الاثنين، 10 مارس، 2008

حرب الجواسيس بين الولايات المتحدة وتركيا والعراق والأكراد





صور نادرة التقطها المدوّن لأول مرة كشفت التواجد الأمريكي الاستخباري في كردستان أوقات النظام


كردستان – د.جمال حسين علي:

لأن كردستان لم تكن يوما غريبة عن الأجهزة الخاصة في الولايات المتحدة وتركيا والعراق، فان 'ساحة العمل' فيها جلية لمن يرغب ولمن يرى أن ذلك ضروري له في المكان والزمان اللذين يحددهما، أما الأكراد، فيراقبون اللعبة وتطورها، ليس لأنهم بلا حول ولا قوة 'الأخوة الأعداء' فحسب، بل لأنهمأيضا يخيطون لعبتهم بالطريقة التي يرونها تلبي مصالحهمِ وبعد رسم المنطقة الآمنة شمال خط 36، تحولت كردستان الى منطقة حيوية للاهتمامات الاميركية والتركية على السواء، لا سيما وأن الطرفين اتفقا رسميا على التعاون في هذا الشأن.
الرعيل الأول: إنساني
وكانت موافقة العراق على تنفيذ القرار 986، مجالا رحبا لافتتاح نحو 500 منظمة دولية مهمتها تنفيذ برنامج 'النفط مقابل الغذاء' في كردستان، الأمر الذي أدى الى أن يفتح الإقليم مصراعيه لهم، وكانوا فعلا يتحكمون في مصير الشعب ووضعه الغذائي والصحي وغير ذلك من مجالات الحياة. ولا يشك أي مسؤول من الذين تحدثنا معهم في الإقليم، في وجود عناصر استخبارية للدول المعنية في كلالمنظمات المذكورة التي لا يخلو شارع منها في مراكز المدن وضواحيها. وفي الوقت نفسه، لا يوجد لدى الأكراد ما يخفونه عنهم، طالما أن الجميع متمسك بقواعد اللعبة ولا يوجد من يتجرأ ويضرب تحت الحزام أو يتمادى في جمع المعلومات، التي كان الأكراد بدورهم يتحكمون بها، أي يعطونهم المعلومات التي يريدون أن تصل إليهم.
مرحلة جديدة
استمر الوضع هكذا والجميع راضون بما أنعم الله عليهم من قاعدة متوازنة للتعاون المتبادل، لغاية اليوم الذي قررت فيه الإدارة الاميركية الاستعداد لتغيير النظام العراقيِ عندها تغيرت 'القاعدة المتوازنة' لأنها لا تتواءم مع الظروف الموضوعية لبلد يستعد لشن حرب واسعة النطاق، وكان على الاميركان أن يزيدوا ليس من تواجدهم فحسب، بل في تنويعه ايضا، اعتمادا على تنوع المهام وتعقيدها. والمهام بدورها كانت تتطور يوميا، وتحتاج الى خبراء وأجهزة، والمزيد منهمِ وكانت كل حلقة تكتمل، تعطي المجال للحلقة الأخرى، بمعنى أن الخبراء أنفسهم كانوا يتبدلون باستمرار، وفقا لطبيعة المهام. واننا إذ نجد أنفسنا أمام رقعة متداخلة ومتشابكة وفائقة التعقيد وتتطلب أساليب أخرى للعمل الصحفي، تقتصر على الدراية والحكم المسبق وتطور التكنولوجيا الإعلامية والحصول على المعلومة من هنا أو هناك، وفي ظل توسع رقعة الشطرنج الكبرى، فقد أجبرنا الموضوع بحد ذاته، على ترسيخ كافة الإمكاناتوالوسائل وقراءة حتى الأنفاس و'بحلقة' العيون لكي نتوصل إلى ما توصلنا إليه بالأعداد والأماكن وطبيعة المهام، لافتين الانتباه الى أنه في أي عمل محترف، لابد من اختيار القاعدة الذهبية التي اخترعناها والمنحصرة في عدم ذكر كل شيء دفعة واحدةِ والثانية هي أن ليس كل ما تعرفه يمكن كتابته، فلكل شيء أوانه.
الرعيل الثاني: صحافيون - 1
وصلت بعثة 'تلفزيونية' اميركية كبيرة الى كردستانِ في البداية كانت محطتهم في السليمانية ومن ثم قرروا الاستقرار في أربيلِ وكانوا في الإقليم يسمونهم جماعة السي إن إن، بالرغم من اعتقاد البعض بأن الشبكة التلفزيونية الاميركية المعروفة لا يمكنها أن ترسل هذا العدد الكبير من الصحافيين في منطقة كانت هادئة وغير مثمرة أو مفيدة من وجهة النظر الإعلامية. وحتى عندما قيل لجلال الطالباني أمين عام الاتحاد الوطني الكردستاني إن هؤلاء جواسيس، لم ينف، وقال ان لكل دولة اهتمامات مماثلة، وأشار الى أنه لا يستبعد وجود عدد من الجواسيس بينهمِ وفي رأيه أن هذه المسألة طبيعية وتستخدمها كل الدول. استقرت البعثة الاميركية في فندق هورمانِ كنا قد نزلنا في هذا الفندق ونعتقد بأنه الأفضل في أربيل: هادئ ومرتب وفيه كل ما يحتاجه المرء وتحيطه حماية جيدةِتحاورت مع أحد أصحاب 'هورمان' في هذا الأمر، وتبين بأنهم حجزوا الفندق برمته لغاية 15 أبريل (2003) ، مقابل 10 آلاف دولار شهرياِ وحسب قول محاورنا، يعد هذا المبلغ زهيدا قياسا لوضع الفندق وكما قال: كنت أربح يوميا ألف دولار من المطعم فقطِ وعندما سألته: ما الذي دعاك إذن لمنحه ل السي إن إن؟ كانت إجابته تشير الى أن القرار لم يكن يتوقف عليه. وعلاوة على ذلك، حاول الأكراد دس عناصرهم مع البعثة الاميركية التي وافقت في البداية، وكان هؤلاء أما مترجمين أو سواقا أو مرافقين، كما جرت أعراف مراقبة المضيف للضيف في المناطق الساخنةِ ومع مرور وقت قصير، سرحت البعثة الاميركية هؤلاء تدريجيا، لتتفرغ على الأرجح لمهمتها.ولابد من الإشارة الى أن موعد 15 أبريل لم يأت بالصدفة هو الآخر، فحسب الرؤية السريعة لهذا الموعد، سيكون 'هورمان' فندقا عاديا من الدرجة الثالثة واقع في العراق، بالنسبة لاميركان لا ينوون البقاء طويلا في كردستان.
الرعيل الثالث: تركي
وغير بعيد عن 'هورمان' هناك القلعة العسكرية التي تمركز فيها الأتراك بعد الاقتتال بين الحزبين الكرديين المعروفين، والاتفاق الذي تم في أنقرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا ونتج عنه تشكيل قوات مراقبة وقف إطلاق النار 'بي أم أف ' التي ضمت 90 % من قوامها من التركمان التابعين للجبهة التركمانية.ولكن الاقتتال توقف، بل أن الحزبين شكلا قيادة سياسية مشتركة وزعيماهما (البرازاني والطالباني) عضوان رئيسيان في قيادة المعارضة الرئيسية المنتخبة مؤخراِ فهل يوجد داع لوجود القلعة التركية وسط أربيل؟ طلبت حكومة الإقليم من العسكريين الأتراك (ومنهم جنرالات) إغلاق هذا المعسكر ومغادرة كردستان، غير أن مطالب الكرد لم تجد آذانا صاغية من الأتراك ولا تزال نشاطاتهم علنية ولا يخشون أحدا.
الخروج عن قواعد اللعبة
لم يعجب الأتراك، التواجد الاميركي المباشر في مركز أربيلِ وعلى طريقة الموساد التقليدية، فضلت دق أسفين بين الأكراد والاميركان وضرب أكثر من عصفور بحجر واحد وبواسطة الأسلوب التقليدي نفسه: بيد الرتل الخامس!توضح ذلك بعد أن ألقت الاستخبارات الكردية القبض على مجموعة من الأشخاص أطلقت عليهم 'شبكة إرهابية'، كانت تنوي القيام بعدد من التفجيرات في أربيل.. والأهم في الموضوع كله، أن زعيم 'الشبكة' كان عبد الأمير عزت المسؤول العسكري للجبهة التركمانية!هل جرى الأمر كله بالصدفة وبدون علم الأتراك؟لا يوجد عاقل واحد يمكنه استبعاد التدخل التركي في العملية!ومما يعقد الأمر، أن عبد الأمير عزت، حسب مصادر كردية خاصة، ضابط في المخابرات العراقية !!يبدو أن أمام المحققين الاكراد قضية متشابكة جداِ ولم يكن أمامهم من خيار سوى اعتراف عزت بما جاء أعلاه أمام شهود اميركيين (طالما يجري الحديث عن نوايا تعرض البعثة الاميركية لهجوم مسلح)ِ ورحب الأكراد بأي موفد من تركيا لسماع اعتراف أعضاء 'الشبكة'، بل وأهدوا المخابرات التركية نسخة من شريط فيديو سجلت فيه الاعترافات كاملة. ومع كل هذه الإجراءات، تطالب تركيا القيادة الكردية بالإفراج الفوري عن عزت وجماعته، ومن المرجح أن يبقى الأمر معلقا ومتروكا للظروف.
الرعيل الرابع: الفنيون
في صباح شتوي، قطع الطريق المؤدي الى مطار حرير نحو ست ساعات، وأخليت جوانب الطريق المتعرج والملتوي من أي متطفل، ليمر عبره عدد من الشاحنات الاميركية الكبيرة. كان مطار حرير مهبطا بنته القوات العراقية أبان حربها مع إيران لاستقبال مختلف الطائرات الحربية. ولكن الاميركان لم يستقروا في المطار الذي سنتحدث عنه في مناسبة أخرى، بل 'احتلوا' قمة جبل كورك المطل على مطار حرير.لدى استطلاعنا لقمة الجبل وسؤالنا عن طبيعتها، تبين أنها قمة الجبل الوحيدة في كردستان الفسيحة وغير المدببة وغير الوعرة، وهي مسطحة بحيث يمكنها استقبال أي نوع من المروحيات.هكذا يعرف الاميركان كردستان وطبيعتها جيدا، واختيارهم قمة كورك، لا يترك مجالا للشك، في أنهم دائما يختارون الأفضل والأكثر جدوى لهم، وغير مستعدين لهدر الوقت بسماع نصائح وعروض أهل البيت.ويطرح السؤال: ما الذي يفعله الاميركان في كورك؟لا أحد يعرف غيرهم ما الذي يفعلونه هناك، ويبقى الجواب منحصرا في التكهنات التي تنحصر في إعداده كمهبط للمروحيات وبناء مركز للإنذار المبكر يغطي المنطقة كلها حتى أذربيجانِ ويقودنا للاستنتاج الأخير، طبيعة الأجهزة التي حملها الاميركان الى قمة الجبل، بالإضافة الى عدم سماحهم لأي شخص بالوصولالى المنطقة مهما كانت منزلته وأهميته، ناهيك عن التكتم الشديد الذي أحاطوا به تنفيذ عملياتهم هناك.
الرعيل الخامس: مدنيون
بعد الجدل الذي أثار وصول بعثتهم واستقرارها في مركز أربيل ومحاولة التفجير الفاشلة التي كاد يتعرض لها فندق 'هورمان'، فضل الاميركان تغيير تكتيكهم بالابتعاد عن المناطق العامة، لا سيما أربيل الغاصة بكل أنواع الجواسيس والصحافيين والمعارضين والسياسيينِِ عيون تلاحقك من كل الجهات ولا تترك لك فرصة التقاط نفس واحد دون أن يحسبوه عليك! لذلك انحدرت حافلات اميركية كبيرة هذه المرة بعد هبوط الظلام نحو مصيف شقلاوة الذي يبعد عن أربيل. وهكذا استقر نحو 150 اميركيا مدنيا 'سيماهم في وجوههم' في فندق 'هاورغا سفين'، وأعادوا أسلوب 'هورمان' بتأجيرهم كل ما في الفندق وتسريح من لا يحتاجون إليه من العاملين.اختيارهم شقلاوة كان موفقا هذه المرة، ليس لأنها بعيدة عن الأعين التي ذكرناها فحسب، بل لأنها هادئة وكل غريب يسير فيها يعرف حالا، زد على ذلك فهي مصيف جميل يشجع المزاج على تناول العمل المعقد بفعالية. أما طبيعة مهامهم، فلا يمكن لأحد التجرؤ وذكرها بالتفصيل، غير أن وجودهم هناك، طبيعته وطبيعتهم، لا يترك الفرصة لاحتسابهم على أصحاب المهام الخاصة، وكذا الأمر بالنسبة للاميركان الموجودين في مصيف صلاح الدين، فأغلبهم قادة في المخابرات والجيش مع ثلة من فريقهم وحمايتهم.هذا هو التواجد الاميركي في كردستان من ألفه الى يائه، حتى الساعة وغير صحيح ما تتناقله الأنباء عن وجود قوات نظاميةِ لكن ذلك لا يعني أبدا ان يتغير الأمر في أية لحظة.
الرعيل السادس: صحافيون - 2
لم تستسلم تركيا بعد فشل عملية 'هورمان' خاصة بعد وصول حافلات الاميركان وانتشارهم في شقلاوة، فقد نسجت المخابرات التركية سيناريو واثقا ومحكما بما فيه الكفاية بدفع 5 باصات كبيرة نحو كردستان صاحبتها معركة دبلوماسية - إعلامية بينها وبين الكرد، حيث ادعت تركيا أن الحزب الديمقراطي الكردستانييمنع دخول الصحافيين، فيما أجاب الحزب المذكور فورا في بيان عام بأنه لا يمانع من استقبالهم، وبعد اعتصام الباصات الخمس عند الحدود، ظهرت في ليل صلاح الدين وأربيل دون أن يستطيع أحد منعها وغزا ركابها 'الصحافيون' كل فنادق أربيل.غير أن أطرف ما في هذه اللعبة التي تصلح للسينما، أن باصين استقر بهما المقام في شقلاوة، في شقلاوة وليس غيرها، أي أن الأتراك دفعوا الى شقلاوة العدد نفسه من الباصات التي دفع بها الاميركانِِ نرى أن الأمر لا يحتاج الى تعليق هذه المرة
!