الاثنين، 10 مارس، 2008

أمتار تفصل بين الحرب


من يدق حديد الجسر أولا؟‏


كردستان – د.جمال حسين علي:

قد تمضي بك الحياة سنوات طوالا عند الأرض التي يشقها نهر الزاب الأعلى، دون أن تشعر بالملل أو الضجر، فعبق الطبيعة فواح، لا سيما عند ملامسة ذبذبة مطر لا يريد أن ينقطع. غير أن ما لا يقبل الجدل، أن جمال هذه البقعة تهينه ربايا الجنود وتكرار أكياس الرمل التي لا تحمي حتى من المطر ،فمسيل الزاب، تطواف احتفالي يأخذ بأثواب الريح، من بين جبال ووديان وأشرطة سهول، ينساب بلا مبالاة، دون أن يعلم، بأنه أصبح بلا مجد، الخط الفاصل بين الأخوة المنقسمين.
أزهرت لغة الحديد
هو الشريط الحدودي الذي حددته الطبيعة للمناطق الآمنةِ وحتى الجسر الحديدي الذي لم يتوقع من أنشأه، ظهوره في هذا الربيع الخجول ومسحوق الفتنة، في كل الشاشات والصحف. يمتد الجسر بتواضع أعلى الزاب الأعلى، فاصلا كنقطة هلامية، بين القوات الكردية والحكومية. وللجسر حكايات ستروى في مذكرات الحرب، وأهمها، تلك اللغة التي اكتشفها المنتشران بين طرفيه، فتأتي لهم لحظات، ربما بسبب لوعة الوحدة حينا، ومرارة المواجهة غير المحببة لهم، لجوعها للتبرير، الى طرق حديد الجسر، كل في طرفه ِِ فماذا كانوا يتحدثون؟أهو مزاح من يريد العبور؟أيكن رسائل مشفرة تعبر عن شجون الجسر الفاصل؟هل يسبون بعضهم ام ثمرة تحد لمعركة مفروضة عليهم؟ لكن مهما قيل عن جسر خابات، فهو قد دخل موسوعة الحرب، وقد يكون الجسر المؤدي الى الحياة بالنسبة للجنود العراقيين وللحرية بالنسبة للكرد.
بين القرى النازحة
في الجانب 'العراقي' من الزاب وقبل أن تولد الجبال المطلة على النهر، في تلك الفسحة الساحرة، التي لو امتلكها ثري سويسري لحولها الى جنة الله على الأرض، تمتد قرية خابات، هي حتى ليست بالقرية، بل أكواخ فقيرة جدا، فهل يعيش فيها الناس في زرائب، أم الحيوانات في البيوت، لا فرق، فمثل هذا السؤال، غيرشعبي إطلاقا. ولأن الجبل المطل على القرية المسكينة مزروع بربايا الجيش العراقي، والشيء نفسه في الجانب المقابل للنهر، حيث ربايا البيشمرغه، فقد قررت القرية الرحيل من هذا المكان الذي قد يتحول في أية لحظة الى الخط الأول لمعركة عالمية. يجدر التوقف عند لوحة إنسانية الى حد بعيدِ فقد تعود أهل القرية الكردية العطف على الجنود العراقيين، إطعامهم، منحهم بعض الخبز الحار، أو خضار وفواكه مما يزرعون،، رشفة حليب أو لبن وغيرها من أساليب تعايش معها الأضداد. وروى لنا أحد البيشمرغه، بأنه رأى بعينيه، كيف توسل الجنود العراقيون بأهل القرية طالبين منهم عدم النزوح وتركهم وحيدين في الرباياِ ليس من أجل الخبز أو اللبن، بل لأن الجنود كانوا يخططون للهرب واللجوء الى القرية ما أن تشتعل الجبهة الشمالية. وعندما لم يثمر رجاؤهم بإبقاء السكان، عادوا ليستأنفوا لغة الحديد مع غرمائهم.
فتق الوحش
أما المعبر الثاني الذي يتواجه به الكرد والجيش العراقي فهو معبر كلك، المولود بفعل فتق جبلي وسعته البلدوزرات ليصبح مخيما ببعض الغرف المبنية من البلوك الاسمنتي وعارضة حديدية تنتصب وسطها العبارة الأكثر شؤما لأي سائق: قف!وعلى خلاف، معبر خابات، لا توجد مودة أو لغة مشتركة بين الخندقينِ ليس بسبب خلاف عقائدي أو مبدئي، بل لأن قائد القوة العراقية المواجهة، هو واحد من أشرس وأقبح الضباط الذين حملوا هذه الرتبة في الجيش العراقي والمعروف أكثر من صدام في هذه المنطقة باسم عبد الله الوحش.وهذا واحد من المصائب الكثيرة التي حملها الدهر على الشعب العراقي، فهو مقدم مسؤول عن القوات والسيطرات المشرفة على المنطقة ويمتلك من القسوة التي يحسدها عليه علي الكيماويِ ولطالما عذب الناس في الجزء الذي يسيطر عليه ويروون حكايات عن بشاعته لا مجال هنا للتوقف عندها. وبسبب الوحش على الأرجح، انقطع حبل الصلات بين الجانبين، أو على الأقل، كتلك الصلات العلنية التي يشعر بها من يزور معبر خابات ولو على السريع. ويتوقع البيشمرغه في المنطقة المقابلة لجبهة الوحش، أن يقوم الجنود العراقيون بأنفسهم الاقتصاص منه،وإذا لم يفعلوا فللبيشمرغه ثارات ليست قليلة معه.
كل شيء هادئ
تاليا، فمعايشة يوم في الجبهة الشمالية، تدل على أن كل شيء هادئ فيها حتى الآنِولعل هذا الهدوء، هو الذي يخيف أكثر وهو سبب خلو المنطقة من أي كائن حي، عدا المبتلين بالواجب