السبت، 4 يونيو، 2011

المساعدات الخارجية

واشتكى عين الدين في ربيع 1993 من ان مسلمي روسيا لم يحصلوا حتى الآن على مساعدات من المملكة العربية السعودية والبلدان العربية الأخرىِ وقال في صيف السنة نفسها ان المسلمين استلموا 400 الف دولار فقط من العربية السعودية من 5،1 مليون دولار وعدت بها لدعم الصحوة الإسلامية في روسياِ وفي غضون ذلك يكلف بناء جامع واحد في العربية السعودية نفسها او باكستان 50 ـ 69 مليون دولارِ ومع ذلك ساعد الشيخ الانصاري وسفير المملكة العربية السعودية في موسكو في تعمير الجامع التتاري في موسكوِ وتساعد الدول العربية شعوب القوقاز ببناء الجوامع الصغيرة في شمال القوقاز.
ويتضامن رئيس الادارة الدينية لمسلمي الشطر الاوروبي لرابطة الدول المستقلة وسيبيريا طلعت تاج الدين مع رأي راوي عين الدينِ حيث اكد في عام 1992 على ان 'جميع التبرعات (الخارجية) يمكن عدها على
اصابع اليد'.

ووجهت الامارات العربية المتحدة في عام 1991 الى هذه الادارة 250 الف دولار، وفي عام 1992 قدم بنك التطوير الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي 414 ألف دولار لتطوير نظام التعليم الديني في بشكيريا وتتارستان وموسكوِ ولم يوضع برنامج اسلامي عام اوخاص لمساعدة مسلمي روسيا ولم يخطط له.
وصحيح ان المفتين في كلامهم عن المساعدات المالية لا يأخذون في الحسبان تلك الاموال التي ترد في التسعينات الى بعض المنظمات الإسلامية التي لا يعترفون بها بضمنها المركز الإسلامي المؤسس عام 1991 وجامعة الحضارة الإسلامية وبعض المراكز في المناطق الروسية، الا ان النهاية الثمانينات وبداية التسعينات شهدت رضا ساد اوساط المسلمين الروس للمساعدات المادية لدعم الصحوة الإسلامية في روسيا. وكانوا يمطرون الوفود القادمة من البلدان الغنية المنتجة للنفط بوابل من طلبات المساعدة.

ولا يستبعد توجيه النقود التي تلقوها الى هياكل تجارية. ولا يوجد لدينا معلومات دقيقة عن هذه المسألة ولكن الحديث يجري عن بلايين الدولاراتِ ولهذا السبب كف الضيوف من العربية السعودية والكويت والامارات بعض الشيء من النظر بسيل الطلبات وقصروا حجم مساعداتهم.

تطوير التعليم

وبات تشكيل وتطوير نظام التعليم الديني احد النواحي المهمة للصحوة الاسلامية ، وشمل لنهاية التسعينات ثلاث مراحل :
المداراس الاختيارية ( من طراز مدارس ايام الآحاد) التابعة للجوامع في الارياف اواحياء المدن حيث يتلقى الفتيان المسلمون المعلومات الأولية عن الإسلام.
المدارس الملحقة بجوامع المدن وتكون مدة التعليم فيها سنتين.
معاهد الدراسات الإسلامية العليا.
ويهدف التعليم في المرحلتين الثانية والثالثة الى اعداد كوادر رجال الدين (في سنوات السلطة السوفيتية الأخيرة كان يجري اعداد رجال الدين المسلمين في مدرسة 'مير ـ عرب' في بخارى ومدرسة اوفا والمعهد
الاسلامي في طشقند فقط ).
وكانت تعمل حتى مطلع عام 1997 في روسيا اكثر من 100 مؤسسة دراسية اسلامية فضلا عن المدارس العديدة الملحقة بالجوامعِ ويتلقى 800 شاب مسلم تعليمه في الخارج: في المملكة العربية السعودية ، ليبيا ، قطر، مصر ، تركيا، سوريا وبعض البلدان الأخرىِ وسافر من داغستان وحدها في عام 1995 اربعمائة شخص للدراسة في الخارجِ وهذه المعلومات غير دقيقة لأن الشباب يسافرون احيانا للخارج لغرض الدراسة على نفقتهم الخاصة.
ويتم التعليم الديني في اتجاهين: اولا، تزود المسلمين العاديين بالمعارف الدينية (بضمنها الأولية).
وثانيا، اعداد رجال الدين ذوي المستويات المنخفضة جداِ حيث يرتكب الأئمة والملالة اخطاء كثيرة عند تأدية الفروض والطقوس الدينية ويعرفون القرآن بشكل رديء ولا يجيدون اللغة العربية (يعرفونها 'رمزيا').

ولا يوجد للمسلمين علماء دين كبارِ ولهذه الاسباب تتقدم الى المرتبة الأولى مسألة اعداد الائمة المحترفين ومدرسي المواد الدينية الذين ينبغي ان يصبحوا اساسا للكادر الذي تلقى عليه مسؤولية نشر الحضارة والثقافة الإسلامية بشكل فعال فيما بعد.
وتعتبر الكلية الإسلامية العليا التي تأسست عام 1992 والتابعة للادارة الدينية للشطر الاوروبي لرابطة الدول المستقلة وسيبيريا ومدرسة قازان 'محمدية' التي اعيد تأسيسها في عام 1992 والمعهد الاسلامي في مدينة أوفا، اكثر المؤسسات الدراسية الاسلامية شهرة وسمعة.
وافتتح في عام 1993 في مدينة نابريجني تشيلني معهد الدراسات الدينية والفلسفية العلياِ والدراسة بهذا المعهد لقاء دفع الاجرة (جرد المعهد من التمويل الحكومي بالكامل)ِ وكان المعهد الإسلامي للدراسات
العليا في جروزني الذي كان يتلقى فيه العلم (مجانا) 420 طالبا اكبر معهد اسلامي في روسياِ وهو في الحقيقة معهد وحيد حيث يعد فيه الاختصاصيون في القانون الشرعيِ وكان يعمل فيه مختصون من الاردن
وسوريا والسودان ودول عربية أخرىِ واغلق المعهد في سنوات الحرب الشيشانيةِ وافتتحت في معج قلعة في عام 1992 المدرسة الطبية الإسلاميةِ وكانوا يقبلون فيها الفتيات فقط وليس المسلمات فقطِ وقال مدير
المدرسة حاجي غسانوف بأن الخريجات سيصبحن دعاة لنشر الدين الإسلامي وطبيبات بكفاءة عالمية في الوقت نفسه.
ومظهر المؤسسات الدراسية الإسلامية متنوع جدا ، فمنها راقية البنيان ووسائل الدراسة وأخرى مسكينة. وهذا يفسر حالة الميزانية وأحيانا حتى عدم وجودهاِ ولكن ما يلفت النظر في كل مكان هو رغبة الطلبة وتلهفهم على تلقي العلوم والمعارف الدينيةِ واذا تيسر لنا تفسير ذلك كوسيلة للترقي في المراكز الكبيرة فإن الغيرة تجاه الدين تعتبر القوة الدافعة للتعليم الديني في الاريافِ ومن الواضح ان ألوف الطلبة والمتخرجين من هذه المؤسسات الدراسية سيؤثرون بمرور الوقت على الاتجاه الروحي والاخلاقي لمسلمي روسياِ وقبل كل شيء سيكون تأثيرهم ملحوظا في الارياف النائيةِ وقال الكثير منهم للمؤلف بأنهم سيعودون بعد تلقيهم العلوم والمعارف الدينية الى قراهم ومدنهم للعمل على تثبيت دعائم الاسلام هناك بعد شغلهم وظيفة الملا او الامامِ ولا ينبغي بالطبع فهم المستوى الاخلاقي والروحي للمسلمين الشباب بالشكل الكمالي، لكنه في العمر من 12 ـ 22 سنة ستتشكل لديهم كل الاسس الاخلاقية الرئيسية التي يشقون بها المستقبل كأفراد.
ونعتبر مدرسة ابو حنيفة في بابيريجني تشيلني مثالا موفقا للمؤسسة الدراسية للمرحلة الثانيةِ وتعلم في هذه المدرسة الواقعة في بناية سابقة لروضة اطفال في عام 1996، 68 طالبا وكان اكبرهم يبلغ من العمر 26عاماِ والتعليم فيها لسنتين ويحصل المتخرج على شهادة مناسبة. وكان يعمل فيها حينئذ معلمان من الاردن ومعلم من طاجيكستانِ ويركز فيها على تعليم المواد الدينية واللغة العربيةِ وتنقص المدرسة ادوات الدراسة.

واشتكى مديرها رستم شيخيفالييف من عدم وجود اي تسهيلات للمدرسة حيث تدفع اجور التدفئة في الشتاء البالغة 30 مليون روبلِ
وتشبه المعاهد الدراسية وضع المدراس الداخليةِ لأن الطلبة يصلون من القرى والمدن الصغيرة مما يترتب على ذلك مشاكل اضافية تخص سكنهم وتأمين تغذيتهمِ وليس للمسلمين في روسيا برنامج تعليمي موحدِ ولا يوجد ذلك حتى في نطاق الادارة الدينية الواحدة.
وليست ثمة معلومات عن هذه البرامجِ هل يوضع بجد من قبل احد ما من رجال الدين او المعلمين المقربين منهم؟ ويفسر هذا غياب العدد اللازم من الاختصاصيين المناسبين ومن جهة اخرى التناقضات الباقية بين
الادارات الدينية.
وثمة رأي يردده المسلمون في انه ليست ثمة حاجة الى مثل هذا البرنامج على العموم لان اهم شيء بالنسبة للمسلم معرفة قراءة القرآن والتفسيرات العامة للسور الرئيسية ومعرفة اداء الفرائض والطقوس بشكل صحيح.
ويصر آخرون على ضرورة التعليم الديني الواسع والشامل والموضوع بدقة والذي يشمل دراسة تاريخ الاسلام واسس الفلسفة الاسلامية والمشاكل المعاصرة.

الأمية الدينية
وعلى العموم، لا تزال الاغلبية من المسلمين في الوقت الحاضر في مرحلة " محو الأمية " الدينية ويمكن القول بأن موجة الاهتمام بدراسة الاسلام قد بلغت ذروتها في الاعوام 1991 ـ 1993، وانخفضت لدرجة ما. ويدل على ذلك، انعدام المسابقات في اغلبية المعاهد الدراسية الاسلامية العليا وهبوط النشاط في مختلف الحلقات والمراكز الدراسية وتنحسر المبادرات في الكثير من الجوامع.
والتعليم الديني يشمل نواحي متعددة مثل تعليم القرآن بشكل صحيحِ وبدأ في روسيا تقليد مسابقات التجويد للاطفال في عام 1996 وكانت مكافأة الفائز هي الحج لبيت الله الحرام وحق المشاركة في المسابقات
الدولية لقراءة القرآن.
واعيدت تقاليد الحياة اليومية التي نسيت في الاوقات السوفيتية مثل حظر تناول المشروبات الكحولية ، مثلا، اصدر الرئيس الانغوشي عام 1996 مرسوما بحظر بيع هذه المشروبات خلال شهر رمضانِ وحدث الشيء نفسه في تتارستان.
ويتم الآن احياء التقاليد الاسلامية في المجتمع بصورة مكثفة خاصة في شمال القوقاز والشيشان بالدرجة الاولى حيث تحول الاسلام لمواطنيها كايدلوجيا للمقاومة. وتراعى هناك، كما لم يحدث في السابق أبدا، قواعد السلوك الاسلاميِ ومن النادر ان يلاحظ في شوارع جروزني من يدخن في شهر رمضانِ واختفت مظاهر السكر (يلاحظ ذلك بدرجة اقل في التشكيلات التي خرجت من سيطرة السلطات والتي ينتشر فيها مثل السابق تعاطي الفودكا والمخدرات .. إلخ).
وتمارس الآن وفي كل مكان طقوس حفلات الزواج الاسلامية والختانِ وحولتها الصحوة الاسلامية الى جزء لا يتجزأ من نمط الحياة المدنيةِ وافتتح في عام 1992 في بناية مستشفى الاطفال المركزي الروسي وهو المستشفى الاول المتخصص بالختانِ وتنشأ مثل هذه المراكز في اماكن اخرى بالتدريجِ وتكتسب محاولات ادخال الطقوس الدينية في مجريات الحياة اليومية احيانا طابع المبالغة التي تثير السخرية مثل اعمال القساوسة الارثوذكس الذين يشاهدون في كل المناسبات الاجتماعية ابتداء من حفل تنصيب الرئيس وانتهاء بافتتاح مدرج للطائرات او كازينو !

خيارات الحج ومشكلاته

وتحتل فريضة الحج مكانا خاصا لمسلمي روسياِ وكانت السلطات السوفيتية قد قللت عدد الحجاج الى الحد الاقصىِ وسبب ذلك هو السعي لتحديد اتصالات المسلمين السوفيت مع اخوانهم في البلدان الاخرى خوفا من تسرب المذاهب الايدلوجية الخارجية اليهم والخشية من تحول الحج الى فرصة للمقارنة بين نمط الحياة السوفيتية وحياة المسلمين في الخليجِ وبالنتيجة كان الحجاج يمثلون النخبة الدينية الموالية للحكم وبعض المحاربين القدماء والعمال المتقاعدين واعضاء في جهاز الامنِ وتسنى في عام 1989 لـ 11 مسلما سوفيتيا فقط للسفر الى مكة لتأدية فريضة الحج (مقابل 9 ـ 10 آلاف حاج في السنة قبل ثورة اكتوبر).
وحجّ في التسعينات جميع رجال الدين ـ السياسة الروس (والكثير منهم لأكثر من مرة) بمن فيهم رئيس مجلس السوفيت الاعلى روسلان حسبولاتوف ونائب رئيس مجلس الاتحاد (الشيوخ) سابقا ونائب رئيس الوزراء السابق رمضان عبد اللطيفوف والوزير السابق ومحافظ مقاطعة كيموروفيسكيا حاليا أمان تولييف ورئيس جمهورية تتارستان منتمير شامييف والرئيس البشكيري مرتضى رحيموف ورئيس انغوشيتيا السابق روسلان عايشوف والرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف، ناهيك عن نواب الدوما ورؤساء الادارات الدينية وزعماء الاحزاب والاتحادات الاسلامية وصفوة المجتمع الاسلامي في روسيا.
ويشكل الحجاج من داغستان حوالي ثلثي حجاج شمال القوقازِ ففي عام 1991 وعندما بدأت السلطات التخلي عن سيطرتها الشاملة على هذه المسألة سافر 1500 حاج من الاتحاد السوفيتي منهم 900 حاجا من داغستان وحدها.
وللمقارنة ، فقد حج في عام 1993، 170 شخصا من تتارستان وكان عدد حجاج الشطر الاوروبي من روسيا وسيبيريا 450 شخصا.
والمعلومات عن عدد الحجاج متضاربة. فحسب معطيات جريدة 'نيزافيسميا غازيتا' حج 12 ألف شخص عام 1996 ، وحسب جريدة 'كورانتي' 10 آلاف ، وتورد جريدة 'كمسمولسكيا برافدا' رقم 52 ألف حاجِ.
وكان قرابة 80% من الحجاج، وفي الاغلب القوقازيون يسافرون الى بيت الله الحرام بالسيارات والبقية بالطائراتِ وكانت النفقات تغطى بشكل جزئي من قبل المنظمات الاسلامية الخيرية وجزءا منها من العاهل السعودي الذي الغى رسوم دخول المملكة ودفع الشيك للحصول على التأشيرة من حجاج روسيا.
وتتجه الادارات الدينية المسؤولة عن الحج وبعض المنظمات الاجتماعية كالعادة الى الرئيس الروسي بطلب المساعدة التي تتلقاها وان لم تكن بالمقادير المطلوبة.
وحسب تقديرات الماليين (مبالغ فيها الى حد ما) في اتحاد مسلمي روسيا والمركز الثقافي الاسلامي فإن تكاليف الحاج الروسي تبلغ 1420 دولارا كمعدل.
وتنشأ من وقت لآخر، حول الحج والمسائل المالية المتصلة به دسائس سياسية واخرى مختلفة.

وفي عام 1991 اصبحت مسألة الحج سببا لمواجهة حادة بين المسلمين من جهة والادارة الدينية العاملة في داغستان من جهة
أخرىِ جرى ذلك عندما طلبت الادارة المحلية من الكرملين منح الفرصة لألفي حاج داغستانيِ واعلن على الملأ بوجود مثل هذه الفرصة للراغبين بالحجِ ولم يستند هذا الوعد على اسس مالية واقعية ولا هو من صلاحيات الادارة الدينية ولا السلطات هناك (وكانت هذه الاحداث تجري في شهور الاتحاد السوفيتي الاخيرة)ِ توجهت السلطات الداغستانية الى رئيس الحكومة بافلوف بطلب لتسهيل استخراج جوازات السفر وتخفيض اجرة السفر الى مكة والمدينة والسماح للحجاج بتحويل العملة بسعر منخفض جدا.

ولكن موسكو لم توافق على هذا الطلب. ولم يكن جميع الحجاج المرشحين يحملون رغبة دينية حقيقية لتأدية هذه الفريضة. وكان الكثيرون منهم يرون في الحج رحلة تجارية مفيدة وتأكد هذا فيما بعدِ
ومهما كان الامر اجتمع في ساحة محج قلعة الرئيسية عدة آلاف من الراغبين بالحج والمتعاطفين معهم وطالبوا بشدة الوفاء بالوعود التي منحت لهمِ وازداد التوتر واتخذ طابعا معاديا للحكومةِ وساعد في ذلك التردد الذي اجتاح ردود فعل السلطات وتضامن بعض المسؤولين مع المتظاهرينِ وتفاقم الوضع بعد انتشار الخبر بتقليص عدد الحجاج من 2000 الى 850ِ وأدى التوتر الى نزول وحدات عسكرية للمدينة، الامر الذي ادى الى زيادة الحمية، كسر المحتجون واجهات المقار الحكومية وحاولوا اقتحامها ودوى اطلاق النار ردا على ذلكِ وسقط الضحايا واعلنت في المدينة حالة الطوارئ.
وكانت مأساة محج قلعة واحدة من الحوادث المرتبطة بالحجِ واعطت درسا قاسيا لادارات الاقاليم الروسية والحجاج انفسهمِ ولم تتكرر مثل هذه الحوادث فيما بعد في اي مكانِ وكان السبب يكمن في الصعوبات المالية والادارية.