السبت، 8 مارس، 2008

البصرة كما كانت .. البصرة كما هي الآن










في الأنواء البصرية الأولى

" تكلم .. دع الكلمة تسقط "
-أوكتافيو باث-

البصرة - د.جمال حسين علي:


تطلب الأمر نحو سنتين لكي نقر بأن البصرة التي تعرفونها، قد تغيرت جدا، إلى لدرجة لا يمكن اللحاق بحقائق اندثار معالمها وتحطيم إنائها وتلاشي غنائها وطمر جمالها وعتمة وهجها. سنتان، نمني النفس بعدم تصديق العين والتلاعب بالشعور بأن هذا المحجر ليس هو المدينة الفرحة للغاية، وإن شقوقها ليست سوى ندوب شيخوخة طبيعية.
سنتان نؤجل الحديث عنها والاقتراب منها، فالبصرة ليست فضولا ولا مشروعا للكتابة، بل النافذة والشجرة وندى الطفولة ولحاء الصبا والشباب المصقول بالمدينة التي كانت كلها، بمن فيها: صح!ونظن ان الحين قد أزف لفتح ملفات وجعها وجفافها ومائها الخابط وبساتينها المجدبة ونفطها المهرب وحلمها المسروق، جنائنها المتصحرة وأطيافها المسحوقة بعلب الصفيح وفتياتها المترعرعات تحت أكواخ القصب وجامعات الملح وقطارها الساكن وموانئها العتيقة وجزرها الحصباء.سنروي لكم على حلقات ما حل بكل ذلك، وعن الزبير وأبي الخصيب والتنومة ومهبط آدم والفاو والسيبة والعشار والكورنيش وشط العرب وأسواقها الشعبية وسينماتها ومسارحها المنقرضة ونواديها المقفلة وشوارعها المتغيرة المنعطفات والأسماء وعن 'الصبور' الشحيح والتمر المنفرد والحنة المنشقة من أرضها،مكتباتها المتئدة وساعاتها المزالة وساحاتها، مقابرها ومساجدها، تاريخها المجيد وحاضرها المجروح وناقلاتها المصادرة، قواربها وسفن البحارة اللاطمة شواطئها المستباحة، وأنهارها الرخوة بالغرين والمسدودة بالطين والعجلات القديمة ورايات الأحزاب، أبوابها ومزاليجها، مساميرها وأفاريزها وفقاعات مدينة كانت قبل ربع قرن تسمى فينيسيا الشرق، مطلية بالزينة الفطرية ومزوقة بانغماس الحب في مشاعرالجميع.
ستدرك جماعات البحث في التاريخ الطبيعي ، بأن هذه المدينة ممشوقة بمنح الخطوة الأولى دوما ، طائعة مستكنة ، بغير ادعاء. منها اختار المحتلون الأوائل والأواخر فتح البلاد وفيها تحرر الشعر وطارت في سمائها أول كرة قدم في العراق وافتتح بها أول ملعب بيسبول وكريكت وتنس وقفاز ملاكمة وشدا في أرجائها أول بيانو وانفرج عبرها أول دعاء.
هي شرفة الوطن الأولى ، بهائه ومحياه ، آثاره ولهجاته ، دفوفه وأستاره ، لهفته للمعرفة وتعطشه للتجديد ومراوغته في الانتفاض.
مدينة القاصي والداني، النجمة والقبطان ، مرآة للمملكة النامية في قعر البحر والموجة التي إن غرق فيها زورق ، تتداعى عليها آلاف السفن والنوارس المزينة الريش بالأحلام والأزهار. سنبحث فيما حل بها وما أمرها ومن ناهيها، بمنظار عينين تعبتا كثيرا من الغوص في أعماقها وتشطيب معالمها الممحوة بلا فطنة، محجوزة مسبقا لتقديمها الى تلك البصرة التي نعرفها، إبصار قسري لإخراجها للنور ولنمو جوانحها المرهفة.