسي كخصم روسيا والذي يشكل خطرا على حدودها الجنوبية ووحدتها الداخليةِ ولكن الإسلام يعتبر حليفا ايديولوجيا وثقافيا لأنه يحتوي على كل الأسس الاجتماعية والثقافية التي تدعو الى رفض الديموقراطية الغربية (تفسر بالاباحية) وهذه الأسس قريبة من التقاليد الارثوذكسية الروسية.
وترتبط المسألة بموقف الجماعات المختلفة في المجتمع الروسي من قضية الحوار بين الأديانِ لمح طلعت تاج الدين مثلا في فبراير 1996 الى ان الوفاق بين هذين الدينين 'ضروري للوفاق الروسي العام'ِ وثمة رأي
ثابت تشكل خلال تاريخ الدولة الروسية الطويل 'صبر المسيحيين والمسلمين بعضهم على البعض الآخر والذي بدونه لا يكون للحوار معنىِ لا سيما وان السلافيين خلال سنوات الحكم السوفيتي فقدوا الإحساس
بانتسابهم السلالي والثقافيِ وكانت الحاجة لمثل هذا الحوار في هذه الظروف في أدنى مستوى لها'.