الجمعة، 3 يونيو، 2011

الشيشان وروسيا

ندرس العامل الاسلامي للشيشان في السياق العام للصحوة الاسلامية في روسيا وبالأخص تأثير العامل الشيشاني في المجتمع والعملية السياسية
الجارية بشكل عام في روسيا ولان هذا العامل يتميز في الشيشان عن بقية الاقاليم الروسية: كانت المساجد تبنى هناك وتتأسس قواعد التعليم الديني والمنظمات الدينية السياسية وتصدر الكثير من المجلات والصحف،
وكان الوعي الفردي والاجتماعي يتطور نحو احياء التقاليد الاصلية، واستخدم الاسلام بشكل علني وبصورة مكثفة من قبل الهياكل الحاكمة واصبح ذلك احد اهدافها الاساسية.
وحملت الانفصالية الشيشانية المبنية على الشعارات الاسلامية المجتمع الروسي على التفكير كجماهير او نخبة حول قابلية التقاليد الاسلامية على الانسجام مع التقاليد الديموقراطية ( او شبه الديموقراطية ) المؤسسة حديثا في البلاد.
ومهما آلت اليه الامور في الشيشان وسواء خرجت ام بقيت ضمن اطار روسيا الاتحادية بشروط 'استثنائية' لا يستطيع احد للآن صياغتها، فان هذه الجمهورية القوقازية طرحت امام روسيا والمسلمين فيها الكثير من الاسئلة القاسية ولن يضطر الجيل الحالي من الساسة في البحث عن اجوبة لها فحسب، بل والجيل المقبل ايضا.

ولم يكن 'العامل الاسلامي' سببا للانفصالية الشيشانية، وكان اللجوء الى الاسلام في الحركة الشيشانية له طابع ثانوي مساعد ولا يمكن عده من ظواهر مواجهة الاديان، ولم يعن حتى اعلان استقلال الشيشان في عام 1991 من قبل الجنرال جوهر دوداييف خروجها الواقعي من التكوين الروسي وكان من الصعب رؤية هذه الخطوة حينذاك كمقدمة لنشر الاسلام في الجمهورية، ولم تطرح القضية الاسلامية في تصريحات وممثلي النسق السياسي الاعلى في الشيشان، وكان دوداييف يتجاهل المجموعات الدينية السياسية العاملة في الشيشان مثل 'الاخوان المسلمين' المستقرين في الجبال وحزب 'الطريق الاسلامي' الذي اسسه محافظ غروزني بيسلان
غانتيميروف الذي اصبح فيما بعد خصما لدوداييف.

ولم يتبن الانفصاليون الشيشان فكرة التضامن الاسلامي، ويعتبر خير شاهد في هذا الصدد حديث دوداييف لجريدة 'شيشينا - انغوشيا'، ويلفت نظرنا قوله فيه 'اولا، لم تكن الشيشان ابدا جزءا من روسيا ولم يعتبر الشيشانيون انفسهم من سكان روسيا، وثانيا، 'ِِِ لا اريد تقسيم البلدان حسب المبدأ (المبدأ الاسلامي ) لان الكثيرين من غير المسلمين يؤيدوننا'، وتنبه هذه الاقوال الى التظاهر بتجرد الحركة الشيشانية من الدين و تقديمها كحركة علمانية بحتة.

وكبقية الاقوام الساكنة في شمال القوقاز لم تنته عملية نشر الاسلام بينها حتى نهاية القرن الثامن عشر وكانت التعاليم الاثنية تطغى على الاسلامية، وفي السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية طويت
فكرة الجهاد بعد التهجير القسري الذي قام به ستالين للشعب الشيشاني في عام 1944.


الطرق الصوفية

وعندما نتحدث عن الموقف الشيشاني من الاسلام، لا بد من التأكيد على ان الجالية الشيشانية التي نشأت في المنفى لم تهتم بالاسلام وان حاول ممثلوها المحافظة بكل الوسائل على تقاليد الشعب القومية.
وكانت الطريقتان الصوفيتان النقشبندية المنتشرة في السهول والقادرية المثبتة بالمناطق الجبلية تمدان جذورهما في المجتمع الشيشاني، وكانت تعاليم الشيخ المعروف الحاج قونت المعروفة ب 'الذكر' كما يصفها
الباحث الشيشاني اكاييف' النموذج القوقازي للصوفية القادرية' وكان جزءها التطبيقي تأدية حلقات 'الذكر' (ذكر اسم الله بشكل مستمر مصاحب لحركات ايقاعية تشبه العدو حول دائرة) الذي نشاهده بالتلفزيون كثيرا وترك انطباعا عدوانيا لدى المشاهدين الروسِ باختصار، بقي الاسلام عشية 'البيريستروكا' ملازما للتقاليد الجبلية وواحدا من ضوابط العلاقات في المجتمع وهذا التقليد لم يؤثر على تكتل الشيشانيين بشكل كبير، لا سيماوان سكان المدن سيطروا على الموقف الشيشاني العام وهم غير مباليين للاسلام، وفي حالة عدم نشوب نزاع عسكري هناك، لحدثت الصحوة الاسلامية في الشيشان في اطار النهضة الاسلامية التي شملت روسيا بشكل عام.
والحق يقال بان الصحوة الاسلامية في الشيشان الراهنة هي استمرار (ومن المحتمل اختتام) عملية تثبيت الاسلام التي بدأها الشيخ منصور ونوعا من 'اكمال الاسلام' في جو بناء الدولة الجديدة التي لم توجد من قبل.
وان هاتين الظاهرتين مترابطتان بشكل وثيق وعملية اكمال الاسلام في الشيشان طبيعية وحتمية واستمرت في ظروف السلم لعدة عقود غير ان النزاع الروسي -الشيشاني لم يزد سرعتها للحد الاقصى فحسب، بل جعل الاختلافات الدينية بين الروس والشيشان من اهم عوامل العزلة والانسلاخ المتبادل بين الشعبين، رغم ان
الجانبين اكد على عدم وجود خلفية دينية للنزاع.