الجمعة، 3 يونيو، 2011

تفكك الاتحاد السوفيتي والإسلام

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي تحول المجتمع بالتدريج الى مجتمع آخر متعدد الظواهر وعانى من الكثير من الاختلافات الاجتماعية والعرقية والثقافية والدينية والطائفيةِ وتحولت العقلية السوفيتية الى عقلية مغايرة تحت تأثير هذه الاختلافاتِ وبدا الناس يتحسسون اكثر لانتسابهم الى هذا الدين او ذاك او الى نظام حضاري معين وكانت هذه العملية تسير ببطء ولكن بثباتِ وبدأ حتى غير المؤمنين والمتنورين الى محاولة الانتساب للدينِ ورسمت في التسعينات محاولات انشاء المناطق واعادة تقسيمها على اساس ديني.
وكانت عملية اعادة تقسيم المناطق الاسلامية تسير بشكل اسرع لأن الصحوة الاسلامية جرت بشكل اسرع من نهضة الارثوذكسية.
وينتج من كل ذلك اهمية الحوار، بين الطائفتين الدينيتين ويجري الحوار على مستويين: الاول، مستوى وعي اتباع كلا الدينين لادراك ما يوحدهما وما يفرقهما، مثل التعرف على الجار غير المعروف، ومهما كان موقف
الانسان من دين جاره في الدولة او المدينة او البيت سلبيا او ايجابيا من المهم مبدئيا الحصول على حق الرأي المستقل بالدين بما في ذلك الدين الذي ينتسب اليه والاعتراف بأصالة جاره الدينية التي تثبت هويته.
وبدأ المجتمع الروسي يعترف بدور الدينِ وهذا بحد ذاته تطور ايجابيِ حيث ان قضية الانتساب الى طائفة دينية تعتبر 'تافهة' في الدول الديموقراطية او في البلاد التي ساد فيها الالحاد لأكثر من سبعين سنةِ
ويدرك الارثوذكس الذين تسكن الى جانبهم اغلبية دينية تزداد نسبة مواليدها على نسبتها على الرغم من انخفاضها في التسعينات بأن من الضروري البحث عن كل الوسائل التي تجعل الحياة معهم افضل بمقاييس
الحياة الانسانية العادية والايمان بالعيش المشترك مع هذه الاقلية الدينية.
وعلى المسلمين ادراك دورهم كأقلية وستبقى كذلك حتى في المستقبل القريب ولهذا عليهم على الرغم من 'طموحهم المدني' الرضوخ للتقاليد غير الاسلاميةِ لقد كان هذا النوع من الرضوخ موجودا في الاوقات
السوفيتية ولكن الآن يحتاج الامر الى صبر اكثر من السابقِ لا سيما وان التجارب التاريخية تشهد على انه في كل الدول التي تتعايش فيها الطوائف الاسلامية والمسيحية لا يتسنى التفادي من التناقضات بالكامل (يكفي النظر الى تجارب الهند والسودان والفلبين ومصر وغيرها) ولم تصبح روسيا استثناء منها للاسف.
ومن الممكن ان يعارض احدهم هذا الرأي بالقول ان هذه المشاكل لم تكن موجودة ايام السلطة السوفيتية. غير ان عدم وجود تعقيدات في العلاقة بين الطوائف الدينية كان يتم تعويضه بالاضطهاد الرسمي لكل

الاديان وما كانت تعاني منه المساجد والكنائس. والحوار على المستوى الثاني يجري بين ممثلي الدين بشكل مباشرِ كان هذا الحوار يجري في السابق برعاية السلطات وتحت اجراءات رسمية منظمةِ وانحصر الحوار بالمصادقة على سياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية والداخلية من المسائل الدينية (الاسلامية والارثوذكسية)ِ وكان هذا الحوار مزيفا ونتائجه تساوي الصفر عمليا من وجهة نظر الحوار بين الاديان.

ونشأت الحاجة الى الحوار الواقعي بعد بداية البيريسترويكا. وبالاخص بعد تفكك الاتحاد السوفيتيِ وظهرت قضايا مشتركة على صعيد خدمة الدين: انعاش الدين، العلاقات مع الدولة، المشاركة في الحياة السياسية.
وسعى ممثلو الاديان الى الاستفادة من الفرصة المتاحة وشغل مكانهم في المجتمع والساحة السياسية التي بدأ نفوذهم يزداد فيها.
ومع ذلك لا يمكننا ان نغفل الحقيقة بأن رجال الدين الارثوذكس وفي حالات كثيرة لا يعرفون مع من يبدأون الحوار من ممثلي المسلمين (اذا لم يكن على مستوى روسيا فعلى المستوى الاقليمي)ِ وصار على الكنيسة
اختيار 'المحاورين' لها من بين التشكيلات الاسلامية المتنافسة ولم يكن الامر يخص 'المتحاور' نفسه فقط، بل كل المحيطين به.
واكتسب الحوار طابعا من اجل فض النزاعات واشترك فيه اتباع الاسلام والارثوذكسية في اراضي الدول المستقلة بما في ذلك روسياِ لقد حدث ذلك في قره باخ وطاجيكستان وفي اثناء النزاع الاوسيتي الانغوشي والنزاع الشيشانيِ واصبحت اللقاءات بين الائمة والمفتين من جهة والقساوسة من جهة اخرى تمثل الحلقة العضوية من جهود صنع السلام العامةِ وحتى لو لم تأت هذه اللقاءات بنتائج كبيرة، لا بد الاشارة الى ان جهود القائمين على الدين كانت تنصب على منع تحويل هذه النزاعات الى دينية (فإذا دعا رجال الدين الى الجهاد او 'خدمة الصليب' فإن هذه النزاعات ستتوسع وسيزداد عدد ضحاياها حتما).
ومن المتناقضات الواضحة ان الساسة الدنيويين كانوا يستخدمون الحجج الدينية نفسها في تسوية النزاعات الاقليمية التي هي بالاساس عرقية او سياسيةِ حدث ذلك في قره باخ والشيشان.


تفادي التناقضات الطائفية

كيف يمكن التفادي من التناقضات الطائفية الدينية في روسيا ؟ ثمة رأي بأنه من الافضل عدم تناول هذا الموضوع بالمرةِ وهذا الرأي ليس مجردا من الاسسِ ففي الواقع تدل تجارب السنوات العشر الماضية على أن مقالات الصحف والبرامج التلفزيونية غير المتأنية تسبب في تشدد مواقف الاطراف المتنازعة (تجربة قره باخ حاضرة في هذا الصدد). وعلى الكتاب الاجتماعيين مراعاة الحيطة الكبيرة في التطرق الى النزاعات وعند اقتراحهم رواياتهم للاحداث وآفاق تطورها. وفي الوقت نفسه، فان تجاهل الموضوعات الملحة يساعد على تفادي تلوين النزاعات دينيا.
في روسيا يبنى مجتمع علماني يفصل فيه الدين ولو شكليا عن الدولة والسياسة ويعتبر قضية خاصة لكل مواطنِ ومع هذا يمكن ظهور رأي في الاوساط الحاكمة رغم علمانية الدولة الروسية يفرض الارثوذكسية كدين
رئيسي ويعطيها الدور الاساسي في غضون تشكيل ايديولوجية رسمية جديدة قد تكون 'الفكرة الروسية' اساسا لها والتي تناقش منذ اكثر من سنتين.
وزد على ذلك، يبدوان رجال الدين الارثوذكس واللاهوتيين على استعداد لأن يأخذوا على عاتقهم هذه المهمة ويتحولوا الى رعاة 'للمجتمع الروسي (وحتى الدولة في بعض المعنى)ِ وشكل السينود المقدس (المجلس الاعلى
للكنيسة الروسية - المترجم) فرقة عمل لوضع مشروع المذهب المعبر عن رأي الكنيسة العام في العلاقة بين الكنيسة والدولة والمشاكل المعاصرةِ ويرى المختص بالمسائل الدينية كراسيكوف أن مذهب الكنيسة
الارثوذكسية الروسية الرسمي يتشكل الآن لأول مرة في تاريخ الالفية الارثوذكسية كلهِ وبطبيعة الحال ستعرض موقفها من كل المسائل وبالاخص السياق العام لتعاونها مع الدولة.
ولا يجري الحديث عن تعليق مجرد على الحالة من وجهة نظر تناسبها مع القواعد الديموقراطية العامة والثقافة السياسية الراسخة في روسيا. ولكي نقترب عمليا الى المسألة يجدر بنا دراسة: كيف ينظر المسلمون الى ادعاءات الارثوذكسية؟ باعتقادنا انهم ينظرون اليها بشكل سلبيِ ويؤثر ذلك في هذا الظرف على عملية الحوار الاسلامي - المسيحي تأثيرا سلبيا ايضاِ والحالة الناتجة من جراء ذلك ليست بسيطة ولن يتسنى للاسلام احتلال وضع سياسي بتلك السمعة التي يحظى بها البطريرك اليكسي الثاني في
عيون الرعية والسلطات.
وينشط كلا الدينين في الحياة السياسية الروسية في ظرف يحظر فيه الدستور تأسيس منظمات دينية على اساس ديني او طائفيِ ولكن الاتحادات والحركات الارثوذكسية والاسلامية تدعي كلها بتمثيل مصالح المسيحيين
والمسلمين.

التطلع للمساواة

وعندما تأسس اتحاد مسلمي روسيا في عام 1995 لم يستحسن وجوده البطريرك في بداية الامرِ ولكن فيما بعد وعندما وزن جميع الظروف وتذكر بأنه شخصيا يدخل من عام لآخر في عداد الساسة الروس الرئيسيين واعتبر من الافضل عدم التعليق على تأسيس هذا الاتحاد الاسلامي.
وكان زعماء المنظمات الاسلامية ورجال الدين يشيرون مرارا الى عدم وجود مساواة فعلية بين الدينين الرئيسيين في الحقوق والى قرب الكنيسة من الحكمِ ويشعر الاسلام بأنه في المثلث 'الارثوذكسية – الدولة -الاسلام' مهمل بعض الشيء.
وعموما يدرك المسلمون الروس بعد سقوط 'الستار الحديدي' بصورة اوضح بأنهم اقلية نسبية بالمعنى المعروف للكلمةِ ولأن الارثوذكسية منتشرة اساسا بين الشعوب السلافية واليونانيين ويتركز احتياطيها البشري والثقافي الرئيسي في دولة واحدة هي روسيا بينما الاسلام عبارة عن حضارة منتشرة في كل العالم.
وليس للمسلم الروسي بموجب هذا السبب واسباب اخرى الشعور بأنه 'الاخ الاصغر'. ويطالب دوما بوزن اكثر في المجتمع الروسيِ فمثلا، تعالت في المؤتمر الاول لاتحاد مسلمي روسيا الفكرة التالية: بعد ان اصبح
واضحا بأن الغرب لن يعتبر روسيا من بين 'ذويه' عليها الاتجاه للشرق وقبل كل شيء للعالم الاسلامي وسيصبح المسلمون الروس في هذه الحالة خير وسطاء لمد يد التعاون مع بلدان الشرق الادنى والاوسط. ولهذا
السبب على روسيا ولو من باب مصالحها الخاصة ان تتيح الفرصة لهم لتحقيق هذه الرسالة لاسيما بعد فشلها في صد تقدم الناتو نحو حدودها، على الرغم من كل الجهود التي بذلتها والتي دلت على ان دورها في اوروبا لا يتناسب مع غطرستهاِ وقد يساعد توطيد مواقعها وتعزيز نفوذها في الشرق على نمو سمعتها في الغرب.
ويثير سعي المسلمين الروس لاحتلال مواقف ذات شأن في السياسة والاقتصاد ضجر الكثير من ساسة الكرملين وفي اوساط المعارضة على السواءِ غير انه من المستحيل عدم اخذ الحالة التي آلت اليها الامور بنظر
الاعتبارِ فلقد تشكلت اليوم ثلاثة انماط للموقف من الاسلام: اللامبالي والسلبي الحذر والحذر الوسط.
ويبدو ان الموقفين الاولين هما السائدانِ ومن جهة اخرى ينمو في 'قمة' المجتمع فهم محدودية مثل هذه المواقف ولذا تجري من وقت لآخر اجراءات مناسبة (المؤتمرات والندوات العلمية والموائد المستديرة) تهدف ابداء الاحترام تجاه 'الدين الثاني' في البلد وتعطي تفسيرات السلطة لهذه القضية او تلك للمسلمين المجتمعينِ ويتكلمون عادة في مثل هذه اللقاءات عن الحوار بين الطائفتين الرئيسيتينِ وفي الواقع حان الوقت للبدء في هذا الحوار بأمانة ووعي لكل تعقيداته مع اخذ مصالح جميع الاطراف بنظر الاعتبار.