الجمعة، 3 يونيو، 2011

الاسلام والسياسة في روسيا

ينفصل الدين عن الدولة في روسيا شكليا ، ومع ذلك يرتبط الدينان الاكثر انتشارا في البلاد وهما الارثوذكسية والاسلام بالسياسة. ويتجسد ذلك في وجود المنظمات الدينية السياسية ومشاركة رجال الدين بالسياسة. وكانت الارثوذكسية تقدس السلطة تقليديا (باستثناء المرحلة السوفيتية) في روسيا وكانت احدى الحلقات الرئيسية التي تتركب منها الايدلوجية الرسميةِ اما الاسلام فيعتمد ارتباطه بالسياسة على انسجام ووحدة المبدأين الروحي والكوني الاصيلين.
وتوطدت في العالم الاسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين تحت النفوذ الاوروبي فكرة فصل الدين عن الدولة وعزله عن السياسةِ وكان حكام البلدان الاسلامية العديدة خلال عقود وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية يبعدون عن الحكم المنظمات الدينية النشيطة مثل الاخوان المسلمين الذين كانت اذرعهم تمتد في كل مكان ويعارضون بكل الوسائل تدخل رجال الدين في السياسةِ لكن فكرة وحدة الاسلام والسياسة تولدت في الوعي الاجتماعي وتبقى واحدة من اسس الثقافة السياسية في العالم الاسلاميِ وتعمل هنا الاحزاب والحركات الدينية بنشاط وتوصل بعضها الى نجاح ملحوظ ودخلت في الحكومات وترأستها احياناِ وتعتبر الانظمة الملكية الاسلامية دولا تيوقراطية، ويحتل رجال الدين في ايران مواقع الحكم بشكل متينِ ويقترن النشاط السياسي للمنظمات السياسية الاسلامية في الاعوام الاخيرة بظاهرة الاصولية الاسلامية والدين.
ويرى الكثير من الساسة والمحللين في اوروبا والولايات المتحدة فيهما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي الخطر الرئيسي الذي يهدد الغرب. ويتعاملون مع الاصولية بحذر في روسيا. ويشعر بنفوذها بالقرب من الحدود الجنوبية مباشرة وفي منطقة المصالح الحيوية الروسية في اسيا الوسطى وفي داخل الفدرالية الروسية نفسها وخاصة في شمال القوقازِ ونشأت اخيرا منظمات اسلامية في مختلف الاقاليم الاوروبية من روسيا والاورال وسيبيريا ولا يخفي زعماؤها موقفهم المؤيد من ربط الاسلام بالسياسة ويقيمون الصلات بالمنظمات الاسلامية في الخارج وزعمائهاِ ومهما كان الامر فقد تحول الاسلام الى عامل مهم في السياسة الروسية.
وقبل ان نقبل على تحليل هذه الظاهرة ، لابد وان نقف لتفسير مفهومي الاصولية والاسلامية. هذان المفهومان كثيرا ما يستخدمان (بطابع سلبي) من قبل العلماء والصحافيين الاميركيين والاوروبيين ( من فيهم الروس) كشيئين متطابقينِ وتوضع في وسائل الاعلام علامة المعادل عند مقارنة الاصولية والاسلامية والتطرف وفي غضون ذلك ارتسم في التسعينات وسط البعض من العلماء الروس اتجاه لاتخاذ موقف اكثر صرامة من هذه الظواهر بهدف التمييز بينها وفصل الساسة الروس في الوقت نفسه بين 'الاصولية' و'التطرف' (املت ذلك الحاجات البراغماتية لغرض البدء بالحوار مع المعارضة الاسلامية في طاجيكستان).
وصرح وزير الخارجية الروسية يفغيني بريماكوف بصراحة في عام 1996 باننا 'لا نساوي بين الاصولية الاسلامية والتطرف الاسلامي'.
وتنتسب الاصولية الى مجال الايديولوجيا. وتتخذ من اعادة بناء الاسلام وقيمه من اوقات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصياغة فكر الدولة الاسلامية اساسا لها. ولا تستخدم اسلوب الرغبات الطيبة لتحقيق ذلك، بل تطبيق الحالة التاريخية المعاصرة. ويعتقد المستشرق غانكوفسكي بان الاصولية " لم تشكل بحد ذاتها ابدا وفي اي مكان اي خطرِ المسألة ترتبط بشيء آخر هو كيفية توظيفها في السياسة ".
ويتخذ رجال الدين والمفكرون المسلمون موقفا ايجابيا من الاصولية التي يفسرونها بشكل فلسفيِ ويرى الامام عين الدين بانه 'لا ينبغي الخوف من الاصولية الحقيقيةِ ان الاصولية هي الهدوء والتأمل ولا تحمل اية عدائية وتعرف الاصولية بشكل تقليدي في جريدة 'الوحدة' حيث تعتبر 'حركة من اجل العودة الى التعاليم التي ارسى اسسها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) 'ويعتقد احد زعماء حزب النهضة الاسلامي احمد قاضي اختاييف بان " الاصولية الاسلامية هي الضامن لحرمة الروس الساكنين في الاراضي ذات الاغلبية الاسلامية وعلى عاتقهم مسؤولية تأمين حرمة الناس وشرفهم وكرامتهم".
واتضح بان الامكانية الفرضية لانشاء الدولة الاسلامية في روسيا غير بسيطة حتى على المستوى النظري. فحسب الاسلام ، فهو الدين الكامل الذي يجب ان تعتنقه البشرية كلها عاجلا أم آجلا ، ومع ذلك فان الحديث يجري عن الحالة الواقعية على الارض وفي مرحلة التاريخ.
ويدرك معظم الساسة المسلمون أن فكرة إنشاء دولة اسلامية في المستقبل القريب تثير اليوم الضجرِ وتعتبر الفكرة غير مقبولة لأغلبية المسلمين المتربين على التقاليد الدنيوية ولهذا السبب وضع المفكرون الاسلاميون في روسيا في مركز اهتمامهم تهيئة الظروف في بداية الأمر التي تضمن للمسلمين اتباع نمط الحياة الاسلامية واعتبروا ذلك هدفهم الرئيسيِ ويمكننا ان ندرك وفقا لذلك مسألة تأمين حرية الأديان ومراعاة القواعد الدينية لكل مواطنِ وهذا الأمر طبيعي في أية دولة ديموقراطية عادية.

وبالنسبة للاسلام فهناك بعض المبادئ الضرورية قد لا تتفق مع التشريع الروسيِ غير ان هذا التناقض يمكن حله بدون الانتقاص من حقوق المسلمينِ.