الخميس، 6 مارس، 2008

كيف ضفر الصحافيون في الجبهة الشمالية شرائطهم ؟


نحو 400 صحافي في أربيل وحدها يلاحقون الأنباء والإشاعات ودخان القصف ومظلات القادمين
مراسل يلثم ثلاثة مدنيين ويعرضهم على أنهم ضباط أحرار
من يزعل 'الاتحاد' يهرب الى 'الديموقراطي' وبالعكس
مهتم ببزنس الإرسال يرعب الصحافيين بإشاعة ليخلو له الـ Live
الصحافيون كبروا مسألة "أنصار الإسلام" من باب الفراغ

كردستان- د. جمال حسين علي :

لكل حرب دروسها وخبراتها وتجاربها، وكما الحروب تختلف وتتطور، فان وسائل تغطيتها تتماشى مع تنوعها وهديرها وصخبها، عقدها وتشابكاتها، تفرعاتها وانحداراتهاِ لا شيء ثابت، ولا أسلوب بحد ذاته يمكنه التعايش مع إجراء يدفن آخر ومشيئة تدعو أخرى، فطنة من يكتب أسوأ شيء أو أكثر المستجدات دهشة، يبقى الغموض يلف أي ريبورتاج بإملاء المزيد من النفع والأوهام والذرائع وتحويل المعلومة المكتسبة الى قص رصين غير زائغ. في جلسة 'شخصية' قال هوشيار زيباري ، بأن الإقليم لم يشهد هذا العددمن الصحافيين ودفعة واحدة، حتى في أوقات الانتفاضة والهجرة المليونية وكل المصائب الأخرى التي حلت بسكان كردستانِ فقد بلغ عددهم المسجل في أربيل وحدها 400 صحافي ومثلهم موزعون في دهوك والسليمانية، عدا الموجودين في الأراضي العراقية الأخرى و يمثلون كل وسائل الإعلام العالمية والعربية المعروفة، ولأسباب كثيرة أهمها الوضع في كردستان والظروف الخاصة التي تصاحب الوصول الى هذه المنطقة، فقد فضلت معظم وسائل الإعلام إرسال مندوبيها العاملين في مكاتبها في سوريا وإيران وتركيا لأن هذه البلدان هي الوحيدة التي يمكن عبرها الوصول الى الإقليم قبل نشوب الحرب (ركزت السي إن إن على مكتب القاهرة لإجادتهم العربية ورويترز دفعت بكادرها العامل في موسكو بينهم أربع روس)ِ لذلك فان هؤلاء يملكون معلومات ومعرفة حسنة بظروف المنطقة وعقدها وكل ما يحيط بهاِ غير أننا قابلنا البعض ممن لا يميز بينالبرزاني أو الطالباني أو لم يسمع قبلا بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية و لم تمر عليه عبارة ستدخل موسوعة غينيس لكثرة ترددها في وسائل الإعلام في السنوات السبع الأخيرة 'النفط مقابل الغذاء'ِ ثمة من لا يعرف غير الألماني أو الصيني أو المنغولي وتراه ليس بقارئ ويكتفي بالكتابة فحسب، وثمة من لا يغادر مطاعم الفنادق التي يتردد عليها الصحافيون، فذلك أفضل أسلوب بالنسبة إليه لمعرفة 'كشكول أخبار اليوم '، ثمة من يعيد صياغة الأنباء عبر صحف الإنترنت، وهناك من لا تفارق 'الثريا' اذنه أو 'الربعية' جيبه، وكل هؤلاء غير مضرين قياسا للذي ينشر نبأ أوساط الصحافيين ويهز أميركا به وهو من تأليفه بطبيعة الحال.
الأكبر والأصغر والأسمن
تجد هنا جميع المقاسات، وبدون التوقف عند الأسماء، والأعمار تبدأها صحافية كندية فتية مغمورة لكثرة أسئلتها للصحافيين والسواق والمشرفين وانتهاء بصحافية إنكليزية عمرها 68 سنةِ فيما كانت صحافية تركية حريصة على إثبات إغرائها للخلق المحرومين في كل مناسبةِ وهناك من يشعر بمشاكل في المشي أو الكتابة، ولا أعرف لماذا ترسل قنوات مهمة مصورين سمانا وأجهزتهم تتجاوز ثلاثة أطنان بدون المصورينِالنزق والدلال والأنانية والشعور بأن لهم الحق في كل شيء، أكثر مميزات الصحافيين الغربيين، وهذه الصفات عرفناها منذ القرن الماضي ولم يأتوا بجديدِ تراهم صامتين وعلى رؤوسهم الطير عندما يتحدث أحدفي مؤتمر صحفي باللغة الإنكليزية، ولكن ما أن يبدأ حديثه بالعربية أو الكردية يبدأ لغطهم وتهريجهم وخروجهم غير اللائق بمجموعات من قاعة المؤتمر وسط استغراب صاحب الدعوة.
الأغرب
وأغرب الصحافيين مراسل لصحيفة يابانية قال انها تصدر مليوني نسخة يومياِ يبدو دائما كأنه هابط من مظلة للتو، لا يفوت مناسبة دون أن يحضرها، لا يتكلم مع أحد، يتناول طعامه وحده في مطعم في سوق شعبي على الدوامِ لم يستبدل ملابسه للشهر الثاني على التوالي، تملأ جيوبه الأوراق ولا يبالي عندما تتساقط وهو يمشي، فهو يعبئ جيبه بملخصات 'البريس' اليومية بكافة اللغات ويقابل التلفزيون لساعات حتى عندما يعرض الصور المتحركة.
الاكثر مرحا
جاء من أفغانستان، مراسل يرتدي الغطاء الشعبي المعروف، وهذا يرقص أكثر مما يتكلم ويبتسم للجميع ولا يوجد أحد في المدينة لا يعرفه لبشاشته ومظهره الأفغاني المتطور، ومرة غنى بالفارسية للشيرازي وعمر الخيام وغوغوش والبشتونية لزاهر اصفهاني والكردية لزكرياِ ولا يترك لك سببا ألا تحبه.
الاشد هلعا
وثمة مراسل نمساوي استعار لحية أوزبيكية لا يفارقه قناع الوقاية حتى عندما يذهب الى المرحاض، دائما يقولون له: لو كنت خائفا، عد الى وطنك ِِ لا يفارقه السباب على طريقة الزنوج الأميركان حتى عندمايتحدث مع أي 'ليدي' من الشلة اللواتي تعودن عليه وكأنما أصبح هذا الأمر تحصيل حاصل، بل يستغربن حالة دخوله في موضوع جاد.
العطلة الإجبارية
يوم لا ينسى، ذلك الذي أعقب قمة آزور، أو يوم الهروب الكبير من المدن الكبرىِ عندها استفاق الصحافيون ولم يعثروا على تلك الحياة التي تعودوهاِ هرب سائقوهم، وأغلقت مقاهي الإنترنت، وتلعثم الموبايل وشحالخبز والماء والوقود في ضحى واحدِ وبطبيعة الحال، يصعب على فريق تلفزيوني التحرك بلا سيارة، فقد بقوا في لوبيات الفنادق يتبادلون إشعال السجائر والثرثرة وتفحص بطاريات الأجهزة وأقنعة الوقاية.
قريبا
من مفارقات الحرب، أن أغلب وسائل الإعلام، أرسلت قواتها الضاربة والطواقم الأكثر حرفية الى كردستان، أولا، لأنه سبق بحد ذاته أن تغطي الأحداث من على أرض عراقية ولتعقيد المنطقة من النواحي التركية -الإيرانية - الأميركية، قوى المعارضة وغيرها من خصائص لا تجدها في أي بقعة في العالم غير هذا المكانِ غير أن الحرب دخلت أسبوعها الثالث والجموع في كردستان تنتظر افتتاح الجبهة الشمالية ويتردد على أسماعها يوميا بأن ذلك very soon وأصبح البحث عن عمل الشغل الراهن لكل من وطئت قدماه أرض كردستانِ فما كان من البعض سوى التمتع باصطياد الأخبار ويعرفونها إشاعات، لكن أكثر الإشاعات قوة وتأثيرا على المستوى الدولي والسياسي كانت تلك التي أثيرت فجر العشرين من مارس المعروف للجميع.
لجوء عزيز
ففي اللقاء المباشر مع فضائية عربية مؤثرة حاليا، قال مراسلها في أربيل إن 'لديه معلومات مؤكدة من مصادر موثوق بها على أن طارق عزيز وصل الى الإقليم مع عائلته'. وفي غضون دقائق كان هذا النبأ الأول والحديث لا يفارق أحدا من الهاواي مرورا بجزر لم يتم اكتشافهابعد، وأصبح الخبر الرئيسي حتى داخل البيت الأبيضِ مر يومان ولا شغل لأحد سوى التقرب من هذا أو ذاك من المسؤولين الكرد، عله يشفق عليه بحقيقة أو صورة للاجئ الأشهرِ وكنا نسمع صرخات المراسلين من 'الثريات': نعم انها حقيقة ِِ عزيز هنا.في النهاية ظهر عزيز بمسدسه الى العلن في مؤتمر صحفيِ ومعه اختفى صاحبنا من أي لقاء مباشر، ويمكن تصور غضب الجموع الصحفية منه بعد أن ورطهاِ اختفى يومين كاملين ليس من الشاشة فحسب، بل من المطعم الذي يحبه. والطريف أن الصحافيين نسوا طارق عزيز وانشغلوا بمصير صاحبنا، منهم من يقول ان سلطة الإقليم طردته، وثمة من قال بأنه شرد الى السليمانية أو انتحر، ووصل الأمر الى أن انتشرت إشاعة بأنه طلب اللجوء والجنسية الكردستانيةِ لكن في نهاية الأمر ظهر في السليمانية لأنه لا يستطيع مواجهة 'مجموعة أربيل'.
أبو المقالب
وتعرضت 'مجموعة أربيل' الى مقلب أخطر من هذا، عندما قام أحد المهتمين ببيزنس الإرسال وهو معروف هنا كرجل أعمال وليس صحافيا، لكنه يظهر في فضائيته أحيانا عند عدم العثور على مراسل فارغ. بث هذا إشاعة وسط الصحافيين الساكنين في فندق "تشوار تشرا" ' بأن لديه معلومات وصلته 'توا من الكويت' بأن الفندق مستهدف من النظام العراقي وسيتم تفجيره أو قصفه بالصواريخ. انتشر النبأ أسرع من الصواريخ العراقية التي لم تصل الى أهدافها بعد، وهرع الصحافيون فزعا كل بأجهزته وحقائبه، علما أن تفكيك الأجهزة من سطح البناية يتطلب وقتا وجهدا وضياعا في فترات البث المعتادة. لاحظ القائمون على أحوال الصحافيين ذلك وما سببه لهم من ارتباك كون الفندق مخصصا للصحافيين وتكون كارثة بالنسبة لهم توفير فندق آخر، حيث لا يوجد في الإقليم مماثل له، ناهيك عن الأذى المعنوي الذيسببه لهم النبأ، حيث يحرصون دائما على الظهور بأن الإقليم آمن ومستقر ويسعون كل جهدهم لترك هذا الانطباع لدى الصحافيين بشكل خاصِ بحثوا عن المدعو في كل مكان ولم يعثروا عليه واضطروا لعقد ندوة مع سكان الفندق المرعوبين وطمأنوهم بأن لا شيء وعرفوا منهم بأن هذا الشخص بالذات عرج عليهم الواحد تلو الآخر وأخبرهم بالتفجير المزعومِ عندها أفهمهم المسؤولون بأن لديه أسبابه التجارية ليفرغ له الجو بالبث المباشر حيث تنفرد أجهزته وحدها على السطح. اتصلوا بنا لأسباب تشابه البلد الذي نعمل فيه وسألوا عنهِ في حقيقة الأمر لم أشغل نفسي بمشاكل أهل التلفزيون ولم أكن متعطشا للتعرف بهذا الشخص واشتكوا منه عندي، وطلبوا أن أوصل شكواهم إلى المسؤولين هناك. تعذرت لعدم وجود علاقات لدي مع هذه الفضائية ولا المسؤولين عنها وعندما سألوني عن مكانه قلت بلا تردد: تجدونه في السليمانية! وبعد يومين ظهر في 'المباشر' فعلا في السليمانية!
تبادل المواقع
لم يكن سوى توقع، فقد انتشرت ظاهرة هنا، عندما يزعل الجماعة أو تقوم بمقلب أو تفعل مشكلة ما في أربيل، تهرب الى السليمانية، وعندما لا يعجب الجماعة في السليمانية شغلك ويبدأون بمضايقتك أو ضربكوالمصور، كما حصل مع مراسل محترم لفضائية عربية شهيرة بعد أن تجاوز الخط الأخضر للخضر فيما يخص 'تحليله' لما حصل مع أنصار الإسلام، فانه حزم حقيبتيه وجاء الى أربيل وهكذا ِِ تمثيلية على الهواءونعود الى صاحبنا مبتكر فكرة تفجير الفندق،الذي تسبب في ترحيل وتهجير الصحافيين والمطلوب 'علقة' كردية توعدوه بها في أربيل، فما ان وصل الى السليمانية، حتى طلع بفكرة جديدة. قام بتلثيم ثلاثة رجال ليس من الصعب الحصول عليهم وأجرى سبق صحفي كونه قدمهم في 'المباشر' لفضائيته على أساس أنهم مجموعة من الضباط الأحرار ذوي الرتب العليا أسسوا حركة ستطيح بالنظام عاجلا أو آجلا. لكن هذا الموضوع الذي يتندر به الصحافيون حتى الآن لأنهم يعرفونه جيدا ويدركون هذه الألاعيب، أنه ذكر أسماءهم (المزعومة)، ويتساءل الجميع هنا: لماذا لثمهم إذن؟الكثير من المغالطات والأنباء غير الصحيحة والمبالغ فيها ترتكب باسم الـ Live وثمة من يصر على قول ما ذكره قبل يوم أو يومين بدون أن يثير ذلك من يقابله، فهناك أيضا يتبدلون وأسئلة الاستديو تبدو وكأنهميخرجونها من الأرشيف!
العقدة التركية
وللسلطات الكردية مشكلة مع التدفق الهائل للصحافيين الأتراك، فهؤلاء احتلوا كل الفنادق وأغلبهم لا تجده مهتما بالقضايا التي تثير الصحافةِ وبينهم من يصور زائرا لمطعم الفندق ويعرضه في صحيفته في اليوم التالي ويكتب تحته: مخابرات كردية.هذه وتصرفات أخرى ولمعرفة الجانب الكردي بأن تركيا لا تملك هذا العدد من المراسلين، فقد قامت بعملية تابعنا تفاصيلها، حيث كنا وقتها جالسين بالقرب من رأسها المدبر، ومختصر العملية أن الأكراد طردوهمِهكذا، ببساطة، طردوهم ولم يسمحوا للآخرين الذين ينتظرون عند الحدود بدخول كردستان، عندها تنفست بارات أربيل الصعداء!
حراس ومصورون
كان الصحافيون وبخاصة مصورو الوكالات المعروفة يذهبون يوميا الى نقاط التماس في خابات وكلك وقشتبة وجمجمال لقنص لقطات القصف وما يحدث هناك ويعودون في الليلِ وعندما وجدوا أن لا طائل من الذهاب يوميا لتصوير قذيفة أو لا شيء، نصبوا كاميراتهم على أسطح غرف استأجروها في القرية وتركوها تعمل لوحدها أو برفقة أحد الفنيينِ وحتى السواق والحراس تعلموا التصوير والشحن وتبديل الأفلام ولديهم خبرة لا بأس بها في هذا المجالِ ويكاد عدد الكاميرات في هذه المناطق يفوق عدد البنادق!
لأنها خاملة
هكذا تسير أمور التغطية الإعلامية في كردستان في ظروف خمول الجبهة الشمالية وتعثر وصول القوات الأميركية لغرض البدء بالهجوم البري الذي أصبح الشك في وقوعه احتمالا جديا. هذا الخمول سبب في انتشار الإشاعات والاجتهاد والإجهاد، حيث تنتظر أياما لتصور مركبة أميركية أو طائرة أو دخان قذيفةِ ويتلهى البعض، بل ثمة من عمل عشرات التقارير عن أنصار الإسلام الذين تحولوا بقدرة الصحافيين الى قوة لها وزن في الإقليم، حتى الذين لم يكن أحد يعرفهم لا سيما في الإقليم كالجماعة الإسلامية. ومع حالة عدم الوضوح في الجبهات الأخرى من الحرب، قد تخبئ الجبهة الشمالية 'أم المفاجئات'، فقد علمتنا هذه المهنة والحروب على أن الصبر وبالصبر القاسي وطول النفس يمكن اقتناص الموضوع الخارج عن العادي والمألوف
.