الأربعاء، 1 يونيو، 2011

ماذا في منجم ذهب بن لادن؟

خمسة كمبيوترات، وعشرة أقراص صلبة، ومائة جهاز للتخزين هذا ما صادرته قوة الكوماندوز من منزل بن لادن، وصفها المسؤولون الأميركيون ابتداء من الرئيس باراك أوباما بـ «منجم ذهب»، و «أكبر اختراق استخباراتي لتنظيم إرهابي».
هذا الاختراق تسبب في ذعر ورفع حالة الطوارئ في بريطانيا التي أعلن في وقت لاحق، الوريث المؤقت للتنظيم سيف العدل انه سيسحقها، كما تم تسليح شرطة المواصلات لأول مرة في تاريخ المملكة المتحدة. في الأثناء، كشفوا أن «القاعدة» يستهدف شبكة القطارات الأميركية، وبعد يومين قالوا إن ناقلات النفط مستهدفة.
إرهاب المواصلات
وإذا كانت الطائرات الهدف الأول لكل التنظيمات المتشددة في القرن العشرين لغاية «القاعدة»، فالنتيجة أن العقول المدبرة للجرائم الكبرى، تستهوي «إرهاب المواصلات» العامة التي يستخدمها عادة الفقراء، وذوي الدخل المحدود، كالقطارات والمترو.
بداية فرحوا بمنجم الذهب، و «المؤامرات الكبرى» الذي يحويه، ولعلهم وجدوا أو تتبعوا المخططات .. الأهداف الرئيسية للتهديدات .. مصادر التمويل .. العلاقات.. المساعدين الأساسيين، وسرّ الباكستانيين الاثنين، ولغز أبو أحمد الكويتي، وبعد الفرحة فرض البنتاغون: الصمت.
القائمة ستطول
في هذا المسار، قال وزير العدل الاميركي اريك هولدر لمجلس الشيوخ ان الحكومة ستقوم «على الارجح» بإضافة اسماء على لائحتها التي تضم ارهابيين نتيجة للمعلومات التي اخذتها من ملفات كومبيوتر بن لادن. واعتمادا على عالم أبحاث الدفاع ديفيد ليندهال، فان هناك «مئات الآلاف من التفاصيل الدقيقة» التي سيتم كشفها .. لا اعتقد انهم ذاهبون الى البحث عن قائمة عناوين.. ربما سيعثرون على رموز اسماء ومراجع محرفة .. اذا تمكنوا من الحصول على حساب مصرفي واحد حتى، فسيمكنهم البدء في كشف كثير من الاشياء». وهذا الأمر ما يعنينا الآن: اي الرؤوس ستتساقط بعد بن لادن؟ وما الذي خزّنه زعيم القاعدة في المنجم؟
بدائية لكنها صعبة
اسلوب بن لادن كما كشفته حياته الخالية من الانترنت والهاتف، يشير إلى أنه اعتمد على أساليب بدائية في القضايا الكبيرة: قرص صلب يسلمه يدا بيد إلى مسؤولي القاعدة عن طريق مراسل. ومحتويات القرص مشفرة بما يكفي. ليس تشفيرا تقنيا وحسب، بل في إطار كودي متفق عليه، بعد تدريب «عرين الأسد»، و «معسكر الأنصار» وسنوات الكهوف من بيشاور حتى تورا بورا ومناطق القبائل.
الخبراء يتحدثون عن جدران حماية وطبقات عليا وسفلى للمعلومات، ورموز ومراجع محرفة؛ نصوص وأرقام لا ينفعها التحليل الرقمي، بقدر ما يفيدها معرفة الطرق التي يفكر فيها قادة القاعدة.
ربما يتحدثون عن حفلة زفاف، ويقصدون «عيد الاستقلال» في اميركا، أو يكتبون عن عزاء صديق، والمقصود الزفاف الملكي..الخ، فالذي تلاحقه كل اجهزة الكون الأمنية، ينبغي ان يدرك خطورة المطاردة، ويحرص على نثر معلوماته في «المنجم». والذي ينوي مهاجمة القطارات، هل من الضروري أن يكتب أمنياته بتحويل مسار قطار من أحد الجسور بخط يده على ورقة؟! علما أن هذه أول وثيقة تمت ترجمتها من العربية لغرض تحليلها. وقالوا أيضا إن القاعدة كانت مهتمة بمهاجمة مدن أميركية كبرى، وهذه المعلومة أخذت أيضا من «المنجم»، وكأن التنظيم لم يهاجم المدن الكبرى من قبل، وما الجديد في هذا الكشف.
في المراقبة التقليدية
ولو نبدأ من الخيط الأول، حيث التقاط مكالمة هاتفية بين أبو أحمد الكويتي، وأحد «الأخوة» في العراق، ومن ثم تتبع سيارة الجيب السوزوكي البيضاء التي كان يستقلها، واستمرار المراقبة لأربع سنوات التي دلت الـ «سي آي إيه» على مجمع «أبوت آباد». وطبقا للرواية الأميركية، فإن ملاحقة أبو أحمد الكويتي الذي كان يضطر للسفر لمسافة تستغرق ساعة ونصف، ليجري مكالمة هاتفية، تشير إلى أن المتكلم والمتسلم في إطار المراقبة، وثانيا، أن أربع سنوات من المطاردة لابد وأن قادت جواسيس الوكالة المركزية إلى كل «الرؤوس الكبيرة» التي كان زعيم القاعدة يداوم الاتصال بها. وثالثا، المخابرات الأميركية ينبغي أن تكون نجحت في كشف كل «الشبكة» ما بين الزعيم وأقرب مساعديه، فمن غير المعقول خلال هذه السنوات والأيام الطويلة جدا لم يجر بن لادن اتصالاته مع ايمن الظواهري، وسيف العدل، وأبو يحي الليبي، وربما مع الملا محمد عمر زعيم طالبان، وغيرهم من «كبار» المطلوبين.
رأس الملا
يحيلنا هذا الاستنتاج إلى ما أعلنه أخيرا لطف الله ماشال المتحدث باسم المخابرات الأفغانية في مؤتمر صحفي عن «اختفاء الملا عمر»، وتأكيد لاحق عن مقتله. تجدر الإشارة إلى أن أي مراقب كان يعلم بأن الملا عمر موجود في كويتا الباكستانية، غير أن ما حصل أكثر غرابة.
تقارير أفغانية وباكستانية خاصة أشارت إلى أن الجنرال حميد غول (وهو رئيس المخابرات الباكستانية السابق، والذي جند ودرب زعيم طالبان، وأشرف على تأسيس هذه الحركة، لكنه يقول أنه لم ير الملا عمر طوال حياته!)، ذهب إلى كويتا بعد عملية مقتل بن لادن، ليشرف على نقل الملا عمر إلى مخبأ أكثر امنا في وزيرستان الشمالية، بعد انكشاف أمر مخبئه السابق، وفي الطريق تخلص منه، أو كما قال مصدر في المخابرات الأفغانية قتلته المخابرات الباكستانية في السر. وبعدها بساعات انتشر خبر اختفاء الملا الأول في طالبان.
أدلة هشة
بدوره، اعتبر غول ان ما اعلنه المصدران «خطأ تماما»، وأنه في بلدة موري الجبلية في شمال البلاد مع زوجته، ونفى علمه بمصير الملا عمر، بل ذهب بعيدا بمنحنا دليلا هشا: «يمكنكم الاتصال بهاتفي الأرضي، إذ إنني لم أغادر المدينة منذ أسبوع تقريبا، ويمكنكم سؤال جيراني»، ملقيا اللوم على «اللوبي الهندي» وراء هذه الادعاءات، للاساءة الى باكستان وله شخصيا. لكن من قال إن غول حينما تخلص من الملا عمر بقي في وزيرستان؟ فالأنباء تتحدث عن اختفاء الملا عمر قبل 11 يوما، والجنرال الباكستاني يقول انه منذ أسبوع في بلدة موري، وبالطبع يمكننا الاتصال بالهاتف الأرضي، فرجال المخابرات ينفذون العمليات، وينتقلون ليتحدثوا من هواتفهم الأرضية في أي وقت، كما أن الاستشهاد بالجيران دليل مضحك قبل أن يكون ضعيفا هو الآخر.
الدين الباكستاني
وكما في كمبيوتر بن لادن هناك طبقات عليا وأخرى مخفية، فإن في السياسة الأميركية - الباكستانية مثل تلك الطبقات. فإقليم كالبنجاب تلغي حكومته المحلية اتفاقيات مع واشنطن، وإسلام آباد تستعرض قليلا بطرد 20 % من المدربين الأميركيين من بلادها، لكن الأهم، أن ما عرضوه على أنه «أزمة» في العلاقات بسبب غموض الموقف الباكستاني من وجود بن لادن على أراضيها لأكثر من 5 سنوات، انتهى لاتفاق وافقت فيه باكستان على أنها ستعمل مع الولايات المتحدة في المستقبل «لضرب الأهداف المهمة في البلاد في إطار الحرب على الإرهاب».
بمعنى آخر، توظيف كل الإمكانات الباكستانية لخدمة الفرق الأميركية الخاصة التي تصطاد الزعماء ومساعديهم الذين عثر عليهم في «منجم الزعيم»، ولعل رأس الملا عمر قربان الصفح عن خطيئة «أبوت آباد».