السبت، 4 يونيو، 2011

الإسلام ورجال الدين في روسيا

ترتبط عملية الصحوة الاسلامية بشكل مباشر بنشاط رجال الدين البارزين، الأئمة والمفتين والملالة. غير ان الوضع في الهيئات الاسلامية معقد وما زالت هذه الهياكل في مرحلة التشكيل.
وكانت تعمل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ادارتان دينيتان للمسلمين، ادارة الشطر الاوروبي من روسيا وسيبيريا وادارة شمال القوقازِ وكلاهما يقل أهمية من ناحية تأثيرهما على الحياة الاجتماعية وقربهما من الحكم عن الادارة الدينية لآسيا الوسطى التي شغلت الدور القيادي لمسلمي الاتحاد السوفيتي وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي ظهرت لادارتي روسيا الدينيتين فرصة التحول الى نواة لجمع كل مسلمي روسيا حولهما وتزعم حركة الصحوة الاسلاميةِ وتوفرت لهما كل الفرص لرفع مكانتهما الاجتماعية وسمعتهما في نظر السلطات.
غير أن هذا لم يتمِ وثمة أسباب لذلك: أولا، جهل زعماء الادارتين المتربين في ظل النظام السوفيتي بطرق التكيف مع التطورات السريعة التي داهمت المجتمعِ ثانيا، قلة عدد رجال الدين المسلمين واعدادهم المهني المنخفض. ثالثا، التناقضات الداخلية الكبيرة والتي تجسدت في الصراع ما بين التشكيلات المختلفة مما أثر بصورة سلبية للغاية على سمعة رجال الدين المسلمين بنظر المؤمنينِ ولم يكن رجال الدين مجموعة
متراصة قادرة على ممارسة دورها في حل المسائل التي طرحها ظرف الصحوة الدينية والذود عن مصالحهم الدينية ومصالح رعاياهم.
وغدت المنظمات السياسية الاسلامية منافسا ضاريا لرجال الدينِ وبرز ذلك بجلاء في أواسط التسعينت عندما اضطر الأئمة والمفتون للتعاون أو كانوا يتعاونون بشكل طوعي مع هذه المنظمات وكانوا يشاركون أحيانا في تأليف برامجها السياسية أو يفسرونها بشكل مناسب.
ونرى هذه الاتجاهات قد ميزت أغلب رجال الدين المسلمين في التسعينات وكانت قالبا فريدا من نوعه للحالة الاجتماعية والسياسية الروسية.
ويجري الحديث عن تحديد الصلاحيات بين المركز والنواحي (في هذه الحالة بين الادارة الدينية والوحدات الادارية الصغيرة) والصراع بين الشباب المتحمسين والهياكل القديمة المشكلة في أوقات السلطة السوفيتيةِ وتؤثر الاحتكاكات بين القوميات على العلاقات المعقدة أصلا بين مفتي القوقاز وروسيا نفسها ( تسمى أحيانا الاختلافات التتارية ـ القوقازية) وتتارستان وبشكيرياِ وأدت التناقضات العرقية على رجال
الدين البارزين في داغستان مطلع التسعينات.
وبدأ انهيار نظام الادارات الدينية المؤسس في الأوقات السوفيتيةِ وكانت استقالة رئيس الادارة الدينية لشمال القوقاز محمود غيكييف تحت ضغط المعارضة الدينية في مايو 1989، أول مبادرة لهذا الانهيارِ جرى ذلك في المؤتمر الأول لمسلمي شمال القوقاز الذي عرض على غيكييف مجموعة اتهامات تقليدية: التعاون مع لجنة أمن الدولة (كي جي بي ) والفساد (رفعت ضده في مارس 1990 قضية جنائية) وكان الصراع حوله مصحوبا باجتماعات منظمة للتشكيلات الاسلامية المستقلةِ وفي 13 مايو طرد المفتي غيكييف من بناية الادارة الدينية بكل بساطة من قبل معارضيهِ
وتم في المؤتمر نفسه انشقاق تنظيمي أيضاِ وأدى ذلك الى تفكك الادارة الدينية لمسلمي شمال القوقاز ونشأت بدلا عنها حالا في جمهوريات شمال القوقاز ادارة دينية بديلةِ وتأسست في عام 1989، الادارة الدينية لمسلمي الشيشان ـ انغوشيتيا برئاسة المفتي شاه الدين حاجي غازاباييف والادارة الدينية لمسلمي قبرطيا بلقاريا برئاسة المفتي شفيق بشيخاتشييف وفي عام 1990 تأسست الادارة الدينية لمسلمي قرشاي شركسيا برئاسة المفتي اسماعيل بيردييف والادارة الدينية لأوسيتيا الشمالية برئاسة دِ حكيلاييفِ
واستمرت عملية التفكك فيما بعد.
ونشأت في عام 1991، الادارة الدينية المستقلة لمسلمي جمهورية الشيشان (سميت بالمفتية فورا) برئاسة المفتي محمد بشير حاجي أرسانوكايف ونشأت في قرشاي شركسيا الامامة الشركسية برئاسة احمد بيجي أولو الذي كان عضوا نشطا في حزب النهضة الاسلاميِ وفي الشهر نفسه أقر في مؤتمر مسلمي أديغيا ميثاق مسلمي أديغيا وانتخب المفتي موسى شكيب رئيسا لهاِ وتأسست في عام 1992، الادارة الدينية لمسلمي جمهورية انغوشيتيا.
وجرى ذلك بهدوء نسبي على الرغم من المشاكل الحادة التي كانت تطرح في مؤتمرات المسلمينِ وكانت داغستان وحدها استثناء من القاعدة وكانوا يسمونها في ذلك الوقت 'النموذج السوفيتي' بسبب القوميات الكثيرة فيها، لكنها كانت بدرجة كبيرة نموذجا لشمال القوقازِ وبرزت في ديسمبر 1989 ويناير 1990، خلال المؤتمر الاستثنائي لمؤتمر مسلمي شمال القوقاز الذي قاد الى تفكك الادارة الدينية لشمال القوقاز مسألة تشكيل ادارة دينية لمسلمي داغستانِ وانتخب بهاء الدين ايسايف مفتيا لداغستان وكان شخصية تميل لحلول الوسط وترضي كل الاطراف المعنية لوقت ماِ وغدا اختيار ايسايف بحد ذاته حلا وسطا بين الأقوام المتنافسة والمتصارعة من أجل السلطة في الجمهورية، الآفار، الدارغين، الكوميكِ
وتم عزل ايسايف من منصبه في فبراير 1992، في المؤتمر الأول لمسلمي داغستان جراء فشل سياسة التعليم الديني التي انتهجها والمساعدة الشحيحة للجوامع وأساليب ادارته المتسلطة والمخالفات المالية وكذلكمحاولته انشاء ادارة دينية خاصة للشعوب الناطقة بالتركيةِ وجاء الاتهام الأخير كضربة قاضية له لأن منافسي المفتي من القوميات الأخرى لم يستطيعوا التسليم بهذه الحقيقة وان هذا الكوميكي احتل المركز الرئيسي في قيادة الجمهورية الدينية (ينتسب الكوميك للشعوب الأتراكية).
وانتخب سعيد احمد دربيشغيجييف المنحدر من القومية الآفارية الأكثر عددا ونفوذا في الاوقاف السوفيتية. وكان قبلها عميد المعهد الاسلامي في كيزلايرتِ وحظي المفتي الجديد بتأييد اللاكيين والتبارسينيين وجزء من الشيشان والدارغينِ وكان انشاء المفتية الكوميكية برئاسة المفتي ايسايف نفسه رد فعل على تغييرهِ وبذلك بدأت موجة تأسيس المفتيات واصبحت لكل قومية داغستانية ادارتها الدينية الخاصة في اواسط التسعينات.
وهكذا لم يساعد رجال الدين على التكتل القومي فحسب، بل دافعوا كثيرا عن خصوصية الشعوب القوقازية. وكانت عملية الغاء الادارة الدينية المركزية حتميةِ وساعد ذلك على ازالة بعض التناقضات بين رجال الدين مختلفي الأعراقِ وتثبت توزيع الأراضي بدقة وكانت كل ادارة تشرف على شؤون طائفتها الخاصة ولم تدع أية مفتية بدور قيادة مسلمي شمال القوقاز.
ونشأت حالة مغايرة وسط رجال الدين في الأجزاء الروسية الأخرى حيث لم تنته الخلافات بين رجال الدين حتى نهاية عام 1997.
ولاحظنا الدسائس تجري على قدم وساق وسط رجال الدين في القوقاز وروسياِ كانت تجري وتجري الآن وخاصة في أثناء محاولة تأسيس مركز التنسيق الأعلى للادارات الدينيةِ وكانت مفتيات القوقاز تتعامل بشكل ما مع
ادارات روسيا وكانوا يتبادلون الدعوات ويوقعون على بيانات ونداءات مشتركة وكان كل ذلك ضروريا لرفع سمعة المؤتمرات وسمعة منظميها

ومع ذلك لم يتم التفاعل والتعاون الفعال والثابت بين الادارات الروحية لشمال القوقاز ووسط روسيا ومناطق الفولغا والأورالِ كان لديها تنسيق واحد بخصوص الأزمة الشيشانية فقطِ ويشبه الطابع السلبي للعلاقات بين رجال الدين عمل المنظمات الاسلامية التي يعمل فيها ساسة من مختلف القوميات والمنحدرون من كل الأقاليم الروسية ولم تسلم هذه المنظمات من الخلافات والتناقضاتِ وتنشأ المشاكل عادة بسبب:
أولا، سعي رئيس الادارة المركزية (الشطر الأوروبي من روسيا وسيبيريا السابقة) المفتي طلعت تاج الدين للمحافظة على موقع الزعيم الوحيد لمسلمي روسيا ولتمثيل مصالحهم أمام السلطة العلمانيةِ ثانيا، طموح الأئمة والمفتين الشباب للتخلص من تبعية مركز أوفا واعلان انفسهم في عموم روسياِ يعلق المفتي راوي عين الدين قائلا: 'بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والعواقب التي ترتبت جراء ذلك على المسلمين ايضا، خرقت حدود الأراضي القانونية لادارة الشطر الاوروبي وسيبيريا من عدة دول جديدة نشأتِ وبرزت صعوبات في تحقيق الاتصالات الدينية المطلوبة بين الادارة في أوفا وجميع الطوائف الاسلاميةِ ولذا نضجت التغييرات في هياكل وأشكال القيادة الدينية'ِ ويتضامن مع هذا الرأي محمد شين الذي يعتبر ان 'المبادئ الرئيسية لعمل ادارة الشطر الاوروبي من روسيا وسيبيريا لا تتناسب ومتطلبات الوقت الحاليِ ولذا كان من الضروري اجراء التغييرات في هياكلها ونمط عملها على الأقل، ان لم يكن اعادة تنظيمها'، وتعتقد المختصة بالشؤون الاسلامية البشكيرية م . يونوسوفا بأن تفكك الادارة الدينية لمسلمي الشطر الاوروبي من روسيا وسيبيريا

"يتناسب مع تفكك الاتحاد السوفيتي وعرض السيادات ". (المطالبات المستمرة بالاستقلال عن روسيا ) وقال أحد زعماء مسلمي حوض الفولغا امام جامع ساراتوف مِ بيبرسوف في سبتمبر 1992 في حديث مع المؤلف ان الادارة الدينية للشطر الاوروبي وسيبيريا 'كبيرة الحجم جدا ويطبع عملها الأهواء الشخصية لرؤسائهاِِ وتتميز هذه الادارة بتلك الرذائل التي صاحبتها منذ تأسيسها قبل 2000 سنة'.