الخميس، 6 مارس، 2008

موقظات الذكريات






في قوس الأرصفة وقزح الساحات وطيف المسميات الغائبة

" الكاميرا ماتت في معركة أخرى وأغرقها المطر بعد عام "
- ادواردو غاليانو -

البصرة - د.جمال حسين علي:

لنتمش في مسالك البصرة المتسقة، للوقوف على أجفانها غير المتبخرة الأحلامِ منسابين في نفسها الفاقدة الذاكرة لنجيش حوافر اندهاشها بقوس المدينة وقزحها وأثير أماكن يصعب جدا تلمس البصرة بدونها. مسميات توقظ الذكريات، لولاها لعاندت خلايا النسيان وبوصلة التعرف على أرجائها ومرغت اتحاد الروح بالشاهدةوالقصد بالنية والحصاة بالعثرة الواهية. قوس البصرة وقزحها، سنختار من بين مئات المحطات، توقفات نعدها مرايا المدينة ومصاهرتها العذبة مع ائتلافها بالأرض وبراءتها الخاصةِ وكما تجري الأعراف الآن سنقسم ذكرياتنا حسب المحاصصة الطائفية أيضا، لنرمي السلام على: سني وشيعي ومسيحي وبابلي من الذين ساهموا في رسم لوحة البصرة. تداول المفردة والبخت بالوقت بعلاقة طبخت جوهر البصرة، منضمين إليهم في هذه المغامرة والتأويل الأجاج.

(1)التمثال والقبر

" أنت عبر نومك والمراكب عبر البحار " -غابريل غارسيا ماركيز-

لبدر شاكر السياب تمثال في كورنيش شط العرب وقبر في الزبير وأصدقاء يتناقصون تدريجا وعائلة كريمة لم تكن مرتاحة آخر زياراتنا لها. قبل ربع قرن نشرنا تحقيقا مطولا للغاية عن السياب في ذكرى وفاته، اصطحبنا غيداء ابنته الكبرى في غضون هذا العمل، حيث كان ولا يزال ابنه البكر وزميل دراستنا غيلان في الولايات المتحدة، كانت المرة الأولى التي تتعرف فيها غيدان على عمها خالد السياب وعبد المجيد خاله الذي كسبه للحزب الشيوعي، فوجئنا بقبره الى جانب بدر في تحقيقنا الراهن. زرنا البيت القديم في جيكور ودخلنا الغرفة التي ولد فيها الشاعر وعرفنا 'شباك وفيقة' الشباك الحقيقي للقصيدة المؤلمة وجلسنا عند بويب وطالعنا 'منزل الأقنان'، ضم التحقيق مقابلة نادرة مع طبيبه الخاص في مستشفى الموانئ، ومنحنا نسخة من آخر تقرير طبي سلمه للشاعر قبل توجهه للمستشفى الأميري في الكويت. وقابلنا كل أصدقائه وفتحنا ملفه واضبارته الخاصة في مؤسسة الموانئ وجلسنا على مكتبه وروى لنا أصدقاؤه أيام العسر واليسر والمرض وكيف كانوا يحملونه من على السلم ليصل الى مكتبه، و منحتنا غيداء - وقتها -الكثير من المخطوطات ومترجمات نادرة للسياب وتسجيلات أكثر ندرة بصوته، وصور لم يطلع عليها أحد خارج العائلة، وفي النهاية عندما نشر التحقيق وصفته غيداء بأنه ' أفضل ما كتب عن السياب! ضاعت هذه النوادر كما ضيعنا السياب وآلاف الكتب، ونشعر بأن للرجل دينا كبيرا علينا، حتى شخصيا. نذكر للآن السيارة التي حملت السياب من الكويت الى دار فؤاد طه العبد الجليل شقيق السيدة إقبال زوجة الشاعر التي كانت تسكن معه مقابل بيتنا في الأصمعي الجديد والسيد فؤاد كان مدير درستنا الابتدائية التي قضيناها مع غيلان في صف واحد، صعد والدي كعادته في هذه المناسبات وربما اعتبره واجبا حزبيا، ليثبت التابوت جيدا ويلفه ببطانية، لأنمطرا شديدا بدأ في ذلك الصباح وكانت أصوات نسوة مخنوقات العبرة تطلق من دار الأستاذ فؤادِ يكن عمرنا تلك الأثناء يسمح لتقبل خسارة فادحة كهذه، لكني بكيت لأن أبو غيلان مات، كما نبكي لوفاة أحد في المنطقة، ولم أعرف وقتها، أكثر من أن هذا التابوت الذي رتبه والدي هو لأعظم شخصية ظهرت في تاريخ البصرة والأدب العربي برمته.استمرت جيرتنا مع عائلة السياب وزمالتنا مع أولاده، حتى انفضاض الجمع بسبب اختلاف أماكن الدراسة وانتقال عائلة السياب الى مسكن جديد ليس بعيدا عن ' شارع التنانير' وهو المنزل الذي نبشنا فيه مع غيداء والسيدة إقبال حقيبة السياب الخاصة.كن ثلاث نساء وحيدات بغياب غيلان، وهذا ما كان يعصر قلب غيداء بالعتب: هكذا تركتمونا طوال هذه المدة لوحدنا، ولم تكن ثمة إجابة عن هذا النوع من المرارة، لم يكن ثمة إمكان للجواب الصحيح، لعلها الدنيا وتغيراتها غير المواتية وربما شيء آخر أقسى من الدنيا.فعلا، لم يهتم أحد بعائلة السياب ولا بذاك التمثال، الذي اضطرت السيدة إقبال الى غسله بيدها مرة أو مرات في ذكرى وفاته، وأهمل مشروع تحويل داره في جيكور الى متحف. حين وقفنا آخر مرة في الدار كان يصارع من أجل البقاء وثمة مواد بناء جلبوها ليحققوا المشروع الذي طمرته الحرب مع إيران بعدما حولت جيكور ودار الشاعر الى ساتر أمامي في القتال. لم يكدر أحد ممن حطموا تماثيل الكورنيش، السياب ولا وقفته المهيبة، وبقى مؤشرا بالغ الأهمية للذهاب والإياب، والورقة الأكثر أهمية لترتيب فصول السنة في المدينة التي ضيعت الكثير جدا من ماضيها، كما الحال مع قبره الذي ضاق بأقرباء جدد لم يكن غير 'الردى' الذي تحدته مفردة طالما كررها درعا لشعراء سالف الزمان، وركنا لن ينتزعه أحد للمجدد والمحدث الشاب القادم من أقصى بساتين أبي الخصيب. سيبقى منكب الرجل الشاعر عروة المدينة وعرشها ونورها إن أماط الظلام اللثام على صفحاتها البغيضات، مشيئة وكينونة باسترجاع أول عنوان كتبناه نحيي ولادته: أظلمت الدنيا فأضاءها السياب بالحب.

(2) مزوج البصريات

لا يمكن أن تعثر على امرأة بصرية واحدة، من الجيل الماضي أو الحالي، إلا وتناولت غداءها في مرقد 'ظاهر بن علي'، ولا يمكن أن تعثروا على مفارقات كالتي يجسدها هذا المكان الواقع في قلب العشار، فهو المرقد الوحيد الذي يتكئ على مسرح (التربية) بحيث وصلت البصرة في أيام تسامحها وعلوها على الصغائر، أن يمتزج صوت الانشودة والأغنية بالتراتيل الدينية، جنبا الى جنب وفي وقت واحد، دون مزاحمة احد للآخر، والمفارقة الأخرى، أن اسم المرقد أطلق على خادم المرقد وليس باسم صاحبه المدفون فيه! فالمدفون احسائي وصل الى البصرة وعاش في منطقة الجبيلة واسمه حسن وأنه ممتد نسبا الى موسى بن جعفر (ع) وصار اسمه حسن الجبيلي، وقيل أنه كان ورعا ومثقفا يقضي حوائج الناس ولم يمر به أحد بدون أن تحل مشكلته. وعندما مات حسن (الأحسائي) وتقديرا لحياته الكريمة، أقام الأعيان مرقدا له، وكلفوا ' ظاهر بن علي 'لخدمته، وسرعان ما تحول المرقد الى مزار شعبي، ولا نعرف المرأة الأولى التي أطلقت أسم المرقد على اسم خادمهأو ' الكيم' عليه، حتى انتشرت التسمية وثبتت للخادم ولا يعرف الأغلبية اسم المتوفى الحقيقي حسن الجبيلي. ومهما أهدت الأقدار أفعالها، فان بضعة أمتار مربعة هي باحة المرقد وإطلالته على نهر العشار ومبنى المحافظة، تحولت ولغاية الآن الى أكثر مكان تحتشد فيه النسوة في البصرة، صار المكان منبع الحب وسر إزالة نحس العنوسة عند الفتيات، فلا طبيب نفسي ولا خبير للتجميل ولا سحر ولا تدجيل، من ترد الزواج، فلتنذر ل 'ظاهر بن علي ' ما تيسر لها، وستجد خطيبها إن لم يكن في بوابة المرقد، ففي أقرب نقطة من وثبتها الجديدة. نكرر أنه لا توجد عائلة في البصرة إلا وذهبت الى هذا المكان محملة بالحلوى والزاد (يتبركون في تناول الطعام هناك) والبخور والشموع وقطع القماش الأخضر ويعدون الشايِ وثمة رمز تتبعه عجوز عاشت من العمر عتيا في هذا المرقد، بمنزلة قفل تمسكه بيد العازبة، ثم تفتحه بطريقة ما، والطريف والغريب، أن هذه العازبة التي فتحوا قفلها في ' ظاهر بن علي ' سرعان ما تتزوج!!القفل على الأرجح قفل لا يزيد ولا ينقص، وطرد النحس قد يكون في مسألة أخرى وغير مرتبط بصدأ الأقفال ولمعان نوافذ الاحسائي المتوفى في الديار الغريبة، وليس في العجوز التي عاشت كثيرا، وربما يستبدلونها بعجوز أخرى ما أن تموت، لأننا رأينا في زيارتنا الأخير العجوز الطاعنة في السن نفسها التي تركناها قبل ثلاثين سنة!!المفارقة العجيبة ليس في أن هذه العجوز لا تموت، بل في أن ما يجري حقيقة ونعرفها لعشرات النسوة، فما أن يزرن هذا المرقد، حتى يتزوجن بسرعة البرق!ولعل سره فاتك هذا الاحسائي الذي لا يعرفه حتى الناس ويسمونه باسم خادمه ولماذا خصه الله سبحانه وتعالى لمعالجة مشكلة العنوسة، فهو متخصص في هذه المسألة بالذات وزواره نساء فقط، فلا يوجد من ينذر له لعلاج مرض أو الفوز باليانصيب أو النجاح بالمدرسة أو أي عقدة أخرى ورغبة وأمنية، وبالرغم من كل ما حصل في البصرة، يتفرغ له سادة المدينة الجدد ويخصصون له المزيد من الأموال ليوسعوا المرقد ليصبح مسجدا ويلحقوا به قاعة لإلقاء الدروس الدينية ويهذبوا الشجرة التي تغطي باحته بالظلال والفيء تيمنا بذلك الاحسائي الفقير الذي هدأ الأعصاب وزوج البصريات جيلا بعد جيل، بلا مبالغة في النذر وطيش في العبادة وخروج عن نص النصيحة التي اتفقت عليها كل نساء البصرة بلا استثناء: لا غيره يفك عقدتك،، روحي لظاهر بن علي!!

(3) ميقات البصرة

" هناك ساعة لا تدق أبدا " - رامبو-

الجريدة الأولى التي ظهرت في العراق كانت في البصرة وأسموها 'الأوقات البصرية' ومن ثم انتقلت الى العاصمة كما انتقلت ثروات المدينة من قبلها لتسميها هناك 'الأوقات البغدادية'. وتوقفنا لا يخص الجريدة ولا العاصمة، بل يكمن في 'الوقت' الذي كان منتصبا في مركز المدينة عند "ساعة سورين".كانت الساعة تطل على البصرة وتراها من كل جهاتها وتسمع دقاتها أينما تكون في المركز، فقد كانت 'بيغ بن' البصرة، وليس في الأمر مبالغة، فالبصري الأرمني سورين جلبها من لندن ونصبها على مبنى البنك العربي محتضن ظلالها نهر العشار، وسوق المغايز مقابل جسر سوق الهنود. ساعة سورين ضبطت وقت أهالي البصرة وساعاتهم ونومهم وأيقظتهم منذ الأربعينات ولغاية أوقات طفولتنا وانتصبت أعلى برج تماما على الطراز الأوروبي من أربع جهات. كان حارسها يصعد إليها على سلم طويل ليشغلها ميكانيكيا بواسطة ' الكوك ' لتحافظ على ضبط مواعيد البصرة.ويقال أن انتعاش ' شارع الكويت 'كان السبب في هدم ساعة سورين في منتصف الستينات، بعد أن قرروا تهديم جسر الهنود وبناء الجسر الحديدي الحالي الذي يربط 'شارع الكويت' بالضفة الأخرى للعشار التي ينتشر فيها سوق حنا الشيخ. بقيت ساعة البصري الأرمني في مخازن البلدية، لغاية سقوط النظام حيث نهبها لصوص لا يعرفون قيمتها الأثرية وربما حولوها الى سرير أو حائط أو حتى طباخ، لم يتصرف متصرف البصرة محمد الحياني الذي قتل مع الرئيس عبد السلام عارف لدى زيارة الأخير الى البصرة، بشكل صحيح ولم يستشر احد في دائرة الآثار كما قالوا، لكنهم مصرون هناك على إعادة بناء البرج ونصب ساعة في المكان نفسه الذي ودعه البصري الأرمني في نهاية الستينات بإلحاح من زوجته التي أجرت البنك العربي وهاجرا معا الى بيروت.
ويقولون في دائرة آثار البصرة ان 'ساعة سورين' واحدة من أهم معالم البصرة القديمة وإعادة نصب شقيقة لها ليس بالأمر الصعب والمكلف، لكنه واجب سيعيد المدينة شيئا فشيئا الى 'ميقاتها'، قد يكون سقوط ساعة سورين، ومقتل الحياني واحتراق الرئيس في سنة واحدة في البصرة نذير شؤم على المدينة وعقرب كراهية تناوله الوقت ناثرا الملح على القمح والجمر على الغصون وبيداء مستغرقة على امتداد الأرض التي كانت أوقات الساعة اللندنية صولة سوسن وشراع يدرك نذره.

(4) الأسد الساحلي الملون

" لا أحد يستطيع أن يكون من عدة أماكن " -باولو كويلو-

كنا نعتقد أن ' أسد بابل ' الأبيض المنصوب في مدخل شارع الوطني مقابل نادي الفنون وفي حلق جسر الأمير والمطل على ' أسكلة ' الميناء العتيق والموالي لمخازن الداكير، هو ' أسد بابل '، الأمر الذي جعلنا نشك في كراسات الدرس وحديثها عن موطن البابليين. لم يسأل أي منا لماذا أسدنا أبيض من دون الأسود، لكن لا يستطيع أحد من شبان المدينة شراء بنطلون وقميص جديدين دون أن يجرب التقاط صورة مع أسد البصرة. زهت الساحة بسرعة كبيرة وأصبح لها جمهورها، رغم صغرها ووجودها في ' دوار'، لكنه الدوار الوحيد الذي يجذب الناس، بل يذهبون له خصيصا، فرحين بالأسد الأبيض الذي تلونه الأنوار حينا أحمر ومرة أزرق ودائما أخضر.أسد البصرة الملون عاصرنا جميعا، ولم يكن طائفيا ولا قوميا ولا حزبيا بالمرة، مخلوق صار جزءا منا ودخل في كل البيوت ولم يولد طفل جديد في العائلة إلا والتقطوا له صورة قرب الأسد البنفسجي. قاعدته كانت مهذبة ومرمرية كحلقات الحديقة وممراتها المنثورة برائحة الياس المكلف برسم حدودها والأنوار المحيطة به والتي لا تنطفئ أبدا، شجعت الكثيرين على التجمهر هناك ومذاكرة الدروس أوقاتالامتحانات المصيرية، وجد الشبان للأسد وظيفة، فحولوه الى قاعة مطالعة ومكتبة صيفية لا يجرؤ أحد على مسه أو ترك ورقة وقصاصة على الثيل المنتشر حوله والذي طالما منحنا القشعريرة المتآلفة مع الوجدان في أن تكون داخل بيتكِمنتصب لا يزال لكنهم خربوا نافوراته التي كنا نغتسل بها لطرد نعاس القراءة وحولوا قاعدته الناصعة قبلا الى سبورة لأحزابهم وربما علسوا حتى الياس الذي كان يؤكد وجود أسد بابلي في البصرة متعدد الألوان والأطياف.