الخميس، 6 مارس، 2008

فلك الفاو وأشرعتها المندملة










في مثابرة الجزيرة وهيام مراكبها وانشغالها المهيب


"أيها البحر الواقف في وجه الردى
أنها نفس الموجة على مصعَدِها"
-سان جون بيرس-

الفاو- د.جمال حسين علي:

لكي تحرث العراق، عليك الاستهلال بالفاو ولكي تطفئ قناديله، لابد من عاصفة تشجع أشرعة الفاو، فهي النخاع الشوكي للبلد وخصب عروقه وروايات مغاني بحره وحلم صياديه وإنهاك شباكهم. ولكي تنصب تمثالك في بغداد، عليك الدفع بأفواجك على شواطئها، فمنها ستحدد أعياد الوطن ومعزوفته الوطنية ولون رايته وحدود التجوال في مساءاته. فعلها الإنكليز في 5 نوفمبر 1914 ومنها هووا في أعماق تخوم البلاد، وارتفع في 2 أبريل 2003 على مبنى بلديتها أول علم أميركي في العراق هز 'الوسط' السياسي الدولي مكدرا 'التحرير' لولا العثور على علم اللحظة الأخيرة، بلين ملفق خطا التاريخ غماره الجديدة، منها، التي ابتلعت الكثير جدا من الشبان عند احتلالها من إيران واستعادتها من فتيان آخرين. ولو وضع كل شاب عراقي مات من أجلها يده بيد آخر، لوصل تشابك الأكف من جمارها حتى صهباء زاخو. سنرى اليوم مدينة دائمة الفجر الذي يمكن أن نطلق عليه: البحر!ويمكن الحديث أيضا عن بوابتها المشيدة في 'حملة إعمار' خاصة شاركت فيها كل دول الإقليم ( عدا إيران طبعا ) في نهاية الثمانيناتِ ولكون النظام حولها الى رمز باعتبارها حسب أدبياته 'أول مدينة عربية تؤخذ بالقوة وتسترد بالقوة في التاريخ المعاصر '، فقد طغت عليها وليومنا هذا عقلية مؤدلجة، فيها احتفالية وتسييس واضح متسلل على معالمها القديمة.ويبدو أن أموال نهاية الثمانينات لم تسرق، لكنها أهدرت على الشكليات.،وأخرق ما في الأمر، أن من خطط لتنظيمها الجديد، لم يعرف عن تاريخها حرفا واحدا، فجعلها نسخة مصغرة من 'المنطقة الخضراء' الحالية في بغداد، وملأها بأنصاب 'النصر' وأقواس تحرير وأعمدة شاهقة ينبغي أن تنير الساحة، لكنها بلا مصابيح الآن، وبوابة تحملك لأخرى وحتى المسجد الذي بنوه هناك جعلوا تصميمه غير شرقي ودسوا فيه شعارات ورسوما ورموزا تصلح لمبنى 'القيادة القومية ' وليس لمسجد سموه باسم وزير الدفاع الذي قاد معركة استرداد الفاو عدنان خير الله.لم تتحمل الفاو كل هذه الرموز والإشارات والأموال التي أسرفوا كثيرا في إهدارها على المرمر والأنصاب دون أن يقدموا شيئا الى أهل الفاو، كالمساكن مثلا.
شقق الفاو
يعرف البصريون جيدا تلك المنطقة التي كانوا يشيدون فيها أول مجمع سكني في نهاية السبعينات والواقعة مقابل 'صبخة العرب' وبين الأصمعيين القديم والجديد.
طالوا في بنائها كثيرا، فالمشروع الذي تبناه محافظ البصرة محمد محجوب وأراد أن يستكمله سلفه ماجد السامرائي، توقف، لان الشخصين أعدما مع نصف القيادة بحركة صدام المعروفة في يوليو 1979 عندما أزاح احمد حسن البكر وأعدم نصف قيادة البلد. وبقيت هذه المجمعات السكنية هياكل فقط، بلا أبواب ولا شبابيك ولا ماء ولا كهرباءِ فهي جدران فقط، تنعطف بها الرياح عند الاقتضاء ويلهو بها المتسكعون عند الحاجة. ولغاية اليوم الذي اشتعلت فيه الفاو في سبتمبر عام 1980 كونها تبعد مرمى كلاشينكوف عن الحدود الإيرانية، داهمت المدينة هجرة جماعية لم تبق عليها ولم تذرِ واستفاق الاهالي فجر يوم بغيض ليجدوا أمامهم مئات الشاحنات والعربات ومن حمل صرره مشيا، يهجمون بتدافع مذل على هذه المجمعات السكنية، ليسكنوا فيها، ويعمروا اسما جديدا لم يتفق عليه أحد، سوىالسواق الذين افتتحوا خطا حديثا اسمه: شقق الفاو !
العودة
وكانت عشر سنوات كافية لأن يتزوج فيها الصبي الهارب من جحيم الفاو وينجب في الشقق التي كان نصفها جدرانا والنصف الآخر ملابس مرقعة وحصرانا ويتعود على حياة المدينة الجديدة. وتعد هذه الجمل البسيطة، نقطة التحول الكبرى لوضع الفاو الديموغرافي، فشبان المدينة الذين نزحوا منها، لم يرجع أغلبهم إليها، بعد أن صار سائقا ونجارا وحارسا وغيرها من المهن، ولم يمتهن كآبائه الزراعة والصيد ومداراة القوارب. لهذا السبب، فالفاو التي استردوها وعمروها بطريقتهم وافتتحوا بواباتها في أواخر عام 1988، ليست الفاو ما قبل الحرب، والرياض التي كانت تزينها من كافة الجوانب، تحولت الى مطحنة حديد وقذائف وملاجئ جنود وحفر للموت. لقد شقوا في الفاو أحسن الطرق في البصرة كلها، لكن المدينة القديمة اختفت مع معالمها وكثافة سكانها وتكتلهم مع بعض. وشحبت ' الأحواز ' ( الأرض الزراعية التي يحيطها جدولان) وتملصت السعفات من جذوع النخيل ولم تبق غير' المملحة ' محافظة على مستوى الملح الذي يصل أحيانا الى ركبة رجل طويل، اندثرت بيوت الريفيين المهتمين بالنخيل، بعد أن قطنها جنود غرباء من دولتين شرستين وغابت المشاركة المعهودة ما بين الكف والسنبلة و'المسحة' والطينِ وأدى ذلك الى غموض البذرة ومستقبل الورقة ولون الزهرة. فأولئك الذين عاشوا دهورا طويلة يلقحون النخيل ويتقنون مسرى 'الشاخات' (الممرات المائية في البساتين) ويحيطون مصائرهم بفصول التمرة والجراد ورحابة 'الجريب'، عافوا تلقائيتهم وطافوا في طول البلاد وعرضها بعد أن طالت سنوات الحرب كثيرا منتزعة منهم أمل العودة الى التراب الخصب وتغميس أقدامهم في لوعته.
جزائر الفاو
ما أن تسير خلفها، ستلج بك المتعثرات نحو 'سيحان' بطيورها ونسوة النهر الذي يزداد اخضراره بمشيئة السعفات الهابطة على مويجاته، وفي الأعلى ستنجز تلة أعشاب في 'كوت الزين' فقاقيع أسئلة عن خناجر ومناجل وأظافر الأولين الذين قاوموا حتى الرمق المتاح الغرباء المحملين بسفن 'الغراب' و'الترانكي' و 'الغرافات' التي لا تشبه أساطيل بومبي ولا عادات أشرعتها وبحارتها السمر الذين يعشقون التنزه في جزيرة ' أم الخصايف' ويعبئون تمر رحلاتهم القادمة من جزيرة "الشمشومية". ستأخذك الموجة الى 'جزيرة أم الرصاص' ليغمرك البعوض الذي يخترق حتى الفولاذ، لتعود الى أصوات مدافع البلجانية التي دفن معها العثماني الأخير في الفاوِتضطجع المدينة - الجزيرة على ميادين الجزر الملحقة في وركها، طيف جزائر مثقلة بالطحالب والأعشاب التي ليس لها صاحب، منشأة بمؤازرة نهر يذوب في البحر كقبس يمد النشوى متلفع بملتقى أطيار هاجرت خمرة شواطئها.
ساحل المخدرات
هي المرة الأولى التي يسمع فيها أهل الفاو مفردة مخدرات، لكنهم لا يعلمون الأكثر خطورة، أن مدينتهم التي كانت تحجز الغرباء في محجر الكرنتينة في حوز 'محنتيني' البالغ الرهبة، حيث يموت نصف البحارة المحجوزين لحين التأكد من سلامة النصف الآخر صحيا ، باتت مرتعا لتجار المخدرات الذين لا يريدون أكثرمن خمس دقائق في أي قارب ليجنحوا بمصائبهم نحو شاطئ الفاو المقابل لهم، لتبدأ أوسع عملية انتشار للمخدرات في المنطقة. اشتكى كثيرون في الفاو من غزو المخدرات، للحد الذي ناشد فيه القائم بأمور دار العدالة في المدينة الى تنفيذ حكم الإعدام، على الأقل في مدينته التي ضيعت مرفأها وسلمته للمجرمين، فكل القضايا الجنائية المنسوخة في مدونات 'دار العدالة في الفاو ' منحصرة في تهريب المخدرات والمتسللين غير معروفي الأهداف والمقاصد. فماذا يريد المتسلل من إيران الى شواطئ الفاو وهل يعقل أن يكون هدفه شريفا؟ لاسيما أن أكثر من 20منفذا حدوديا رسميا موجودة بين البلدين الآن، ويستطيع كل ذي جواز التنقل براحته في العراق، فلماذا التسلل إذن عبر جزر الفاو؟
مشاريع عملاقة
وأهمها 'ميناء العراق الكبير' الذي سلطنا عليه الضوء في الحلقة الخاصة بالموانئ، يضاف إليه مشروع نفطي طموح، تحدثوا عنه كثيرا في الفاو، ملخصه تطوير الحقول النفطية والغازية ومرافق الإنتاج التابعة لها، وإذا قدر لهذين المشروعين النجاح، فيستطيع العراق تصدير نحو 3 ملايين برميل نفط يوميا من موانئالبصرة وحدهاِ ولكي يتم ذلك تسعى وزارة النفط إلى بناء مستودعات ضخمة للنفط بطاقة ضخ عالية، وستدعم هذه المستودعات خطط توسيع الطاقة التصديرية للنفط من موانئ البصرة (البكر سابقا) والعميق.مستودعات النفط الجديدة، تضم على الورق لحد الآن، 30 خزانا عملاقا ترتبط بها محطات الضخ، الأمر هذا إن تحقق سيمنح مرونة في التحميل وقدرة على الضخ مباشرة الى السفن الراسية في موانئ التحميل، بينما يجري الأمر الآن، أن النفط يصل السفن الراسية مباشرة من الحقول، وهذه عملية يعرفها الخبراء، كم تكون بطيئة، لأنها مرتبطة بكمية النفط الذي ينتجه الحقل، لا بقابلية الميناء على الضخ و الناقلة على الاستقبال.دكوا حاليا أساس مشروع المستودعات النفطية، إلا أنهم ينتظرون وصول صفائح الحديد التي ستبنى بها الخزانات، ناهيك عن المعدات الإلكترونية المرتبطة بمحطات الضخ وملحقاتها الأخرى.
المدينة الورشة
يعمل سكان الفاو كثيرا، نساؤهم ورجالهمِ ويواصل صناع السفن الليل بالنهار، بتعبئة البحر بسفن جديدة، خشبية أو حديدية، بأشرعة أو بمحركات، ويبدو أن هذه المهنة البالغة الأهمية في معنى المدينة وجوهرها قد تم الحفاظ عليها وسلمت من جيل لآخر، فالشاطئ العراقي المقابل لإيران، ما قبل مصب شط العرب في الخليج، خصص لصناعة السفن من قبل شبان، وصفوا أنفسهم لنا بأنهم يجيدون هذه المهنة ويعتبرون أنفسهم مهرة، في حالة توفر المواد الضرورية. وحين سؤالنا عن كيفية حصولهم على هذه المواد، أشاروا الى الساحل الإيراني الذي يبعد دقائق قليلة بالقوارب، بالإضافة الى استغلال المواد وتحويرها من سفن أخرى تعطلت ولم تعد صالحة للعمل. يمد صناع السفن كابلات الكهرباء من أعمدة النور القريبة من الشاطئ، واشتكوا كثيرا من انقطاع الكهرباء، لأن أجهزة اللحام تحتاج الى طاقة كهربائية عالية لا توفرها المولدات الخاصةِ لذلك فان عملهم في الأغلب يرتبط بوجود الكهرباء.وعن السفن الأكثر رواجا التي يقومون بتصنيعها قالوا انها التقليدية التي يعود عليها البحارة وكذلك المياه وتتناسب كثيرا مع الأجواء والرياح وتقلبات البحر في المنطقة ِ والأهم كما ذكروا، وظيفة السفينة، فالصيادون يطلبون منهم صناعة 'البوم' و'البانوش' و'الشوعي' والأقل أموالا من الصيادين يحجزون 'الجلبوت' و'النبوك' و'البقارة'. أما تجار النفط، فيفضلونها حديدية وهي الأغلى وتحتاج لمواد كثيرة ووقت أطول ويصل سعر صناعة الجديدة الى نصف مليون دولار. يقول صناع السفن، بأنهم يعملون بـ 'اليومية' وأحيانا بـ 'المقاولة' لأنهم مجرد عمال، والعملية يقودها أصحاب الورش مع التجار، وفي أحيان كثيرة يوفر التجار أنفسهم المواد، وتقتصر مهمتهم وأجرتهم على ' شغل إيديهم'، لهذا السبب، لم يعتبروا مهنتهم الصعبة والطويلة ذات أجر مغر، فالسفينة الجيدة الكبيرة التي تنقل النفط، تكلفهم أكثر من ثلاثة أشهر، على عكس سفن الصيد التي يعطونها ل 'صبيانهم' ليتدربوا بها.
مرافئ الصيادين
مرفأ الصيادين مقابل سوق السمك التابع للسوق الرئيسية في الفاو، معتنى به الى حد بعيد، وسقائفه جديدة وكذلك أحواضه الإسمنتية المخرمة بالكاشي الأبيض، وثمة خزانات متوسطة الحجم يستخدمها باعة الجملة في السوق، التي قالوا بأنها تغذي العراق كله بالسمك، والصيادون بعد رحلة الصيد لا يبيعون السمك بأنفسهم، لأنهم ينشغلون في نهاية رحلاتهم بتنظيف القوارب و'فلي' الشباك وإصلاح ما تعمله سمكة 'الجصانة' التي يبلغ طولها متران أحيانا، والتي قالوا أنهم نادرا ما يظفرون بها ويحتاجون شباكا كبيرة لاصطيادها لأنها ضخمة وقوية في الماءِ ومن السمك الكبير الذي اعتادوا اصطياده الشبوط والكطان والبني والسمتي والحمري والصبور وأنواع كثيرة جدا لم يتوقف أحدهم من عدها لغاية تذكيرنا إياه بالكواسج (قرش يعيش في شط العرب والأهوار)، فقال انهم اعتادوا عليها ووجودها يرتبط بسوء الحظ، وفي كل الأحوال أكدوا على أنهم يؤمنون أنفسهم وقواربهم من هجماتها، غير أن صياداقال من بعيد بأن أوقاتها وأماكن تواجدها ونشاطها معروفة لديهم ويتحاشونها قدر الامكان. وعن أسعار السمك، قال الصيادون بأنهم لا يزيدون ولا ينقصون من الأسعار، ولكن هذه الأمور مرتبطة بتجار السوق والطقس والوضع العام للسوق برمته ولا يتدخلون في الأسعار، طالما ثمة ثبات في الرزق والمحصول.
نساء النخيل
ونسوة الفاو يتقن، علاوة على الفلاحة، مهنا ترتبط بالنخلة، التي يصنعون منها الكثير جدا من الأدوات المنزلية ويقمن ببيعها في سوق المدينة وتعد هذه الصناعات نسوية مائة في المائةِ ويمكنك الحصول على أجود أنواع السلال والأطباق والمراوح اليدوية والمكانس و'الطبك ' الذي يشبه الصينية و'السفط 'الذي يستخدمونه لتنقية الحبوب من الأوساخ والمواد الغريبة والملاعق وقوالب' الكليجة ' وغيرها من مواد كلها تستخرج من النخلة. وتتخصص بعض نسوة الفاو بحياكة السجاد المعروف ب ' الأزار ' وهو واسع ويمتاز بجودته عن مثيلاته المصنوعات في الزبير وأبو الخصيب، واشتهرت 'بسط' الفاو بألوانها ونقوشها ويفضلها البصريون عن تلك التي تصنعها نساء القرنة.
حنة الفاو
لا حنة في العراق غير تلك الموجودة في المنطقة الممتدة من أبي الخصيب حتى الفاو، وتتميز حنة الفاو بأنها المرغوبة في دول الخليج، والتي كانت تمثل مصدر رزق للكثير من المزارعين الذين تخصصوا في تهيئة الظروف لشجرتها التي تشبه التوت، فالحنة جزء مهم من الموروث الشعبي البصري وليلتها تسبق الزفاف للعذراء التي يطلونها بها بشعائر دينية واجتماعية، كما أنها صبغت شعر كل العجائز وأوراقها غسلت موتى المدينة، وبالرغم من أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) لعن من يقطعها لكونها أول الثمار في الأرض التي تناولها آدم، إلا أن الحروب أتت عليها ولم ينقذها غير الفاويات الوفيات لها اللواتي أقمن بنشاط ومثابرة عملية شاملة في إعادة زراعتها وتخصيص مناطق معينة لها، وساعدت هذه العملية على بث الروح في الشجرة التي يظنون أنها وصلت الفاو من الهند قبل قرنين.