الخميس، 13 مارس، 2008

العبور






عبر نهر الخابور في قارب التهريب
البقاء في كردستان لغاية سقوط التمثال


كمن أغمض توقه ليرى نفسه في الحلم ، بدأت فكرة الوصول الى كردستان العراق ، في لحظة بدأ الثلج يتلاشى عن موسكو التي تمدد بها العمر طويلا حيث كان الطريق الى العراق يمضي ولا يؤوب ، كمنحنى نحو الموت الحتمي ، ولكي لا نتحول الى وليمة من أسقط عنا الجنسية والجواز وحرية المشي على تراب الوطن.
لقد كان الوصول الى كردستان بالغ الأهمية لمن يريد الكتابة عما سيؤول إليه مستقبل البلاد وما يجري في حاضرها وماذا فعلوا بماضيها ، والأهم ان العراق كان العين القريرة لكل فكرة ورؤيا ومقتطف فرح ونور وإنشودة واسترجاع حصتنا من صيف طال غيابه.
وبدأت المخاطبات الساخنة مع أصحاب البيت الكردستاني الذين رتبوا خطة محكمة نستطيع بتنفيذها العبور الى كردستان . وتم العبور بطريقة التهريب عن طريق نهر الخابور في ظهيرة يوليو 2001 وكانت النتيجة أكثر مما تحملها الحلم الأول ، فقد قابلنا الزعيمين الكرديين مسعود البرزاني وجلال الطالباني في وقت قياسي وجلسنا مع الأصدقاء قادة الحزب الشيوعي العراقي في شقلاوة وقادة حزب الدعوة الإسلامية في السليمانية وكافة الأحزاب العراقية تقريبا على الساحة الكردستانية ، علمانيين وإسلاميين ، تركمان وعرب وآشوريين، كلهم تقريبا.
كانت أجمل عملية تهريب صحفي الى نهار استهلّ ولادة هذا المنجز الذي نقدم لكم بعض من أوراقه المتفتحة في تلك الأشهر الكردستانية البالغة البهاء.
وتكررت زيارات التهريب الى كردستان وكان آخرها في فبراير 2003 ، أي قبل أسابيع من الحرب التي أطاحت بالنظام العراقي والتي قمنا بتغطيتها من صاروخها الأول ، لغاية هذه اللحظات والتي كما تشير كل المعطيات ، بأنها ليست وشيكة النهاية.
ممضيا الزمن الكافي بين الجبال والأبواب ، الوديان والنوافذ ، المسلحون بكافة أطيافهم ووزراء البناء وبيشمرغة التغني بمسالك الحرب ، مسيرة انبجست موجات من حكايات مصفحة وأصدقاء جدد ليـّنوا صعوبة المهمة باسترخاء جلسات الحدائق والاختباء في مصيف صلاح الدين تارة أو في شقلاوة تارة اخرى من حملة كاتمي الصوت المسربين من بغداد.
لم تكن نزهة في ربوع "شمال العراق" على الإطلاق، بل كانت حزمة من عمل مضن، خطير للغاية، ومشوق الى حد بعيد ، واصلنا فيه الليل مع النهار للظفر بالمعلومة و الصورة المنتقاة، وكانت المرحلة التي لم يتبق للحرب فيها سوى أيام قليلة، أصعبها، لاسيما بعد هجرة الشعب ومغادرته المدن ولجوئه الى الجبال البعيدة خشية من ضربات كيميائية، كان قد ذاقها من النظام في " أنفالات " ومطاحن سابقة.
محزنا التجول في الشوارع الخالية ، إلا من مقاتلين البيشمرغه وبعض الصحفيين ، كما لو كان الفراغ قد هوى على الأزقة والساحات وابتلع سكون عتبات الدور ونشـّف النوافذ من العيون.
رصدنا في تلك الأيام الدخول الأمريكي الأول للأراضي العراقية قبل نشوب الحرب ، وحرب الجواسيس في كردستان ومهارة اهلها في استنشاق دخان المعارك.
سنحكي لكم قصص النهارات الضائعة والمغدورين والأرامل والإبادة الشاملة ومطرقة الدمار، عن الجمال والفرح ولوعة الزمان والفناء والنبع القديم وقطرات الدماء المحفورة على الصخور والغيوم الشبيهة بالقناديل المطفأة وسراج الوطن إن جفت شرايينه.
لتتقبلوا منا لسعة الكلمات القادمة كطفولة تناشد الغفران من كردستان التي أمعن الدهر كثيرا في إيذائها وشطرها وحرقها، توطئة لم يفت أوانها لفتح غلال الذاكرة.