الأحد، 9 مارس، 2008

لمن سيؤول نفط كردستان؟




كردستان - د.جمال حسين علي:


هي المنطقة العسيرة الكبرى في العراق، السير فيها يعطيك انطباعا بالطيران والهبوط من جبال حمرين الى سنجار، هكذا فرضت الطبيعة أصول هذه البلاد وقسمتها حد اكتشاف الدماء قبل النفط والغاز؟ يسمونها في كل المعاجم والأفواه والخطب: كردستان. لم يحمّل أحد من القائمين على حكم العراق نفسه عبء البحث في باطن أرضها وتفتيش قشورها عن الثروات، حتى أن الغاز والنفط كانا ينبعان منها بشكل فطري، متفجرين عبر جيولوجيا لم تستفق في أذهان الساسة الذين لم يكونوا متهيئين لظهور ذلك النور الأخاذ الذي أطلق عليه البشر قبل خبراء شركة النفط العراقية فيما بعد: النار الأزلية في كركوك ( تقع في بابا كوركور وكانت تشتعل منذ الأزل. كتب عنها هيروتس قبل 2300 عام والنفط ظاهر فيها على سطح الأرض منذ زمن نبوخذ نصر 654 - 616 ق . م «العلوجي عبد الحميد، الأصول التاريخية للنفط العراقي - بغداد - 1973») . عرف المنقبون المختصون بأن الآبار الثلاث الأولى من بين آبار النفط في العالم من حيث كميات إنتاجها تقع في كردستان وأن أكبر بئر في العالم والتي يبلغ إنتاجها اليومي أكثر من مائة ألف برميل يقع في قرية «دربند ساره لو» ممتدا نحو الساحل الغربي من نهر الزاب الصغير في منطقة كنديناوه في أربيل (ألحق بمحافظة كركوك في السبعينات). أما البئران الثانية والثالثة في العالم (بابا ورو وجمبور) فتقعان في كركوك أيضا. ومنذ انبثاق ستينات القرن العشرين وكل مشاكل العراق انحصرت حول هذه الآبار الثلاث التي أقل ما يمكن وصفها بأنها الأغنى والأكثر لعنة على الساكنين حولها: مفارقة ليست بالعجيبة لمن تمعن في كيفية تفكير العسكر الذين حكموا بغداد تاليا وتفننهم في إهدار ثروات العراق ودماء ابنائه. هكذا تحول الذهب الأسود الى جمر أحرق الــــــناس والعـــــــلاقة الجدلية بين الجمر الأسود والناس كانت طردية: كلما زادت آبار النفط، ازداد منـــــــسوب دماء الناس الـساكنين حولها ومعظمهم من الكرد والتركمان والآشوريين. وبعكس كــل الأراضي السعيدة الأخرى المنتشرة في العالم من آلاسكا حتى الكويت ومن النرويج حتى آخر بئر نفـــطية في أفريقيا، تعرض مصير الشعب في كردســـــتان الى شتى صـــــنوف التنكـــيل بسبب وجوده على الأرض الغنية. وحكمـت بدلا من الاتفاقيـــات والتـــحالفات التي تراعي المصالح المشـــتركة، قوانين الغاب وسيطرة من يمتلك أنيـــاب أقوى، معركة غير متكافئة بين عقبان وعصافير وسمح الأمر بتدخل كل القوى الإقليمية في هذه المطحنة التي كان كل الـــعالم يتفرج عليها حتى يومنا الراهن.
خارطة النفط
يتدفق النفط الى كردسـتان من خانقين مرورا بكركوك ومخـمور وبطــمة وعين زالة صاعدا الى الشمال باتجــــاه الزمار حتى القامشلي السورية وباطمان وماردين التركيـة. وتجمع الآراء على أن خارطة النفط هذه لو كانـــت معروفة لتغير ترسيم الحدود بــــين تركـــيا وسوريـــا والـــعراق المعروفة حاليا. وتشـــير أحدث الدراســـات النفـــطية الـــى أنه لو تم إجراء مسح جيوفيزيائي - زلزالي في كردستان، ستزيد حقول النفط الكبرى فيــها لتصل الى نحو 70 حقلا. ومن المعروف أن الاضطراب الذي عم الإقليم طوال نصف العقد الأخيــر، لم يفـــسح المجـال للشركات الكبرى باستثمار أموالها في هذا المجــال، ناهــــيك عن إمكـــانات العــمل والبــــحوث والــتنقيــب في ظروف طبيعية. أرخص نفط
وبرهنت التجارب على أن كلفة إنتاج برميل النفط في شــمال الـعراق أقل بكـــثير من إنتاجه في جنوبه، الأمر الذي كان يدركه المستثمرون النفطيون في العراق الذين فـــضلوا العــمل في الشــمال. ولأهمية نفط كردستان، كان قرار تأميم النفط عام 1972 يخص نفط الشمال فقط.
حروب النفط
وارتبطت الاتفاقيات التي كانت تعقدها الحكومات العـــــراقية مـــع شـــركات الــنفط الأجنبية باتساع أو تضييق الانتفاضات الحربية في كردستان. وأثرت ثورة سبتمــبر 1961 التي قادها المرحــوم الملا مصــــطفى البرزاني على عمل هذه الشركات حيث كانت الثورة الكردية المسلـــحة تسيـــطر على الكثــــير من المناطق النفطية. وما ان اتفقت الحكومة العراقية مع الروس للعمل في دهــوك مــثلا، بعد أشـــهر من انتكاســـة الــــــثورة الكردية عام 1975 ومع مباشرتهم العمل اندلعت ثورة كولان التي أدت الى انـــسحاب الـــشركات الروسية عام 1976 بسبب عدم جدوى العمل في ظروف الحرب الأهلية. وأدت الحرب العراقية - الإيرانية الـى تأجيـــل العـــمل في مجال التنـــقيب عن النفـــط في إقلـــيم كردستان العراق، ولم تســمــح به إطلاقا مغامرة غزو الكويت واندلاع انتـفاضة عام 1991 والهجرة المليونية التي أدت الى انفصال الإقليم عمليا وفرض الحماية الأميركية - البريطانية لما يعرف الآن بالمنطقة الآمنة التي صبت في النهاية ولأول مرة في تاريخ المنطقة لصالح شعبها. غير أن تعثر عمل البرلمان المنتخب في كردستان العراق وانقسام الحكومة الى قسمين لم يعط ثماره النفطي لشعب كردستان. بالإضافة الى أن تقسيم المنطقة الآمنة بحد ذاته أبقى الكثير من المناطق النفطية شمال خط عرض 36 بحوزة الحكومة المركزية. ولم تعق الحماية الدولية النظام العراقي من فرض سيطرته على خط أنابيب النفط كركوك - جيهان لغايات معروفة.
الغني الفقير
في النتيجة لا تمتلك حكومتا إقليم كردستان العراق الآن أي قطرة نفط مما يوجد في أراضي كردستان في جوهر الأمر. فقد سيطرت الحكومة العراقية على كل آبار النفط بعد أن فصلتها من الإقليم منذ السبعينات، بالإضافة الى أن الحزام الأمني الدولي لم يعط للإقليم المدار ذاتيا أي فرصة للحصول على منتجات بئر صغيرة. أما الثروات الكامنة في باطن الأرض فلا أحد من الشركات الأجنبية لديه النية في البدء بالعمل وحتى التنقيب عنها، ما لم تتوضح الأمور. ويفسر هذا التأخير والتأجيل في التنقيب عن نفط كردستان الوضع السياسي - العسكري العام الذي يحيط بالعملية الأميركية المحتملة ضد النظام العراقي. أما الدور الذي يلعبه نفــط كردســتان في العمــليــة القــادمة وكـــل الإجراءات السابقة فبيّن جدا.
مفارقة أخرى ..
ان الاقليم لا يزال يعتمد على الطاقة والــوقود اللـــذين يزوده بــهما النظام في بغداد. والمقصود هنا الكهرباء والنفط والغاز. ووصف مسعود البرزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني في لقائنا معه الحالة التي قد تنجم في الظرف الذي تمتنع الحكومة المركزية من تزويد الإقليم بالوقود بأنها كارثة. وحدثنا السكان عن وضعهم أوقات الانتفاضة وبعدها طوال سنتين عندما أوقفت بغـــــداد تــزويد الإقليم بالوقود بأنها كانت صعبة ومأساوية واضطر الــــــناس الى قـــــطــع أكــثر من مـــليوني شـــجرة لاستغلالها كحطب. وهكذا يبقى النظام محتفظا بورقة النفـــط والغــاز ضد الأكراد وسكان الإقليم الآخرين ويلعب بها في رسم الكثير من المواقف السياسية. لكن من الواضح أن ثمــة شيئا ما يردعه عن عدم استغلال الــورقة هذه بشــــــكـل راديكالي مثل وقف إمدادات النفط حتى في حالة تدهور علاقاته مع قادة الفصائل الـــكردية كــما حصـــل مـــع رئيـــــس الاتحاد الوطني الكردستاني جـلال الطالباني. وفـــي الوقت نفسه يواصل النظام حــتى فــي أكثر الأوقات حرجا في هذه العلاقات بــتزويد كردســـتان بالنفط والغاز. مفارقة يصعب حلها على الرغم من سهولة إثباتها، وقد تحل الأيام القادمة لغزها.
من سيربح النفط؟
ما يشـــغل بال المخططين لشن حــــملة ضد النظام العراقي في الإدارة الأميركية السؤال المحير: كيف بالإمكان حماية منشآت النفط في كركوك التي يســيطر عليــها النــظام أثناء العملية وبعدها. ولعل هذا المحور تصدر مناقشات القـادة العسكـــريين الاميركان مع قـــادة الفصـــيلين الـــكرديين الرئيــــسيين في واشنطن في مطلع أغســطس الماضي. وكان السؤال: كيف ستحافظون على أمن نفطكم؟ وربما كانت «نفطكم» ذات فهم واستخدام مزدوج وتعتمد عمـليا علـــى من ستـــؤول إليــه الأمور في البلاد لتصبح هي ونفطها ملكا له.
المنشأة اليتيمة
كانت سابقا مصنعا للسكر، حولها أحد المهندسين الكرد النــابهين الى مـــصفى للنفط هو الوحيد في كردستان. يقع في محافظة السليمانية. حدثونا هنــاك أن الإيرانيين كانوا يقـــولون للـــكرد عندما يشاهدون المصفى: آه .. لقد بنى لكم الاميركان مصفى جيدا. أما عندما يزوره الاميركان فقد كانوا يقولون: أن الإيرانيين بنوا لكم مصفى رائعا!. هي ليست مزحة على الإطلاق .. لكنها واحدة من المواقف الكوميدية السياسية الشديدة العمق والتي تفسر الوضع في كردستان لا سيما في المجال النفطي.