الخميس، 6 مارس، 2008

عجائب وغرائب بورصة كردستان




كردستان - د.جمال حسين علي:

لننس شعور شخص تضاءلت عملة بلده وانحدرت كعجلة لا تردعها خيول نحو عشرين واد أسرد فيه الظلام وتعدد إغواؤهِ ولنكمل مقتلة الحصار في جيوب الستر العائدة الى 'العهد البائد' ولنوزن حكاية الصور الملوحة بأوراق ناشفة توارثنا اسمها دون تورية، ورقة أو زجاجة أو ضمير شعب تندس في ورقة رزقه صورة نصب القائد أو تلقائيته المباحة، نداءاته أو إطراءه، تسبيح بحمده الذي وهبنا هذا الدينار المطبوع المبتل بروث المطحنة. تستفيق الدنانير قبل قبج الشمال ورفيفهِ ودون أن تخدع يقينك، عليك أن تبيت بين حافات الخشب المنخور بماء أزلي لم يتعهد أحد بإزالته من حواف الطريق وكأن المجاري العليا تؤانس عتبات الخلق وتشوش ريحهموأنفاسهم بأبوذية أحد شعراء العولمة:
شلون يشيل المطبوع وجع المجاري؟
منذ السادسة صباحا تبدأ خلويات المضاربين بالانفلات نحو الفضاء وتمتلئ معها سراويلهم وحزم بطونهم ودفاتهم وحدقاتهم المنفقئة وكل يسير بمشيئته حيث لا تجد موضعا لقدم ناهيك عن عجلة وسط الدولاب الخارج والداخل المنكشف لك بامتنانِ تبدأ الهندسة الغرائبية من أخمص قدميك الغائصتين بجيفة مجاري فنادق العابرين مرورا بحزم أوراق عملات تتقافز بينها حتى الليرة القبرصية وصولا الى فراشات الألسن التي لا تكف عن الدوران والزعيق.
فطور إجباري
يبدو أنهم يستخدمون كلمات مستعارة أو كودية لا كرديةِ أتظاهر بدخول مقهى كي لا أثير حركاتهم الفطرية. في لحظة غيب استراح فيها الجفن فرشت أمامي صينية من قيمر وشربت أسود ظننته شايا وخبزة واحدة في اليد. هذا ثمن استدارة عفوية للهروب من سيل الماء الرتيب الذي يلوك بالفراغ الداكن. لنمزح قليلا مع التاريخ بجاه صينية الفطور التي كان جيراني في المقهى يتناولونها معي شفهيا.
حاولت الغوص في منشأ هذه المأثرة أو الفتحة التي تجمعت كل الأقدار لترفع فوقها يافطة جاحظة بلا شرح وأرقام، يمكنك مشاهدتها من أيما مكان مهما قلبت ألوانها، حامية كلحاف وحيد ِِ بخارها يتكسر عليك لتلف عليك شرارة اسمها: بورصة كردستان!
رنين التاريخ
كأن الذي ألف هذه العبارة جمع كل التناقضات المحتجبة ولخصها بنداء واحد متواصل كل حرف فيه يتيح التمحيصِ كانت هذه الفتحة، قبل تحولها الى بورصة، دكانا لبيع الحب والزبيب بأنواعه وقبله لبيعالإطارات المستعملة وقبله كان يروف فيها شيخ مسن أي شيء من اليشماغ حتى النعال قبل أن يؤنفله علي الكيمياوي. هذا تاريخ برج التجارة الكردستانية ِ ليس في الأمر أي مبالغة ولا تهكم لو علمنا أن الحكومة تجلب دولاراتها لتصرفها في هذا المكان بالذات لتدفع رواتب الموظفين وتنشئ الجسور وتعمر البلاد. هنا يرومون الريش قبل نباته ويكبسون أزرار مسيرة الأعمار ويكيفون الثلج ويعبئون الهواء ويرصعون التيجان ويمطون النهار حتى يقينه. أناملهم ترانزسترات خلايا الحساب، وإن شئت لقالوا عدد شعرات رأسك،قبل أن تفتح نبوءة فكك، تكون حزمة الأوراق قد ظهرت، ملفوفة بخيوط جدات منذ استفاقتهن في هذه الحياة حتى انشطارهن مع الدعاء الطويل، لم يلمحن ولو في خدع مخيلتهن كل هذه الفلوس المتسلسلة، المحكمة،والأهم، التي لا تتسع صدورهن لإخفائها، كما كن يطوين ويخبئن ربع الدينار لشراء بخور ليلة القدر أو خبز العباس. ومهما كنت مستحكما وأظافرك عليا في التنجيم، فلا ينفعك مال هنا ولا سنون لضبط المقادير واستنزاف السؤال الحتمي: من يسيطر على شارع الأوراق المطبوعة والمدهونة والمنحوتة؟لا شيء يدل على أي شيء، فممنوع عليك عمل أي شيء في شارع المواسم عدا التصريف والمغادرة وإن أردت التوثيق بالصور فثمة من ينبري لردعك.
ممنوع التصوير!
لطالما سمعت هاتين الكلمتين، أنظر الى الرجل ذي العينين الممحوتين واطمئن الكاميرا: لا تخافي ما دمت على رقبتي! منحت الرجل الحازم نظرة كما لو كان جديرا بالكراهية وقلت:
- الأفضل لك أن تجد حلا لمشكلة المجاري التي خنقتنا رائحتها!
- هذا ليس شغلي.
- وهل شغلك الركض ورائي؟
- ممنوع التصوير هنا بدون موافقة!
أخيرا أضاف للممنوع الكلمة الأثيرية هنا في داغستان: الموافقة! وهذه الكلمة تحتاج الى وقفة لوحدها فهي الأكثر شعبية ولعلها الفريدة التي لا تقبل الجدل.تابعت التجوال في شارع البورصة وكان يلحق بي كحقيبة ظهري ولما رأيت أنه لا طائل من هذه الصحبة فضل مرافقي الاتصال بالمكتب السياسيِ وبعد أن أجرى الحديث أعطاه الهاتف وتكلم معهم بنفسه وتبين بأنه من قوى الإيساج أو الأمن ومسؤول عن أمن البورصة. بعد أن تكلم مع صديقنا في المكتب السياسي انفرجت أسارير الأمني ولحقنا بكوبين وأيضا من الشربت الأسود! أعطيت حصتي لأحد الأطفال وشكرته لأنه أعطى بعدا مثيرا للموضوع الذي سأكتبه.
ماكو أوامر!
ويطرح هذا القطع لسلسة الأفكار السؤال: إذا كانت رئاسة الأمن 'الإيساج' موجودة ولديها ممثل أو أكثر في البورصة ولنقل انها تحافظ على الأمن هناك، فهي إذن عليمة بكل ورقة مالية تدخل أو تخرج في هذا الزقاق الخانقِ ويعني ذلك أيضا أن الأمور تحت السيطرة، أو يفترض لها أن تكون كذلك، فلماذا إذن لا يتحول دكان بورصة كردستان وبسطات باعة الفلوس وفروعهم خصوصا المتجولين بأكياسها الى بورصة طبيعية، أيالى مبنى مقبول تدخل فيه وسائل حديثة (وكلها موجودة في الإقليم) لمراقبة حركة الأموال وسعر الصرف وجني الضرائب ِِِالخ من أمور مالية ليس لنا باع فيها. لمصلحة من هذه الفوضى في زقاق المجاري العليا هذا؟ ومن هؤلاء أصحاب الأموال؟ ومن أين يأتون بها؟ ومن أعطاهم رخصة تداول 'العملات' المحلية والعالمية؟ ونطرح عنوانا لفيلم عراقي رائد 'من المسؤول'؟ عن كل ما يجري هنا.
حوار مفيد
تطوع أحد الشباب الذي يجلس على كرسي محمول وأمامه معرض زجاجي صغير محمول أيضا فيه كل عملات الكون تقريبا بالإجابة عن بعض هذه التساؤلات بعد أن سكت الآخرين لأسباب مختلفة كالتالي:
- لدينا سوق حر وهذا أقره حتى البرلمانِ ولأن الفلوس سلعة كغيرها كالذهب أو النفط أو الملابس، تكون التجارة بها حرة طالما كانت في يدك وملكك.
- ولكن هناك ضوابط حتى في السوق الحر وخاصة بالنسبة للأوراق المالية.
- اسمع، كل الذين تراهم هنا متعلمون بما فيه الكفاية، وأي منا قبل أن يحضر للعمل يراجع آخر جدول بأسعار العملات والذهب والنفط ، بواسطة الإنترنت؟
- طبعا، بالإضافة الى ذلك لدينا اتصالاتنا، وليس هذا فحسب، فاننا مثلكم الصحافيون وربما أكثر نتابع كل أخبار العالم وما يجري فيها، لو توقف أي شخص هنا تجده وكالة أنباء ، قل لي مثلا، لماذا يهبط سعر الدولار هذه الأيام قياسا للدينار؟ (المقصود الطبعة السويسرية للعملة العراقية التي ألغاها النظام والتي ما زال التعامل بها قائما في كردستان )
- الكثير من الأسباب ولكني أختصرها لك بكلمة: في السوق الكثير من الدولارات.
- من أين؟
- الحكومة ضخت الكثير لصرف المرتبات والشركات المحلية والأجنبية تصرف عندنا أيضا لتنفيذ المشاريع وحتى منظمات ال 'يو أن' تغير الدولارات هنا لتنفيذ 'النفط مقابل الغذاء'.
- لو كنتم بهذه الأهمية لماذا لا ينقلونكم الى مكان لائق؟
- حتى لو ينقلونا لأحسن مكان الناس يأتون هنا، لا أحد يحب العمارات والناس ما زالوا يخشون الذهاب الى بنايات عليها حراس وموظفين،ِ يفضلون المجيء للسوق والتصريف مباشرة في الشارع،ِِ لذلك لا فائدةمن نقل البورصة الى مبنى محترم، لأنه لا أحد سيروح هناك.
- من أين تأتون بكل هذه المبالغ التي تكفي للحكومة ومنظمات الأمم المتحدة والشركات، ناهيك عن الناس العاديين؟
- هذه الأموال تدور، اليوم عندنا الدولار وعندهم الدينار، غدا سيشترون الدولار ويعود لنا الدينار ونربح فرق التصريف وهكذا.
- ولكن هذه مهمة البنوك؟
- البنوك خالية ولا توجد فيها سيولة، وهي عموما جديدةِ قبل أسابيع فقط افتتحوا البنك ِِ ستجد فيه أوراقا فقط، هناك التعامل بالأوراق وليس بالفلوس!
- ولكن لم أفهمِ تقول بأن الحكومة والأمم المتحدة والشركات تصرف أموالها هناِ كيف؟ هل يأت وزير المالية بشاحنة فلوس أم ماذا؟
- لا .. لا.. هنا مجموعة من الشركات المالية التي تقوم بالتصريف ونحن وكلائها وكل منا لديه مساعدين ومراقبين أيضا، هم يتعاملون مع الشركات ولديهم إجراءاتهم في التسليم والاستلام وهذه العملية أبسط مماتصور يمكن حلها بالتلفونِ أين شركات التصريف؟ لا أرى سوى هذا الدكان المكتوب عليه 'يورصة كردستان'.
- ليس بالضرورة أن يكون مقر الشركات هنا ِِ ينتشرون كل حسب ظروفه في المدينة ولكننا هنا وكلاءهم وممثليهم وهؤلاء الرجال الذين تمتلئ البورصة بهم كما ترى كل واحد منهم يمثل شركة معينة ولا يعمل لحسابه.
- ومن أصحاب هذه الشركات؟
- هنا ويكفي.. خلينا نشتغل!
العودة الى السويسري
خلال تواجدنا علمنا بأن من أسباب زيادة الدولارات في السوق ليس فقط الطلبات المذكورة أعلاه، بل الطلب الزائد على الدينار العراقي الطبعة السويسرية من قبل تجار العملة في المناطق العراقية التي تسيطر عليها السلطة، وتبين أن هؤلاء يحضرون أنفسهم لعملية التغيير أيضا وحسب توقعاتهم فان النظام القادم في العراق سيرجع للتعامل بدينار الطبعة السويسرية كالسابق وخاصة في الفترة التي تسمى 'المرحلةالانتقالية' التي لا يعرف أحد متى ستبدأ وتنتهيِ ويتوقع هؤلاء أيضا، زيادة سعر الدينار السويسري بعد الإطاحة بالنظام مباشرة، لذلك يجمعون الكثير منه الآن في اليوم الأسود حتى ينفعهم في اليوم الأبيض!والغريب فيما ذكر هو أن الحكومة ومنظمات رسمية كالأمم المتحدة تتعامل مع شركات لنقل عنها خاصة لا أكثرِ بالرغم من وجود البنوك، أو على الأقل بنايات البنوكِ ويبدو أن الجميع مرتاحين لهذه الآلية وحتىعلى المظهر التعيس، بل والقذر الذي يبدو عليه ولنقلها جزافا 'سوق الأوراق المالية في كردستان'.
لمن المطبوع؟

استوقفنا منظر رمي الدنانير العراقية المطبوعة في بغداد على الأرض وعدم حفظها بوقار كباقي العملات. وأحيانا تجدها ملقاة تحت النعل:
-لماذا فلوسك مطشرة على الأرض؟
- كلها تعادل ورقة ( يقصد 100 دولار)ِ ما عليها شيءِ
- لماذا تتعاملون بهذا الدينار إذن؟
- نتعامل بأية عملة عليها طلب؟
- ومن يريد هذا الدينار في كردستان؟
- الذين يسافرون الى العراق (السائد هنا عند ذكر العراق يعني المناطق العراقية التي ما زالت الحكومة العراقية تسيطر عليها).
حقا، شارع فائق الحساسية وفيه كل جهات الريح والمتعاملون بخفاياه مطلعون جدا على كل أسرار البلد ولديهم بصيرة للذي يحصل اكتسبوها بالخبرةِ ومهما كان مظهره الذي لا يوحي بالملايين التي تدخل وعشراتالملايين التي تخرج، فالرجال هنا لا يحسبون الفلوس الطالعة والداخلة فحسب كما بدا لنا للوهلة الأولى، بل يقرأونها وهي طائرة على حد تعبير المثل العراقي ويحسبون كل شيء مرتبط بالأوراق التي يعدونهاوالرابضة في زوايا المتعاملين الكبارِ فالأموال الموجودة في الإقليم ليست هنا كما قيل لناِ والموجود فقط ما تتم فيه تمشية أمور الزبائن كحالنا الذين يريدون سيولة لتمشية أمورهم الحياتية. وبالرغم من معرفتنا للآلية التي يتم من خلالها تدوير الأموال والأطراف التي تشترك بها كما وضحنا واقترابنا من معرفة أصحاب الأموال الكبيرة في الإقليم وهم نفسهم في كل زمان ومكان، إلا أن الغموض ما زال يحيط بالكثير من الأسئلة، التي بلا شك، لم نطرحها على أحد حتى الآن لأنه: ممنوع التصوير!